الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجامع لأحكام الصيام
لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود (عويضة)
الطبعة الأولى 2002 م
الطبعة الثانية 2005م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فهذا كتابٌ في أحكام الصيام سميته [الجامع لأحكام الصيام] وقد صدر عقب صدور [الجامع لأحكام الصلاة] ، وقد نهجت فيه المنهاجَ نفسَه الذي سرت عليه في [الجامع لأحكام الصلاة] قاصداً أن أُقدِّم مثالاً آخر لما أراه النموذجَ الأصح لكتابة الفقه، وبذلك يكون بين أيدي القراء الكرام كتابان جامعان يمثِّلان هذا النموذج.
هذا هو القصد من إصدار هذين الكتابين وإني لأرى أن إِصدار مثالين كبيرين يكفي لتوضيح النموذج الذي أدعو الفقهاء والمجتهدين إلى أخذه والكتابة بمقتضاه، فأنا لم يخطر ببالي أن أضع بين أيدي القراء الكرام سلسلةً كاملةً للفقه الإسلامي، وإنما أردت فقط وضع المثال والنموذج الأصح فحسب، وإِن كتابين كبيرين يكفيان لتحقيق هذا الغرض المرجوِّ، إلا أن يقضي الله أمراً آخر فأُضيف إليهما كتاباً ثالثاً.
إن هذا النموذج لكتابة الفقه يتحقق فيه ما يلي:
1-
استعراضُ جميع النصوص من القرآن الكريم والسنة الشريفة ذات العلاقةِ عند كل مسألة تُبحثُ من مسائل الفقه، وعدمُ الاقتصار على قسم من النصوص يراه الفقيه غالباً دليلاً كافياً على رأيه، وداعماً لاجتهاده، وترك ما سواه.
2-
الاستدلالُ بالأحاديث الصحيحة وبالحسنة فقط، وترك ما سواها من أحاديثَ ضعيفةٍ على اختلاف أنواعها، وأعني بالضعيفة ما اتفق المحدِّثون على ضعفها، فهذه الأحاديثُ لا يحلُّ الأخذ بها في الأحكام الشرعية، ولا حتى في فضائل الأعمال. أما الأحاديث التي اختلف المحدِّثون بشأنها من حيث التضعيف والتحسين، فإِنها إن كانت موافِقةً للأحاديث الصحيحة والحسنة، أو انفردَتْ في بابها قُبلت، أما ما خالف منها الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، أولم تنفرد في بابها فإِنها تُردُّ وتُترك.
3-
استعراضُ آراء الفقهاء والعلماء والأئمة في كل مسألة من المسائل بقدر المستطاع، فهذا الاستعراض يُثْري البحث، ويَهَبُه قوة، وبه تظهر قوة الأحكام المستنبطة عند مقارنتها بالأحكام الأخرى، حالها كحال حباتِ لؤلؤٍ طبيعية تُعرض إلى جانب حبَّاتٍ صناعية، فتظهر جودتها وجمالها وتفوُّقها.
4-
إِعمالُ جميعِ النصوص المتعلقة بكل مسألة من المسائل، وعدم إهمال أيٍّ منها، لأن واقع النصوص أنها غير متعارضة في الأصل، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدر عنه أحاديثُ متعارضة قطعاً، اللهم إلا في حالة النسخ فقط، وهي حالة قليلة نادرة.
أما ما نراه من أحاديث متعارضة في كل مسألة من مسائل الفقه تقريباً فهو راجع إلى سند هذه الأحاديث، مما يتوجب علينا الوقوفُ عليه وبيانُه، وإِبعادُ الأحاديث الضعيفة والواهية، ومن باب أولى الأحاديث الموضوعة والتي لا أصل لها، التي شاعت في كتب الفقه، وكتب أصول الفقه، وفصلُها عن الأحاديث الصحيحة والحسنة.
5-
استنطاقُ النصوصِ، واستنباطُ الأحكامِ منها، إِنما يتم بطرقٍ ثلاثٍ: إما بمقابلة نصٍّ بنصٍّ آخر، أي بتفسير نصٍّ بنصٍّ ثان، وهو الأقوى في الاستنباط، وإما بتفسير النص واستنطاقه بموجب المعارف الشرعية، وإما بتفسير النصِّ بموجب المعارف اللغوية الثابتة المشهورة دون الضعيفة منها والشاذة. فالنص يُؤْخذ معناه، إما بمقابلته مع نصٍّ آخر، وإما بتفسيره بحسب المعارف الشرعية، وإما بإخضاعه للمعارف اللغوية الثابتة فحسب. أما التأويلات البعيدة، والتفسيرات المتعسِّفة، وإخضاعُ النصوص ولَيُّها حتى تتوافق مع رأي الإمام أو المذهب، فيجب أن تُستبعَد تماماً من الأبحاث الفقهية إكراماً للفقه وللشرع، وصوناً لهما من الدخيل والتسريبات الغريبة التي طالما رأيناها بكثرةٍ في كتب الفقه، وخاصة تلك المؤلفة في عصرنا الراهن!
