الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الوصايا
قوله: (والقياس يأبى جوازها لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال مالكيته
…
إلى آخره).
تقدم التنبيه على أن هذه العبارة فيها إساءة أدب على الشرع لأن معناها أن القياس الصحيح يأباها وهذا لا يصح؛ لأن الشرع لا يأتي إلا على وفق القياس الصحيح علمه من علمه وجهله من جهله، وإن تراءى الجامع وخفي الفارق فالقصور فهمنا عن إدراكه، وعدم علمنا بالفارق لا يكون علمًا بعدم الفارق مع أنه قد ذكر الفارق وسماه استحسانًا وذلك هو القياس الصحيح، وذلك القياس الذي يأبى جوازها هو القياس الفاسد، وإذا جاء النص على خلافه، لا يقال: جاء النص على خلاف القياس؛ لأن القياس إذا أطلق ينصرف إلى القياس الصحيح، والنص لا يأتي على خلافه.
قوله: (وفي شرع الوصية ذلك فشرعناه).
في هذه العبارة إساءة أيضًا لأن الله تعالى هو الذي شرع الوصية ورسوله
بإذنه، فكيف يقول فشرعناه، وكأن المصنف جاء بهذه اللفظة لأجل القرينة، ولم يتأمل لازمها.
قوله: (وفي آخر حديث الوصية-: "
…
تضعونها حيث شئتم، أو قال حيث أحببتم").
هذه الزيادة لم أرها في الحديث المذكور، وفي ثبوتها نظر، فإن الموصي لو أراد أن يضعها فيما لا يجوز له شرعًا ليس له ذلك.
قوله: (وقد جاء في الحديث "الحيف في الوصية من أكبر الكبائر").
هذا اللفظ لا يعرف، وإنما ورد "الحيف في الوصية والإضرار فيا من الكبائر" أخرجه البيهقي وغيره، وقالوا: إن رفعه لا يصح وإنما هو من
كلام ابن عباس نفسه.
قوله: (وكل ما جاز بإجازة الوارث يمتلكه المجاز له من قبل الموصى عندنا، وعند الشافعي من قبل الوارث).
الصحيح من مذهب الشافعي خلاف ذلك، وإنه يتلقى الملك من الموصى.
قوله: (ولا تجوز للقاتل عامدًا كان أو خاطئًا بعد أن كان مباشرًا لقوله عليه الصلاة والسلام "لا وصية للقاتل"؛ ولأنه استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية كما يحرم الميراث).
فيه نظر من وجوه:
أحدها: قوله: ولا تجوز للقاتل عامدًا كان أو خاطئًا بعد أن كان مباشرًا. فإنه يجب أن يستثنى الصبي والمجنون، كما ذكره قاضي خان في الفتاوى، والكاساني في البدائع وغيرهما؛ لأنهما لا يحرمان الميراث بالقتل مطلقًا
لفساد القصد منهما، فالوصية أولى.
الثاني: قوله: لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وصية لقاتل". فإنه حديث باطل، رواه الدارقطني، وفي سنده مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة قال الدارقطني: مبشر متروك يضع الحديث، والحجاج بن أرطأة لا يحتج بحديثه، وقال أحمد بن حنبل: مبشر أحاديثه موضوعة كذب.
الثالث: قوله: ولأنه استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية كما يحرم الميراث. فإن هذا الاستدلال إنما يصح في المسألة التي بعد هذه، وهي ما إذا أوصى لرجل، ثم قتله ذلك الرجل، وقد اختلف العلماء في جواز الوصية للقاتل على ثلاثة أقوال:
النفي مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي والثوري وإحدى الروايات عن أحمد، والجواز مطلقًا وهو قول مالك وإحدى
الروايات عن أحمد، واختاره ابن المنذر، والتفصيل، إن كانت بعد الجرح تصح، وغن كانت قبله لا تصح، وإن كانت قبله لا تصح وهو أحدى الروايات الثلاث عن أحمد وهو قول الحسن بن صالح، ووجهه أن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها ولم يطرأ عليها ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت لأن القتل طرأ عليها فأبطلها لأنه يبطل ما هو آكد منها وهو الإرث، يحققه أن القتل إنما منع الميراث لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه فعورض بنقيض قصده، وهو منع الإرث دفعًا لمفسدة قتل المورثين وهذا المعنى يتحقق في القتل الطارئ على الوصية.
