المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الذبائح قوله: (ومنه قوله عليه السلام: "ذكاة الأرض يبسها"). تقدم التنبيه - التنبيه على مشكلات الهداية - جـ ٥

[ابن أبي العز]

الفصل: ‌ ‌كتاب الذبائح قوله: (ومنه قوله عليه السلام: "ذكاة الأرض يبسها"). تقدم التنبيه

‌كتاب الذبائح

قوله: (ومنه قوله عليه السلام: "ذكاة الأرض يبسها").

تقدم التنبيه على أن هذا الحديث غير معروف في كتب الحديث.

قوله: (ولا تؤكل ذبيحة المجوس لقوله عليه السلام: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم").

لم يثبت في هذا الحديث وإن كان الحكم كذلك، وقد وردت في حديث آخر.

ص: 715

قوله: (له قوله عليه السلام: "المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم").

هذا الحديث لم يثبت وهو مرسل ضعيف، ذكره أبو داود بمعناه.

قوله: (ولكنا نقول في اعتبار ذلك من الحرج ما لا يخفى لأن الإنسان كثير النسيان، والحرج مدفوع، والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول والإقامة في حق الناسي، وهو معذور لا يدل عليها في حق العامد، وما

ص: 716

رواه محمول على حالة النسيان).

في كلامه نظر من وجوه:

أحدها: قوله: إن في اعتبار ذلك، أي في اشتراط ذكر اسم الله من الحرج ما لا يخفى؛ لأن الإنسان كثير النسيان.

وجوابه أنكم قلتم: إن حق النسيان لم يرتفع في قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وإنما ارتفع إثمه.

وقلتم: إن القياس يقتضي فساد صوم الآكل ناسيًا ولكن ترك بالنص، وقلتم بفساد صلاة المتكلم في صلاته ناسيًا مع أن النص قد ورد فيه في حديث ذي اليدين، ولم تعتبروا الحرج، بل قلتم: إن الحالة [فيه

ص: 717

مذكرة] فلا يعذر بالنسيان فهلا قلتم ذلك هنا، فإن إضجاع المذبوح للذبح وإرسال الكلب المعلم ونحوه ورمي السهم الحالة فيه مذكرة.

ولا شك أن تسمية المذكي شرط الحل/ ولا يكون النسيان عذرًا في ترك الشرط، فلو نسي الطهارة أو استقبال القبلة أو ستر العورة في الصلاة أو الإحرام في الحج أو النية فيهما لم تصح صلاته ولا حجه، فكذلك ذكر اسم الله على الذبيحة، وقد فرق بعض الأصحاب بين ترك الطهارة للصلاة، وبين ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا بأن الذي لزم المصلي بغير طهارة من إعادة الصلاة فرض مبتدأ وإلا فكلٌ منهما قد فعل ما كلف به.

وهذا فرق فاسد بل الذي صلى بغير طهارة ناسيًا لم يفعل ما أمر به، فإذا أعادها بطهارة كانت صلاته الثانية هي المأمور بها دون الأولى، والقول بأن المصلي بغير طهارة ناسيًا فاعل لما أمر به، وأن الذي لزمه بعد الذكر فرض مبتدأ قول ظاهر الفساد، والله أعلم.

وأيضًا فإن استخراج الخبث من الذبيحة إنما هو بذكر اسم الله لا باستخراج الدم المسفوح فقط، فإذا ذبح مع الغفلة عن ذكر اسم الله تعالى لم يكن اللحم من الطيبات بل من الخبائث فإن لم تحصل التذكية باسم الله كان للشيطان فيها نصيب فيكون كما لو أهل به لغير الله ولهذا لم تحل ذبيحة المجوسي لعدم الإخلاص في ذكر اسم الله، وحل المذكي بالذكاة

ص: 718

الاضطرارية مع ذكر اسم الله، وإن لم يستخرج كل الدم المسفوح.

وأما صيد البر في حق المحرم والحرم فلاستحقاقه الأمن يخرج عن محلية الذكاة.

فالحاصل أن التسمية شرط الحل، وما كان شرطًا للحل لا يسقط بالنسيان كما لو ذبح في غير المحل أو ذكى بغير المحدد ناسيًا، وهذا مما استدل به من لم يشترط التسمية بحال على من اشترطها مع الذكر فقط.

الثاني: قوله: والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف في الصدر الأول.

وجوابه: أن مخالفة من خالف النصوص الواردة من الكتاب والسنة على اشتراط التسمية بالتأويل أو لنص ظن ثبوته لا يوجب أن تكون غير مجراة على ما ظهر من دلالتها ولو كان ذلك موجبًا لإخراجها عن ظاهرها لما صح الاستدلال بنص حصل النزاع فيما دل عليه من الحكم في مسألة من المسائل ولقال المخالف هذا النص غير مجرى على ظاهره لحصول النزاع في مدلوله إذ لو كان مجرى على ظاهره لارتفع الخلاف في الصدر الأول، وقد قال الله تعالى:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} .

