المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الرهن قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يغلق الرهن. قالها - التنبيه على مشكلات الهداية - جـ ٥

[ابن أبي العز]

الفصل: ‌ ‌كتاب الرهن قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يغلق الرهن. قالها

‌كتاب الرهن

قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يغلق الرهن. قالها ثلاثًا، لصاحبه غنمه وعليه غرمه").

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه" قال الدارقطني [هذا] إسناد حسن متصل. انتهى.

ص: 853

ولم أر في شيء من طرقه: قالها ثلاثًا كما قال المصنف.

قوله: (ولنا قوله عليه الصلاة والسلام للمرتهن بعد ما نفق فرس الرهن عنده: "ذهب حقك"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا عمي الرهن فهو بما فيه").

الحديث الأول رواه أبو داود مرسلاً عن عطاء "أن رجلاً رهن فرسًا فنفق في يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرتهن: ذهب حقك" قال عبد الحق في أحكامه: هذا مرسل وضعيف الإسناد. انتهى.

ومذهب عطاء بخلافه، حكاه صاحب المغني، وقال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذابًا، وقيل: يرويه مصعب بن ثابت وكان

ص: 854

ضعيفًا.

قالوا: ويحتمل أنه أراد: ذهب حقك من التوثق، أي لايلزم الراهن أن يرهن شيئًا آخر مكان الفرس، وكان حقه في الفرس التوثق بحبسه فذهب بموته، مع أن قوله:"فنفق في يده" ظاهره أنه نفق في يد الراهن قبل التسليم إلى المرتهن وحينئذ فقد ظهر أن معنى قوله للمرتهن: "ذهب حقك" في الارتهان، فلا يلزم الراهن أن يقيم بدل الفرس رهنًا آخر.

والحديث الثاني: رواه الدارقطني وضعف سنده، ولفظه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الرهن بما فيه" ولو صح فلا يدل على ما ادعاه المصنف بل يحتمل أن معناه أن المرتهن أولى به من غيره من الغرماء، ويكون معنى قوله: الرهن بما فيه، أن يكون بما هو مرهون به يختص المرتهن بالاستيفاء منه دون سائر الغرماء عند ضيق التركة.

قوله: (وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الرهن مضمون مع اختلافهم في كيفيته والقول بالأمانة خرق له).

في نقل الإجماع نظر، فقد نقل عن علي رضي الله عنه فيه روايات

ص: 855

مختلفة منها:

أنه يهلك من مال الراهن، حكى هذه الرواية عنه صاحب المغني، ولا يعرف فيه نقل عن غير علي وعمر رضي الله عنهما، والنقل عن علي مضطرب فأين الإجماع، وقال بهذا القول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وسائر أهل الحديث وأهل الظاهر.

قال ابن المنذر في الإشراف: وبقول الشافعي أقول لأن ملك الراهن ثابت عليه ولم يملكه المرتهن، فإذا تلف فتلفه من مال مالكه، والزيادة والنقصان عليه وله. انتهى.

ص: 856

قوله: (ولأن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء

إلى آخره).

لا يلزم مما ذكره كله أن يكون المرتهن مستوفيًا دينه عند هلاك الرهن، فأما قوله: إن الرهن ينبئ عن الحبس الدائم، قال الله تعالى:{كل نفس بما كسبت رهينة} .

فجواب: أن الرهن إنما هو بالدين فيبقى ببقاء الدين، ولهذا يلزم المرتهن رده عند استيفاء الدين فلا يلزم منه أن يكون مضمونًا بالدين، بل محبوسًا به، وأما استدلاله بقول القائل:

وفارقت برهن لا فكاك له .... البيت.