قوله: (والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازًا أو كانت وصية في تجهيزه وأمر دفنه).
لا يصح حمل الأثر على ما ذكره لأن فيه أنه كان يفاعًا لم يحتلم وأنه أوصى لبنت عمه بمال يقال لها: بئر جشم وأن ذلك المال بيع بثلاثين ألف درهم، وهذا الأثر ذكره مالك في الموطأ والبيهقي وغيرهما وقال بموجبه الأئمة الثلاثة وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز وشريح وعطاء والزهري وإياس وعبد الله بن عتبة والشعبي والنخعي وإسحاق، وعن ابن عباس: لا تصح وصيته حتى يبلغ، وبه قال الحسن ومجاهد، ويروى عن الشافعي أيضًا.
قوله: ...................................................................................
(وله أن السهم هو السدس؛ هو المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى).
رفعه ضعيف، ضعفه البزار وغيره.
* * *
باب الوصية بثلث المال
قوله: (بخلاف ما إذا أقر بعين أو دين لوارثه وللأجنبي حيث لا يصح في حق الأجنبي
…
إلى آخره).
فيه نظر، فإن الإقرار إخبار عن أمر كائن، والشأن في إبطال الإقرار للوارث، وينبغي أن لا يبطل الإقرار للوارث إلا عند قيام قرينة تدل على تهمة، وإلا فإذا كانت ذمته مشغولة بدينه كيف يقال إن الطريق إلى تخليص ذمته من دينه مسدودة، وأنه لا سبيل لهذا المسكين إلى الوصول إلى دينه، وأنه لما فرط في الإشهاد على المديون في صحته انسد عليه باب الوصول إلى دينه، وانسد على الآخر الوصول إلى خلاص ذمته لاحتمال تهمة الإيثار.
وهذا إنما يتأتى في حق الفاسق القليل الدين، أما العد المتقي فلا يتهم في إقراره بدين في ذمته هذا في حق الوارث، أما الأجنبي فكيف يكون ضمه إلى الوارث مبطلاً حقه لاستحقاقه المشاركة له في كل ما يقبضه، ومراعاة خلاص ذمة المقر أولى من اعتبار معنى يؤدي إلى إبطال حق الأجنبي والنظر إلى جانب تخليص الذمة وإيصال الحق إلى مستحقه، وحمل كلام المسلم
على الصدق خصوصًا من قد أشرف على الموت كيف يظن به الكذب، بلى إن كان معروفًا بالكذب قبل ذلك يتهم في هذا الإقرار خوفًا من جريه على عادته، وهذا معنى مذهب مالك رحمه الله، فإنه يقال: إن المريض إذا أقر لوارثه بدين -فإن لم يتهم- قبل.
* * *
باب الوصية للأقارب وغيرهم
قوله: (وقد تأيد بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لجار المسجد إلى في المسجد").
أخرجه الدارقطني من حديث جابر، وهو حديث ضعيف، ضعفه البيهقي والنووي وغيرهما، وقال ابن حزم، هو صحيح من قول علي رضي الله عنه.
قوله: (لما روي "أنه عليه الصلاة والسلام لما تزوج صفية أعتق كل من
ملك من ذي رحم محرم منهما إكرامًا لها، وكانوا يسمون أصهار النبي صلى الله عليه وسلم").
صوابه جويرية فإنه ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولم يرو في حق صفية شيء من ذلك.
