الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالسحور بركة أعطانا الله إياها، والله وملائكته يصلَّون علينا ونحن نتسحَّر، ويُفضَّل السُّحور بالرُّطبِ وإلا فبالتمر وتحصل بَرَكة السُّحور بجرعة من ماء. والسُّحور هو فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، ولو لم يكن من فضلٍ للسُّحور إلا صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِهِ على المتسحرين لكفى. وقد روى أحمد فضائل السُّحور في حديث واحد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه (11102) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {السَّحور أكلُهُ بركةٌ فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدُكم جُرعةً من ماء فإن الله عز وجل وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين} فليحرص الصائم على تناول طعام السحور ليحصِّل هذه الفضائل.
حكم السُّحور:
حكى النووي وابن المنذر الإجماع على استحباب السُّحور وأنه ليس بواجب. وقال البخاري [باب بركة السحور من غير إيجاب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السُّحور] وجاء في المغني لابن قُدامة [ (أحدها) في استحبابه ولا نعلم فيه بين العلماء خلافاً] وهذا هو الحق، والأدلة الواردة في فضله أدلةٌ على استحبابه.
وقت السُّحور:
ذهب الأئمة الأربعة وعلماء الأمصار كلهم إلى أن السُّحور يمتد حتى طلوع الفجر الصادق أو قُل حتى يُؤَذِّن المؤذِّن لصلاة الفجر ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ونُقل عن الأعمش وإسحق جوازُ الأكل والشرب إلى طلوع الشمس، إِلا أنَّ النووي قد شكَّك في هذا النقل.
…
كما ذهب العلماء إلى أن المتسحِّر يستمر في الأكل والشرب وحتى الجماع ما دام لم يتبين طلوع الفجر، وأن شكَّه في طلوع الفجر لا يمنعه من الأكل والشرب والجماع، فالشاكُّ يجوز له كل ذلك حتى يتحقق من طلوع الفجر، وذلك لقوله تعالى {
…
حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ
…
} وقد ذكر ابن المنذر– في الأشراف – جوازه عن أبي بكر الصِّديق وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعن عطاء والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور.
…
وانفرد مالك بقوله إنه حرام – أي أكل الشاكِّ –، وأوجب القضاء عليه. والصحيح هو ما ذهب إليه الأئمة والعلماء من جواز الأكل والشرب والجماع إلى أن يتم التحقُّق من طلوع الفجر، وأَنَّ رأي الإمام مالك خطأ، وذلك للأدلة التالية:
1-
قال تعالى {
…
وكُلوا واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ ثم أتمُّوا الصيامَ إلى الليلِ
…
} من الآية 187 من سورة البقرة.
2-
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال {أُنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ) ، ولم يُنْزَل (من الفجر) ، فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدُهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعدُ (من الفجر) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار} رواه البخاري (1917) ومسلم والنَّسائي والبيهقي وابن المنذر.
3-
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال {لما أُنزلت (حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ) عمدتُ إلى عِقال أسودَ وإلى عقالٍ أبيضَ فجعلتهما تحت وِسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنما ذلك سوادُ الليل وبياضُ النهار} رواه الإمام البخاري (1916) وأبو داود وابن حِبَّان والطبراني في المعجم الكبير. وللبخاري (4510) أيضاً من طريقه بلفظ {قلت: يا رسول الله ما الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار} وللبخاري (4509) أيضاً من طريقه {
…
إن وسادك إِذن لعريض أنْ كان الخيطُ الأبيضُ والأسودُ تحت وِسادتك} .
4-
عن أبي عطية قال {قلت لعائشة: فينا رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحدُهما يعجِّل الإفطار ويؤخر السحور والآخر يؤخر الإفطار ويعجِّل السحور قالت: أيُّهما الذي يعجل الإفطار، ويؤخر السحور؟ قلت: عبد الله بن مسعود، قالت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع} رواه النَّسائي (2158) وأحمد.
5-
عن عائشة رضي الله تعالى عنها {أن بلالاً كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر
…
} رواه البخاري (1918/1919) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. وروى الحديثَ مسلمٌ أيضاً من طريق ابن مسعود وابن عمر. ورواه أحمد أيضاً من طريق ابن عمر. ورواه البزِّار من طريق أنس بن مالك. ورواه الطبراني من طريق سهل بن سعد.
6-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا سمع أحدُكم النداءَ، والإِناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه} رواه أبو داود (2350) وأحمد والدارَقُطني، والحاكم وصححه، وأقرَّه الذهبي.
7-
عن عمرو بن ميمون قال {كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجلَ الناس إفطاراً، وأبطأَهم سُحوراً} رواه البيهقي (4/238) والطبراني في المعجم الكبير وابن أبي شيبة. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وقد مرَّ قبل قليل.
8-
عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{لا يمنعنَّ أحدَكم – أو أحداً منكم – أذانُ بلال من سحوره، فإنه يؤذِّن أو ينادي بليل لِيَرْجِعَ قائِمَكُم ولِيُنَبِّهَ نائِمَكُم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح – وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل – حتى يقول هكذا، وقال زهير بسبَّابتيه إِحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله} رواه البخاري (621) ومسلم وأحمد. قوله ليَرْجِعَ قائمَكم: أي ليُعطيَ المُتهجِّدَ فترةَ استراحة قبل صلاة الفجر، أو ليتمكن المتهجدُ الصائمُ من تناول طعام السُّحور.
9-
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّا معشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُعجِّل إِفطارَنا، ونؤخِّر سحورنا، ونضع أَيماننا على شمائلنا في الصلاة} رواه أبو داود الطيالسي (2654) والطبراني في المعجم الأوسط. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] كما صححه ابن حِبَّان. وقد مرَّ في بحث [متى يفطر الصائم؟] بند 6 برواية الطبراني.