والمراد بالرد إلى الله، الرد إلى كتابه، وبالرد إلى رسوله، الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ولما كان حل متروك التسمية نسيانًا أو عمدًا من

ص: 719

مسائل النزاع، كان الواجب علينا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا نقول إن النصوص الدالة على حكم التسمية لا دلالة فيها لوجود الخلاف في حكم التسمية في الصدر الأول، بل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما هو القول الراجح، والقول الآخر مرجوح، وقائله مأجور على اجتهاده مغفور له خطؤه.

فالنصوص الدالة على اشتراط التسمية من الكتاب قوله تعالى في سورة الأنعام: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} ، وقوله تعالى:{وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} الآيتان.

وقوله تعالى في سورة الأنعام: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} الآية، فقد أمر الله سبحانه بالأكل مما ذكر اسم الله عليه وعلق لك بالإيمان وأنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله علي، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وقال:{وإنه لفسق} وأن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه/ لفسق كما قال فيما أهل به لغير الله في قوله تعالى: {أو فسقًا أهل لغير الله به} ، وقال تعالى في سورة المائدة:{فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} .

ص: 720

ومن السنة أحاديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني المخرجة في السنن والمساند فهاهنا عن عدي بن حاتم قال: "قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي، فقال: إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" فأمره بأكل ما سمى عليه ونهاه عن أكل ما شك في تذكيته، وعلل ذلك بأنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، فجعل المانع من حل صيد الكلب الآخر ترك التسمية كما جعل فعل التسمية عليه لحل صيد كلبه وهذا من أصرح الأدلة وأثبتها في جعله وجود التسمية شرطًا في الحل، وعدم التسمية مانعًا من الحل، ولم يفرق بين تركها ناسيًا أو عامدًا وعن أبي ثعلبة الخشني قال:"قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس يعلم مما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" فهذا أبو ثعلبة يسأله عما يحل له من ذلك وهذا سؤال من يطلب أن يبين له جميع ما يحل له من ذلك فلم يحل له إلا ما ذكر اسم الله عليه، فلو كان يحل له ما ترك التسمية عليه نسيانًا أو عمدًا لم يكن ما ذكره جوابًا له وأحاديث عدي وأبي ثعلبة وإن كانت في الصيد فإنه يؤخذ منها حكم الذبح بطرق الأولى، فإن حال الاصطياد حال قد يدهش الإنسان ويذهل عن التسمية فيها.

ص: 721

وإذا لم يعذره في هذه الحال بترك التسمية فألا يعذره في حال الذبح -وهو أحضر عقلاً- أولى وأحرى.

الثالث: قوله وما رواه محمول عن حالة النسيان.

وجوابه: ما تقدم أن ما رواه لم يثبت، فإن قيل: فقد روى ابن جرير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين الذبح فليسم وليذكر اسم الله وليأكل".

فالجواب أنه لا يصلح لمعارضة النصوص المتقدمة لأنه ضعيف، قال أهل الحديث: إن الصحيح وقفه على ابن عباس، والنزاع في ذلك معروف، وكذلك قد احتجوا أيضًا بحديث منكر ضعفه أهل الحديث وهو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسم الله على كل مسلم"، ولم يثبت ما يعارض النصوص المتقدمة، وأيضًا فليس في الكتاب والسنة نصوص صحيحة صريحة بتحريم ذبيحة المشركين والمرتدين والمجوس

ص: 722

كالنصوص التي فيها النهي عما لم يذكر اسم الله عليه، فكيف يشترط في الذابح أن يكون مسلمًا أو كتابيًا ولا يشترط أن يذكر اسم الله، واشتراط هذا أبين في الكتاب والسنة.

قوله: (على ما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "جردوا التسمية").

قال ابن التركماني في كلامه على أحاديث الهداية: لم أره، يعني في كتب الحديث.

قوله: (والأصل فيه قوله عليه السلام: "الذكاة ما بين اللبة واللحيين").

هذا اللفظ غير محفوظ، وإنما أخرج الدارقطني:"ألا إن الذكاة في الحلق واللبة"، ولكن في طريقه سعيد بن سلام قال الدارقطني: متروك الحديث [يحدث] بالبواطيل.

قوله: (لقوله عليه السلام: "افر الأوداج ما شئت" وهو اسم جمع وأقله الثلاث).

ص: 723

الحديث غير معروف بهذا اللفظ وإنما المعروف/ حديث رافع بن خديج قال: "قلت: يا رسول الله إنا نلقي العدو غدًا وليس معنا مدى؟ فقال عليه السلام: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنًا ولا ظفرًا، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" رواه الجماعة، وللنسائي وأبي داود واللفظ له عن عدي بن حاتم "قلت: يا رسول الله أنذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله" ويروى: امر. وصوب الخطابي: امر -ساكنة الميم، خفيفة الراء- أي اسله وأجره، وللبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما "كل ما أفرى

ص: 724

الأوداج غير مثرد".