قوله: (وله، أن اسم الأهل حقيقة في الزوجة، يشهد بذلك قوله تعالى {وسار بأهله} ومنه قولهم: تأهل ببلدة كذا. والمطلق ينصرف إلى الحقيقة).
تخصيص الزوجة باسم الأهل مخالف لما قاله أهل اللغة، ولما عليه جمهور أهل العلم، قال في المغرب: أهل الرجل أخص الناس به، عن الغوري
والأزهري، وقيل: الأهل المختص بالشيء اختصاص القرابة، وقيل: خاصة الشيء الذي ينسب إليه، ويكنى به عن الزوجة، ومنه:{وسار بأهله} انتهى.
فقد جعله كناية عن الزوجة لا كما ادعاه المصنف، وهذا هو المعروف في استعمال الشرع، قال تعالى:{قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول} إلى أن قال: {فقال رب إن ابني من أهلي} إلى أن قال: {إنه ليس من أهلك} الآية، وقال تعالى:{فدية مسلمة إلى أهله} وقال تعالى: {وشهد شاهدٌ من أهلها} وقال تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} وقال تعالى: {وأتوني بأهلكم أجمعين} ، ولا دليل له في قوله تعالى:{وسار بأهله}
لأن ظاهر الآية يدل على أن مع زوجته غيرها من عياله، لقولها:{امكثوا} ثم قال: {آتيكم} ثم قال: {لعلكم تصطلون} ولم يقل: امكثي، اتيك، لعلك تصطلي، ولا يلزم من قولهم: تأهل ببلدة كذا. اختصاص الاسم بالزوجة، وإنما يدل على جواز استعماله في الزوجة، ولا كلام فيه، وقوله: والمطلق ينصرف في الحقيقة، إنما يتم استبدلاله به أن لو سلم له أن الأهل حقيقة في الزوجة مجاز في غيرها، وليس على هذه الدعوى دليل صحيح.
قوله: (وفي الوصية للفقراء والمساكين يجب الصرف إلى اثنين منهم اعتبارًا لمعنى الجمع).
فيه نظر، فإن ظاهره أنه يجب الصرف إلى اثنين من الفقراء أو اثنين من المساكين لقوله: اعتبارًا لمعنى الجمع. وقد تقدم في باب الوصية بثلث المال: أن الفقراء والمساكين جنسان، وأنه يعتبر من كل فريق واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: منكل فريقٍ، اثنان، ومقتضى ذلك أنه يجب هنا الصرف إلى واحد فصاعدًا من كل صنف عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو الصحيح، وكأنه يريد أنه لو أوصى لفقراء بني فلان أو لمساكين بني فلان، ولا يريد أنه أوصى للفقراء والمساكين بهذا اللفظ، فإن كان أراد ذلك فالمعنى صحيح والعبارة فيها نظر.
قوله: (ولا يدخل فيه موالٍ أعتقهم).
قال السغناقي: هكذا وقع في النسخ ولكن الصواب في هذا أن يقال:
موال أعتقهم ابنه أو أبوه كما هو المذكور في الإيضاح والجامع الكبير؛ لأن التعليل الذي علل به إنما يصح في الذين أعتقهم ابنه أوه في موالٍ أعتقهم الموصي لأن أولئك مواليه حقيقة.
قوله: (بخلاف معتق البعض لأنه ينسب إليه بالولاء).
قال السغناقي: هكذا وقع في النسخ لكن هو ليس بصواب، بل [الصواب] أن يقول: بخلاف معتق المعتق كما هو المذكور في الإيضاح أنه يثبت بهذا الفرق بين موالي الموالي وبين موالٍ أعتقهم أبوه أو ابنه على ما ذكرنا من النسخة الصحيحة فيه أيضًا، وذلك إنما يستقيم فيما إذا قال بخلاف معتق المعتق، وأما معتق البعض فعند أبي حنيفة لم ينسب إليه بالولاء بعد لأنه بمنزلة المكاتب والمكاتب لا يدخل تحت اسم المولى عند قيام الكتابة وعندهما لو نسب إليه إنما ينتسب بالولاء حقيقة فلا يحتاج إلى ذكره. والله أعلم.