10-
عن عطاء قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه {أحلَّ الله لك الشراب ما شككتَ حتى لا تشكَّ} رواه عبد الرزاق (7367) والبيهقي بسند صحيح.
11-
عن سالم بن عبيد الله قال {كنت في حِجر أبي بكرٍ الصِّديق، فصلى ذات ليلة ما شاء الله ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فخرجت ثم رجعت فقلت: قد ارتفع في السماء أبيضُ، فصلى ما شاء الله ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرجت ثم رجعت فقلت: لقد اعترض في السماء أحمرُ، فقال: هَيْتَ الآن، فأَبْلِغْني سَحوري} رواه الدارَقُطني (2/166) وقال [وهذا إسناد صحيح] كما روى الدارَقُطني من طريقه (2/166) بلفظ {
…
فقلت: قد اعترض في السماء واحمرَّ، فقال: ائتِ الآن بشرابي} .
12-
عن زر قال {قلنا لحُذيفة: أيَّ ساعة تسحَّرتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع} رواه النَّسائي (2152) وابن ماجة وأحمد والطحاوي وعبد الرزاق. وصححه ابن حجر.
13-
عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يغرَّنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا، وحكاه حمَّاد بيديه قال: يعني معترِضاً} رواه مسلم (2546) وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.
14-
عن أنس رضي الله عنه {أن زيد بن ثابت رضي الله عنه حدَّثه أنهم تسحَّروا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين، يعني آية} رواه البخاري (575) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي.
15-
عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال {أنت يا بلال تُؤذِّن إذا كان الصبحُ ساطعاً في السماء، فليس ذلك بالصبح، إنما الصبح هكذا معترِضاً، ثم دعا بسَحوره فتسحَّر، وكان يقول: لا تزال أمتي بخير ما أخَّروا السحور وعجَّلوا الفِطر} رواه أحمد (21839) .
يؤخذ من هذه النصوص ما يلي:
1-
الآية الكريمة في البند 1 تذكر لفظة (حتى يتبين) وهذه اللفظة ردٌّ على مالك الذي يقول إن المتسحِّر يتوقف عن الأكل عند الشك ذلك أن التبيُّن هو خلاف الشك طبعاً وجاء حديث سهل بن سعد في البند 2، وحديث عدي بن حاتم برواياته المتعددة في البند 3 مفسِّرين لهذه الآية، وأن المتسحِّر يستمر في تناول سَحوره حتى ينقشع سواد الليل، ويحلَّ محله بياض النهار، وعندها لا يبقى شك، فيتوقف عن الأكل والشرب.
2-
إن السُّنة النبوية تقضي أن يؤخِّر المتسحِّرُ سُحوره إلى قبيل طلوع الفجر، بمعنى أن يؤخِّر السُّحور إلى ما قبل طلوع الفجر، أي إلى ما قبل أذان الفجر بربع ساعة أو قريب منها بحيث يفرغ خلالها من تناول طعامه وشرابه، أي يترك لنفسه الوقت الكافي لتناول سَحوره قبيلَ أذان الفجر، ولا يعجِّل السُّحور الساعةَ والساعاتِ قبل أذان الفجر كما يفعل الكثيرون في أيامنا هذه، فإنهم يسهرون ويسهرون، حتى إذا تعبوا أو نعسوا قُبيل منتصف الليل أو بعده قليلاً عمدوا إلى طعامهم فأكلوه ثم ناموا، فهذا الفعل الشائع في أيامنا هذه هو خلاف السُّنة وإِن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوةً حسنة، فإنه كان يؤخِّر السُّحور، كما ورد في الحديث في البند 4 وفي الحديث في البند 9.
3-
إن بلالاً رضي الله عنه كان يؤذن إذا سطع الضوء في أعلى الأفق، أي عند حلول الفجر الكاذب، أو عند ظهور بياض المستطيل نحو الأعلى، في حين أن ابن أم مكتوم كان يُؤذِّن إذا استطار البياض وملأ جانبي الأفق، أي كان معترِضاً يمنةً ويسرةً وليس ساطعاً إلى الأعلى فقط، وهو الفجر الصادق، وقد جاء الهَدْي النبوي بأن نستمر في الأكل حتى أذان ابن أم مكتوم، أي حتى يؤذِّن لصلاة الفجر وليس قبله. ونحن الآن نؤذِّن أذانين: الأول لا نصلِّي عنده، والثاني هو ما نصلي عنده، أما الأول فهو كأذان بلال، وهذا الأذان الأول لا يمنعنا من تناول سَحورنا، ولا يمنعنا منه إلا الأذان الثاني الذي هو كأذان ابن أم مكتوم، وحيث أن ما بين الأذانين هو عشر دقائق حالياً، فإن المتسحِّر يستطيع أن يتناول طعامه في هذه الدقائق العشر أي بين الأذانين، وهو أفضل الأوقات لتناول السَّحور، وقد دلَّت على ذلك الأحاديث في [5 و 8 و 13 و 15] ولكن لا بأس بأن يفرغ من سَحوره قبل ذلك بدقائق كما يدل عليه الحديث 14.
4-
وأقول لخائفٍ من تأخير السُّحور: إِنه إن سمع الأذان الثاني وكانت في يده لقمةٌ من طعام أو شربةٌ من ماء فلْيأكلْها ولْيشربْها، فإِن الأذان لا يعني الحَدِّية في التوقف عن الطعام والشراب، لا سيما وأنهم يُعجِّلون الأذان الثاني احتياطاً، وقد دلَّ على هذا الحديث في البند 6.