قال أبو عبيد: قال أبو زياد الكلابي: التثريد أن تذبح بشيء لا حد له، فلا ينهر الدم ولا يسيله.

وقوله: وهو اسم جمع وأقله الثلاث، مشكل؛ لأنه معرف بأل، فبطل معنى الجمع، والمسألة معروفة، وفي كلام المصنف مؤاخذة أخرى لفظية، وهي قوله: إن الأوداج اسم جمع وليس كذلك في اصطلاح النحاة، وإنما هو جمع، واسم الجمع كقوم ورهط ونفر وذلك معروف في كتب النحو.

قوله: (لقوله عليه السلام: "كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا السن والظفر، فإنها مدى الحبشة").

لم يرد الحديث بهذا اللفظ في كتب الحديث، وإنما ورد كما تقدم،

ص: 725

وليس في شيء من طرقه: وأفرى الأوداج، ولا تفسير السن والظفر بأنهما مدى الحبشة، وإنما فيه "وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".

قوله: (ولنا قوله عليه السلام: "أنهر الدم بما شئت" ويروى "أفر الأوداج بما شئت" وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود وهو إخراج الدم، وصار كالحجر والحديد بخلاف غير المنزوع لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة).

المروي في كتب الحديث ما تقدم ذكره في حديث [عدي] بن حاتم وهو "أمرر الدم بما شئت" براءين، أو "امر الدم" بميم ساكنة وراء، وذكر "أفر الأوداج" إنما هو من كلام ابن عباس كما تقدم.

وقوله: وما رواه محمول على غير المنزوع، لم يستدل على هذه الدعوى

ص: 726

إلا بأن الحبشة كانوا يفعلون ذلك وهذا يحتاج إلى نقل أنهم لم يكونوا يفعلون إلا ذلك لا أنهم كانوا يفعلون ذلك، ومن أين لنا أنهم لم يكونوا يذبحون بالظفر المنزوع وإنما كانوا يذبحون بغير المنزوع فقط، ولفظ الحديث يعم النوعين.

وقوله: ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم وصار كالحجر والحديد.

جوابه: إن الشارع أخرجه عن صلاحيته للذكاة الشرعية وقد نبه على العلة، والشارع قد زاد على انهار الدم شروطًا أخر، منها التسمية ومنها تعيين المحل حالة الاختيار، ومنها شروط في الذابح، وشروط في الآلة، فكما لا تجوز ذبيحة المجوسي والمحرم لا يجوز الذبح بالسن والظفر.

وقوله: بخلاف غير المنزوع؛ لأنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة.

جوابه: أن الثقل الذي يكون مع غير المنزوع يكون مثله مع المنزوع بل مع كل محدد، فإن كل محدد لا بد مع إمراره على الذبح من التثقيل بالكبش والآلة غير قاطعة بنفسها، بل لابد معها من شد الساعد، فشد الساعد مع الظفر المنزوع كشده مع غير المنزوع، بل قد يكون الظفر القائم أحد من الحجر المحدد ونحوه ومن بعض المدى فلم تكن العلة في المنع القتل بالثقل، بل ما

ص: 727

أشار إليه الشارع صلى الله عليه وسلم بقوله: "أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"/ ولم يجعل الشارع العلة القتل بالثقل ولا أشار إليه، فالتعليل بالعلة التي علل بها الشارع أولى من التعليل بغيرها.

قوله: (والمستحب في البقر والغنم الذبح فإن نحرهما جاز ويكره -إلى أن قال- خلافًا لما يقوله مالك رحمه الله أنه لا يحل).

لا يخالف مالك رحمه الله في حل ما نحر من البقر والغنم، وإنما حكى أنه لا يجوز في الإبل إلا النحر؛ لأن أعناقها طويلة، فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، وقال ابن المنذر: إنما كرهه ولم يحرمه، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح، ذكر ذلك في المغني.

قوله: (وله أنه أصل في الحياة حتى يتصور حياته بعد موتها وعند ذلك

ص: 728

يفرد بالذكاة

إلى آخره).

يعني الجنين، أي يجب إفراده بالذكاة عند أبي حنيفة رحمه الله لما ذكر، وما ذكره من التعليل لا يصلح في معارضة ما استدل به الصاحبان من الحديث، ولم يجب المصنف عن استدلالهما بالحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الجنين:"ذكاته ذكاة أمه" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد أجاب بعض الأصحاب عن ذلك بأن المراد أن ذكاته كذكاة أمه، أي أنه يذكي كما تذكي أمه.

كما في قول القائل: بنونا بنو أبنائنا، ويدفع هذا التأويل ما ورد في بعض طرقه "قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة في بطنها الجين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" رواه أحمد

ص: 729

وأبو داود، وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن. انتهى، ولا معارضة له، وهو قول عامة الصحابة والتابعين، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه إلى أن جاء النعمان.

* * *

ص: 730