* * *
باب الوصية بالسكنى والخدمة الثمرة
قوله: (ولنا أن الوصية تمليك بغير بدل مضاف إلى ما بعد الموت فلا يملك تمليكه ببدل -إلى قوله- أما إذا تملكها مقصودة بغير عوض ثم ملكها بعوض كان مملكًا أكثر مما تملكه معنى، وهذا لا يجوز).
ما ذكره المصنف رحمه الله وإن كان ماشيًا على أصول المذهب لكن فيه نظر أنبه عليه إن شاء الله تعالى، أما قوله: اعتبارًا بالإعارة. فيمكن الفرق بينه وبين الإعارة بأن الإعارة يمكن الرجوع فيها ولا كذلك والوصية، وأما قوله: وتحقيقه أن التمليك ببدل لازم وبغير بدل غير لازم، ولا يملك الأقوى بالأضعف ولا أكثر بالأقل. فالمدعي في هذه الجملة ثلاثة أشياء وهي:
أن التمليك بغير بدل غير لازم، والتمليك ببدل لازم، وأنه أضعف من التمليك ببدل وأنه أقل منه.
أما دعوى أن التمليك بغير بدل غير لازم فهذا يشمل الأعيان والمنافع؛
فأما الأعيان فقد تقدم في كتاب الهبة التنبيه على ضعف القول بجواز الرجوع في الهبة.
وأما المنافع: فذهب مالك رحمه الله إلى القول بلزوم التوقيت في العارية إذا وقتت وهو قول في غاية القوة، قال الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} وقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} وقال تعالى: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم" وكونه عقد تبرع لا يمنع أن يلزم بالالتزام كالنذر بل بالشرع في الفعل على ما هو المعروف من المذهب مع أن التمليك بغير بدل والتمليك ببدل كل منهما يوجب الملك الكامل، وقد تقدم في كتاب الهبة، التنبيه على ما في جواز الرجوع في الهبة من الإشكال، والقول بضعف الملك بغير بدل مجرد دعوى، وكذلك القول بأنه أقل من التمليك بعوض، وذكر ذلك من باب التهويل.
وأما قوله: والوصية تبرع غير لازم إلا أن الرجوع للمتربع لا لغيره، والمتبرع بعد الموت لا يمكنه الرجوع، فلهذا انقطع، أما هو في وضعه غير لازم.
فجوابه: أن هذا مبني على ما أصلتموه، وقد تقدم التنبيه على ضعفه مع أن اللزوم في الوصية آكد من اللزوم في الإجارة، فإن عقد الإجارة لا يجوز إلا مؤقتًا، وعقد الوصية يجوز مطلقًا ومؤقتًا، فإذا جازت إجارة المأجور فإجازة الموصي به أولى بالجواز، وقد أشار المصنف إلى الجواب عن هذا الإشكال بقوله: ولأن المنفعة ليست بمال على أصلنا وفي تمليكها بالمال إحداث صفة المالية فيها تحقيقًا للمساواة في عقد المعاوضة حتى يكون مملكًا لها بالصفة التي تملكها، أما إذا تملكها مقصودة بغير عوض ثم ملكها بعوض كان مملكًا أ: ثر مما تملكه معنى وهذا لا يجوز.