فلا دليل فيه، فإنه ذكر رهنًا منكرًا في سياق إثبات، ووصفه بأنه لا فكاك له، فلا يلزم منه أن كل رهن لا فكاك له، وأما قوله: ليقع الأمر من الجحود مخافة جحود المرتهن الرهن -إلى أن قال- وإذا كان كذلك ثبت الاستيفاء من وجه، وقد تقرر بالهلاك، فلو استوفاه ثانيًا يؤدي إلى الربا إلى آخره.

ص: 857

فجوابه أنه إذا احتمل كلا المعنيين والدين ثابت بيقين فلا يسقط بالشك، والمرتهن لم يكن مستوفيًا حال قيام الرهن، فلا ينقلب بعد هلاكه فلا يكون باستيفائه مستوفيًا لحقه مرتين، وإذا لم يكن بالارتهان مستوفيًا لدينه حال قيام الرهن لا يصير مستوفيًا لحقه مرتين، وإذا لم يكن بالارتهان مستوفيًا لدينه حال قيام الرهن لا يصير مستوفيًا بعد هلاكه، لأنه في هذه الحالة معدوم والأصل بقاء ما كان على ما كان، والدين كان ثابتًا فيبقى على ما كان، والرهن كان أمانة في يده حتى لو أبرأه من الدين ثم هلك الرهن لم يضمن فيبقى على ما كان، وعلى كل تقدير فلا يلزم مما علل به كله أن يكون مستوفيًا، وإن كان محتملاً ففي ثبوته بالاحتمال نظر،

قوله: (والاستيفاء يقع بالمالية، أما العين [فـ] أمانة حتى كانت نفقة المرهون على الراهن في حياته وكفنه بعد مماته/ وكذا قبض الرهن لا ينوب عن قبض الشراء إذا اشتراه المرتهن، لأن العين أمانة فلا تنوب عن قبض الضمان).

كون العين أمانة على كل حال مما يؤيد قول الشافعي وأحمد ومن وافقهما فإن العين هي الأصل والمالية تبع، فيلزم من كون العين أمانة أن تكون المالية كذلك، والتفريق في المالية بين كونها أمانة في حال دون أخرى فيه نظر، فإن كون الرهن لو هلك بعد الإبراء من الدين هلك أمانة وبعد الاستيفاء لا مرتب على أن [بـ] الاستيفاء يثبت للمديون على رب الدين دين آخر، وتشتغل

ص: 858

ذمة كل منهما بدين صاحبه، وقد تقدم التنبيه على ما في ذلك من الإشكال في كتاب الوكالة، وكون أمانة قبل هلاكه لا بعده تقدم التنبيه عليه قريبًا.

قوله: (ومذهبنا مروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما).

أما النقل عن عمر رضي الله عنه فرواه الدارقطني والبيهقي، وأما النقل عن ابن مسعود رضي الله عنه فلم أره.

قوله: (وما أدى أحدهما مما وجب على صاحبه فهو متطوع وما أنفق أحدهما مما يجب على الآخر بأمر القاضي رجع عليه كأن صاحبه أمره به).

في هذا الإطلاق نظر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا

ص: 859

والنسائي.

وفي لفظ: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته" رواه أحمد، وبذلك قال أحمد في أصح الروايتين عنه: إن الرهن المحلوب والمركوب للمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريًا للعدل في ذلك وهو قول الحق، وهو الموافق للنقل الصحيح والقياس الصحيح، فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن، وفي جواز الإنفاق بالركوب وبشرب اللبن مصلحة محضة للراهن والمرتهن وهي بلا شك أولى من تعطيل ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذر أو يتعسر الرفع إلى الحاكم، ولاسيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، وأيضًا فإن هذا إن كان مأذونًا فيه شرعًا فلا حاجة إلى إذن الحاكم، فأين قال الشارع ذلك بل الشارع قد أذن للمرتهن في الإنفاق على المرهون المركوب والمحلوب بركوبه وحلبه، فاستغنينا عن إذن القاضي، إلا أن يكون القاضي ملزمًا لمن امتنع عن موجب هذا الحديث الصحيح.

ص: 860