الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن هذا الذي يقتضيه منصب القضاء، وقد تنازع الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجبًا بغير أمره كالدين، فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه: له الرجوع به عليه، وإذا أنفق نفقة تجب عليه، مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده، فالمحققون من أصحاب أحمد سووا بين الدين والنفقة، والقرآن يدل لذلك، قال تعالى:{فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ، فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدًا ولا إذن الأب، وكذلك قوله تعالى:{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ، بعد قوله تعالى:{والوالدات يرضعن أولادهن} ونفقة الحيوان واجبة على مالكه والمرتهن والمستأجر له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على مالكه كان أحق بالرجوع من النفقة على ولده.
قوله: (ولا يجوز رهن المشاع).
تقدم في كتاب الهبة، التنبيه على قوة قول من قال ب
جواز رهن المشاع
وهبته وإجارته ووقفه، وأنه لم يرد بإبطاله كتاب ولا سنة وأكثر الأئمة على
جواز الأئمة الثلاثة وغيرهم.
قوله: (فإن رهن إبريق فضة وزنه عشرة [بعشرة] فضاع فهو بما فيه، قال رضي الله عنه: معناه أن تكون قيمته مثل وزنه وأكثر).
صور هذه المسألة جماعة من الأصحاب في قلب فضة وهو أولى من التصوير في إبريق فضة، فإن إبريق/ الفضة لا قيمة لصياغته، لأنه لا يجوز استعماله، فلا تجوز صياغته، وكذلك سائر الأواني من الذهب والفضة بخلاف سوار الفضة وسائر الحلي من الذهب والفضة للمرأة وخاتم الفضة للرجل، فإن هذا جائز الاستعمال جائز الصياغة فتكون صياغته متقومة.
قوله: (ووجه الفرق أن بالإبراء يسقط الدين أصلاً كما ذكرناه وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب إلا أنه يتعذر الاستيفاء لعدم الفائدة، لأنه يعقب مطالبة مثله، فأما هو في نفسه قائم، فإذا هلك تقرر الاستيفاء الأول، فانتفض الاستيفاء الثاني).
هذا مرتب على أصلين، في ثبوت كل منهما نظر:
أحدهما: أن عقد الرهن عقد استيفاء، وقد تقدم التنبيه على ما في ذلك من الإشكال.
والثاني: أن من استوفى دينه يثبت للذي وفاه في ذمته ذلك القدر الذي وفاه إياه، وتبقى ذمة كل منهما مشغولة للآخر بقدر ذلك الدين، وإنما تمتنع المطالبة لعدم الفائدة؛ لأنه إذا طالب أحدهما الآخر بدينه طالبه الآخر بدينه، ولا تقع المقاصة بالدينين أبدًا.
وكلما تأمل المنصف هذا القول تبين له ضعفه، وكيف يقال إن الواجب على المديون غير ما فعله من وفاء دينه، وإن ذمة المديون اشتغلت بما لا يمكنه تفريغ ذمته منه أبدًا إلا أن يبرئه رب الدين من دينه وأنه إذا لم يبرئه فذمته مشغولة، فلو امتنع من الإبراء لا يكون له طريق إلى تفريغ ذمته، وكيف يقدم على الإبرام وقد قلتم: إنه إذا أبرأه من دينه فللمبرأ أن يطالب المبرئ بنظير ما أبرأه منه؛ لأنه بالإبراء سقط دينه وبقي دين المبرأ عليه، فله أن يطالبه به، فعلى هذا لا يقدم أحدهما على أن يبرئ صاحبه خوفًا من أن يطالبه بنظير ما أبرأه منه فتأمل قبح هذا اللازم، ولو كان الإبراء من الدين شرطًا في تفريغ ذمة المديون لبينه لنا الشارع، ولما لم يأت عن الشارع اشتراط الإبراء مع الوفاء في تفريغ الذمة علمنا أنه شرط باطل، وأن المديون لم تشتغل ذمته بغير وفاء الدين، وقد تقدم التنبيه على هذا المعنى في كتاب الوكالة.
قوله: (كذا لو تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين لتوهم وجوب الدين بالتصادق على قيامه فتكون الجهة باقية بخلاف الإبراء).
هذه الصورة أبعد مما تقدم فإنه على تقدير أن يثبت بالاستيفاء دين في ذمة
رب الدين للمديون، فهنا قد تصادقا [على] أن لا دين، ولازم ذلك أن ييكون الرهن أمانة وأن لا ضمان بهلاكه فكيف يقال بوجوب ضمان الرهن، وصاحب الرهن يبرئه عنه معنى بتصديقه على أن لا دين، وأن الرهن أمانة، مع أن صاحب المبسوط ذكر أنه يهلك أمانة خلاف ما نقله صاحب الهداية، وهذا هو الحق، وذكر الإسبيجابي فيه اختلاف المشايخ. صلى الله عليه وسلم.
* * *