وفي هذا الجواب نظر، فإنه يتضمن أن المنفعة ليست بمال، ولكنها إذا قوبلت بمال حدثت لها صفة المالية لأجل المساواة، وهذا لا يقوى لأن ميل النفوس إلى المنافع حاصل قبل مقابلتها بالمال وبعده، وإنما سمي المال مالاً لذلك، فضعف الفرق بين تسميتها مالاً بعد المقابلة بالمال لا قبله مع أن ميل النفوس إلى الأعيان إنما اهو لمنافعها فدل على أن المقصود الأصلي من جميع الأعيان المنافع، فكيف يقال: إن المنافع لا تكون مالاً إلا إذا قوبلت بمال وإن الأعيان أموال وإن لم تقابل بمال، مع أن المقصود إنما هو المنافع والأعيان قوالب لها، وإذا ثبت كونها مالاً، فلا فرق بين تملكها بعوض وبغير عوض، ولا يكون إذا ملكها بعوض -وقد ملكها بغير مال- مملكًا أكثر مما يملك معنى، بل مملكًا عين ما تملك والبدل يقوم مقام المبدل، وإذا كانت المنافع قد ملكها ملكًا تامًا لازمًا فما المانع من جواز الاعتياض عنها من كتاب أو سنة أو
إجماع.
والحاصل أن الموصى له بالسكنى والخدمة يملك المنفعة عند الشافعي، وهو قول مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة رحمه الله يملك الانتفاع ومالك المنفعة يملك الانتفاع والمعاوضة كالمستأجر ومالك المنفعة يملك الانتفاع والمعاوضة كالمستأجر ومالك الانتفاع لا يملك المعاوضة، كانتفاع الزوج بمنافع البضع، والانتفاع بالخان المسبل والسقاية والجلوس في الرحاب والانتفاع ببيوت المدارس والربط [ونحو ذلك.
واختلف العلماء في المستعير: فذهب أبو حينفة والشافعي وأحمد إلى أنه لا يملك المنفعة، وإنما يملك الانتفاع، وذهب مالك ومن تبعه إلى أنه يملك المنفعة، ولهذا تلزم العارية عنده بالتوقيت، ولو أطلقها لزمت] عنده
في مدة ينتفع بمثلها عرفًا فليس له الرجوع قبلها ويملك عنده الإجارة كالمستأجر وقول مالك أظهر، للأمر بالوفاء بالعقود والعهود والشروط، ولأن المالك قد أقامه مقامه في الانتفاع بالمستعار فيملك تمليك منافعه بعوض وغيره كالمستأجر بخلاف الانتفاع بالزوجة والانتفاع بالخان ونظائره لأن الملك فيها مقصور على الانتفاع فلا يملك تمليكه بعوض ولا غيره فإن قيل: إنه يملك أن يقيم غيره مقامه في الخان وبيوت المدارس ونحوها، وذلك تمليك منه، قيل: بل النازل في ذلك المكان/ كان أحق به مدة مقامه فيه ليس لأحد انتزاعه منه فإذا رغب عنه شغر فنزل غيره فيه لشغوره وعوده إلى الإباحة الأصلية، فلو أخذ على ذلك عوضًا لكان ذلك إما رشوة محرمة وإما صلة مباحة. والله أعلم.
قوله: (أما الولد المعدوم وأختاه -يعني الثمرة والغلة- لا يجوز
إيراد العقد عليها أصلاً، ولا يستحق بعقدٍ ما، فلا يدخل تحت الوصية).
تقدم في الإجارات التنبيه على ما في إجارة الشجر لثمره والشاة -ونحوها- للبنها من الخلاف ودليل من قال بجوازها.
* * *
باب وصية الذمي
قوله: (ولو أوصى -يعني الذمي- بخلاف ملته جاز اعتبارًا بالإرث؛ إذ الكفر كله ملة واحدة، ولو أوصى لحربي في دار الحرب لا يجوز لأن الإرث ممتنع لتباين الدارين والوصية أخته).
فيه نظر؛ فإنالذمي لو أوصى لمسلم جاز وكذا عكسه والإرث بينهما ممتنع، فكيف يقول: إنه لو أوصى الذمي لخلاف ملته جاز اعتبارًا بالإرث، ولو أوصى لحربي في دار الحرب لا يجوز لأن الإرث ممتنع، بل ينبغي جواز الوصية في الموضعين، فلا يصح التعليل لجريان الإرث وعدمه لصحة وصية الذمي للمسلم والمسلم للذمي ولا توارث بينهما.
* * *