6-
إن الأصل في كل مسلم أن يتقيد بالحكم الشرعي، ويلتزم به برضى واطمئنان، لا أن يأخذه ويعمل به وهو شاكٌّ في صحته، فحتى نُعِين المسلم على التقيُّد والالتزام بالحكم الشرعي برضى واطمئنان فإننا أتينا بهذا النموذج الذي يتضمَّن الأحكام وأدلتها مع البراهين على صحتها، والبراهين على خطأ ما سواها.
7-
كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقَّون النصوص من القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ تلقِّياً طبيعياً، كما نتلقى نحن الآن كلامَ بعضِنا لبعض، بمعنى أنهم كانوا بمجرد أن يسمعوا آيةً أو حديثاً، يفهمون المعنى المراد ببساطة العربي، وبداهة فطنته، فكانوا قَلَّما يختلفون في فهم النصوص، وقَلَّما يختلفون مِن ثمَّ في استنباط الأحكام منها، وقد جرى التابعون وتابعو التابعين على هذا النهج، ثم عندما جاء الفقهاء من بعد هؤلاء، ووُجدت عندئذ المذاهبُ الفقهية، وما صاحبها من تعصُّبٍ وتحزُّبٍ، بدأ الفقه يأخذ منحىً جديداً، ويبتعد تدريجياً عن طريقة التلقِّي الطبيعي، إلى طرائق يصح وصفها بأنها طرائق صناعية، بمعنى أن الصناعة في التلقِّي والاستنباط قد غلبت على اجتهادات هؤلاء الفقهاء لا سيما وأن كل فقيهٍ تابعٍ لمذهب أو إمام يُجْهِد عقَله وذِهنَه للانتصار لمذهبه وإِمامِه، ثم أخذ قسمٌ منهم بصنوف الجدل وعلم الكلام، أو قُلْ إنهم قد تأثروا قليلاً أو كثيراً بأساليب الجدل والكلام، إضافةً إلى ما وضعوه من قواعدَ أصوليةٍ مختلفةٍ، بالغوا في توسيعها وتفريعها وتعقيدها، فصار الفقه صناعة لا يعرفها بدقائقها إلا أربابُها المتخصِّصون، ومع الزمن وقف التَّلقي الطبيعي تماماً، واقتصر استنباط الأحكام على صُنَّاع الفقه، ثم قلَّ هؤلاء الصُّناع تدريجياً إلى أن أُغلق باب الاجتهاد.
وعلى ذلك أقول إنَّ السبب الرئيسي في غلق باب الاجتهاد، وذهاب المجتهدين هو أن الفقه أصبح صناعةً لها قواعدُ وأصولٌ قلًّما يفهمها ويستوعبها المتعلمون، ناهيك عن سواد الناس وذلك لتعقيداتها وتفريعاتها وتشعُّباتها، إذ راح علماء كلِ مذهبٍ يضعون القواعد الأصولية الخاصة بمذهبهم، ويتفننون في التفريعات والتشعُّبات، حتى غدت القواعدُ الأصوليةُ معقدة جداً، فاختلفت كثيراً الاجتهادات، وما صدر عنها من أحكامٍ، حتى إِنَّ الكثير من هذه الأحكام قد خرجت عن دائرةِ الاعتدال.
فحتى يعود الفقه إلى طريقته الطبيعية وينأى عن التعقيدات والتَّشعُّبات، وتقل الخلافات المذهبية وما يصاحبها من تعصُّب، وبالتالي يوجَد المجتهدون الكُثْر، فإنني أتيت بهذا النموذج الذي أراه الأصحَّ لكتابة الفقه، مستلهماً طريقةَ الصحابة في الفقه والتلقِّي، ومبتعداً عن التعقيد والتَّشعُّب في الفهم، ولهذا فإن القارئ الكريم سيجد أن القواعد الأصولية التي تظهر في هذا النموذج تخلو من التعقيد والتشعُّب.
…
إن الفارق بين طريقة الصحابة وطريقة أرباب صناعة الفقه، هي أن الصحابة كانوا يضعون النص أمامهم، فما يتبادر إلى أذهانهم من معانيه بمقتضى اللغة العربية، إضافةً إلى درايتهم وخبرتهم بمرامي النصوص التي عاشوا أجواءها ودلالاتها، يأخذونه ببساطة ودون تصنُّع. أما أرباب الصناعة الفقهية، فإنهم يضعون القواعد الأصولية المختلفة أمامهم أولا مع جميع تفريعاتها وتعقيداتها وتفصيلاتها، ثم يُخضعون النص لهذه القواعد، فتخرج منه معان كثيرة متشعبة بقدر هذه التفريعات والتشعُّبات، وهنا يقع الخلاف الكبير بينهم، كلٌّ يتمسَّك بالمعنى الذي فهمه، وبالحكم الذي استنبطه بحسب ما وضعه أمامَه من قواعد تفصيلية خاصةٍ به، ويُجْهِد نفسه في الدفاع عنه والمنافحة عنه انتصاراً لمذهب إِمامِه، حتى غدا الفقه أخيراً معرضاً واسعاً متنوعاً للأحكام المختلطة، الصحيحة والضعيفة والشاذة، ما أن يطَّلع عليها القارئ حتى يُصدَع رأسُه بهذا الكم الهائل من الآراء في كل مسألة فقهية. ومن أحبًّ أن يقف على أمثلةٍ مما أقول، فما عليه إلا أن يراجع الآراء الفقهية في المسائل التالية: ليلة القدر متى هي؟ والنوم هل هو ناقض للوضوء؟ والصلاة الوسطى ما هي؟ وتجدون الخلافات الواسعةَ والهائلةَ في هذه المسائل وفي غيرها في كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني، وشرح صحيح مسلم للنووي.
8-
أما كيف نتخلص من الطريقة الصناعية لاستنباط الأحكام الشرعية والاجتهاد، ونعود إِلى الطريقة الطبيعية التي سادت العصور الثلاثة الأولى، أي طريقة الصحابة والتابعين وتابعيهم في الاستدلال والاجتهاد، فما علينا إِلا الانكبابُ على النصوص من كتاب الله المجيد، والأحاديث النبوية الشريفة: قراءةً وحفظاً وتفسيراً، انكباباً يصحُّ وصفُه بأنه معايشةٌ دائمةٌ للنصوص الشرعية، يستمر السنين والسنين، حتى تتكون لدينا القدرة والدراية، التي كان يملكها صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع النصوص الشرعية فهماً واستنباطاً ودلالات، تماماً مثل القدرةِ التي نملكها نحن في التعامل مع كلامِ بعضنا لبعضٍ، فنفهم النصوص كما نفهم تماماً كلامَ بعضنا لبعضٍ، وبدون هذه الطريقة فلن يُفتحُ بابُ الاجتهاد، وإِن فُتح فلن يكون اجتهاداً صحيحاً فيه قابليةُ الدوام والاستمرارية.
ولي هنا وقفةٌ مهمةٌ، فأقول ما يلي: إنَّ المجتهد إِما أن يكون مجتهِداً مطلقاً، وإِما أن يكون مجتهدَ مسألة، وإِما أن يكون مجتهد مذهبٍ كما هو معلوم، فأَما المجتهدان الأول والثاني فإن فيهما الخير الكثير للفقه وللمسلمين. أما مجتهد المذهب، وهو من يقوم بالاجتهاد بحسب القواعد الأُصولية التي يتبناها إِمامُه فينظر، فإن كان هذا المجتهدُ يُطلِق لعقلِه ولفهمِه العِنان في استنباط الأحكامِ، ولا يتقيد بما توصل إليه إِمامه من أحكام، فلا بأس، وفيه من الخير ما في المجتهد المطلق ومجتهد المسألةِ، وذلك كابن المنذر من الشافعية. وأما إن كان هذا المجتهدُ لا يخرج في اجتهاده عن اجتهاد إِمامه، ولا يكون له من همٍّ وقصدٍ إلا نصرة مذهبه وإِمامه فإن هذا المجتهد لا بدَّ من أن يُتهمُ بمجانبة النزاهةِ والموضوعيةِ، ويُحجَب في كثير من الأحيان عن الرأي الصائب والحكم الصحيح وذلك كالطحاوي من الحنفية.
ولي هنا وقفةٌ مهمة أخرى هي: أنَّ المسلمين كما أنهم في حاجةٍ لثورةٍ فكريةٍ غير تقليدية لإِنهاضهم وتخليصهم من التخلف، فإِنَّ الفقه الإسلاميَ في حاجةٍ هو الآخر لثورةٍ وإبداعٍ غير تقليديَّين من أجل إعادة الحياةِ إليه، ولا تكون الثورةُ بالتوسُّع في التعليم العالي في الجامعات وكليات الشريعة ولن تكون، ما دامت الجامعاتُ والكلياتُ تسير على المناهج الحالية، إِذ أنَّ هذه الجامعات والكليات، ومنها جامعةُ الأزهر، قد اعتمدت الطريقة الصناعية في الفقه وجمدت عليها، ولم يعد يُرجى منها إحداثُ ثورة فيه، ولذا لا نجد جامعةً ولا كلية شريعة قد خرَّجت مجتهدين ولا حتى فقهاء، وإنما تقوم هذه الجامعات والكلياتُ بتخريج متعلمين ومتفقهين فحسب، والفارق بين الفقيه والمتفقه، هو أن الفقيه يملك رأياً خاصاً به في المسائل الفقهية، أما المتفقه فهو من لا يملك رأياً خاصاً به، وإنما يملك آراءَ غيره من الفقهاء، فتجده إن سُئل عن مسألةٍ فقهية أجاب بقوله: إنَّ المذهب الفلاني يقول في هذه المسألة كذا، وإنَّ العالم أو الإمام العلاني يقول في هذه المسألة كذا وقلما تجده يُرجِّح بين الرأيين، وحتى لو قام بالترجيح فإن الرأي الذي يرجِّحه ليس رأيه هو وإنما هو رأي فقيه من الفقهاء.
وإني أرى أنَّ الحل الأوحد هو فعلاً العودةُ إلى طريقة الصحابة في التلقي والاستنباط،وتكون بأن تقوم الجامعاتُ والكلياتُ والمعاهد الشرعيةُ بإِقرار هذه الطريقة وجعل المناهج كلها تقوم عليها، وما لم يحصل هذا، فإنَّ الفقه سيظلَّ في حالة جمودٍ وركود، والله يهدينا إلى الرشاد والسداد.
أحببت أن أذكر لكم هذه النقاط الرئيسية الثماني لشرح النموذج والتعريف به وبيان الغرض منه والدواعي إليه، وكلي أملٌ في أن يخرج في هذه الأمة الكريمة رجالٌ ينهجون هذا النهج، ويُعيدون إلى الفقه الإسلامي أَصالَتَه وجماله وعظمته ويتناولون ما يستجِدُّ من وقائعَ وأعمالٍ ومشاكلَ، ويستنبطون لها الأحكام الشرعية الصحيحة.
…
وقد التزمتُ في هذا الكتاب بوضع رقم كل حديث أخذته من مصدره كما هو مثبت فيه، وهو ما لم يحصل في الكتاب السابق رغم دقة النقل وصوابيته التامة فيه وهي إِضافة نافعة وذلك ليسهل الرجوع إلى أي حديث إن وُجِدَت لدى القارئ رغبةٌ وحاجةٌ إلى قراءته في مصدره. وحيث أنني التزمت عند تعدُّد رواة الحديث بوضع اسم صاحب اللفظ المثبت في الكتاب في مقدمة الرواة، وهو ما نوَّهت به في مقدمة كتاب [الجامع لأحكام الصلاة] فقد اكتفيتُ بوضع رقم الحديث المثْبَت فقط إلا في حالات قليلة دعت الدواعي إلى ذكر لفظٍ ثانٍ، فوضعت له رقماً هو الآخر.
…
وتجدون في آخر الكتاب ثَبتاً بمصادر النصوص المعتمدة في هذا الكتاب، مع ذِكر معلومات عنها حتى تُحْصَر المراجعةُ بها ويتسنى التثبُّتُ من صحة النصوص الواردة في الكتاب، وهذه المصادر في غالبيتها قد تمَّ ترتيب الأحاديث فيها على طريقة الرقم المتسلسل، والقليل منها تمَّ ترتيبُ الأحاديث فيها على طريقة الموضوعات، ولم تُوضع لها أرقامٌ متسلسلة، فما كان منها بحسب الطريقة الأولى، فإني أَثبتُّ الرقم المتسلسل للحديث، وما كان منها بحسب الطريقة الثانية، فإني أَثبتُّ رقم الجزء أولاً، ثم رقم الصفحة المتضمِّنة للحديث، هكذا (4/250) مثلاً، فرقم 4 هو رقم الجزء، ورقم 250 هو رقم الصفحة، باستثناء المعجم الكبير للطبراني، ومسند أبي يعلى الموصلي، فإن الرقم الأول هو رقم الجزء، والرقم الثاني هو رقم الحديث فيهما.