الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن هذا الحديث ليس حجةً لكم بقدر ما هو حجةٌ لنا فالحديث يدل بالمنطوق على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بها قبل أن تنزل الزكاة، وأن هذا الحديث قد قرنها بالزكاة ليشير بذلك إلى أنها زكاة فتأخذ حكمها، وهذا لا يخالفونه هم، وما دام أنها تأخذ حكم الزكاة وأنها تندرج تحت حكم وجوب الزكاة بلا خلاف بين المسلمين، فإن إبطال هذا الحكم يحتاج إلى نصٍّ، ونصُّهم هذا لا يدل على ما ذهبوا إليه من النسخ، فقول الحديث (فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله) يدل على بقاء الحكم وأنه لم يجر عليه تغيير لا أمر ولا نهي، مع استمرار العمل به عند المسلمين. أما دعوى النسخَ فهي باطلةٌ، إِذ لو كان النسخُ مراداً لقال الحديثُ: لقد نهانا أو لم يعزم علينا أو من شاء فعله منكم ومن شاء تركه، فلما لم يقل شيئاً واستمر الحال على حاله من العمل به، فإن ذلك من أوضح الدلالات على بقاء حكم الوجوب إِذ المعلوم بداهةً أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه أن يكرر أقواله وتشريعاته بين الفينة والأخرى.
…
فالزكاة مفروضة وواجبة - إلا أنَّ الأحناف يقولون إنها واجبة غير مفروضة جرياً على قاعدتهم التي يفرِّقون فيها بين الفرض والواجب – وهذا الفرض مستمر منذ بدئه إلى يومنا هذا على قاعدة الاستصحاب الأصولية المعروفة، ولا حجةَ ذاتَ اعتبار لمن قالوا بالنسخ أو بالندب.
وقتُ وجوبها:
أما وقت وجوبها، فيبدأ عند غروب شمس آخر أيام رمضان، أو عند بدء ليلة الفطر، ذلك أن هذه الزكاة هي زكاة الفطر والفطر يبدأ عند انتهاء الصيام، والصيام ينتهي عندما تغرب شمس آخر أيام رمضان. وممن قال بهذا مالك في رواية عنه، والشافعي وأحمد والثوري وإسحق بن راهُويه. وهو الصحيح الذي يتعين القول به، والعمل به، خلافاً لأبي حنيفة والليث بن سعد وأبي ثور ومالك في الرواية الأخرى عنه القائلين بأن وقت الوجوب يبدأ عند طلوع فجر يوم العيد، بدعوى أن الفطر لا يظهر إلا آنذاك، وأن الفطر لا يظهر في الليل لأنه ليس وقتاً للصوم. فأقول ما يلي:
إن هذا الأمر لمن الوضوح والبيان بحيث لا يلزم الخلاف حوله، فنحن نصوم شهر رمضان عند بدء الشهر ونفطر عند انصرامه، وانصرام الشهر أيٍّ شهر يحصل عند غروب شمس آخر نهار منه، فنحن معشرَ المسلمين قد درجنا على اعتبار أن اليوم، أيَّ يومٍ، يبدأ بغروب شمس النهار الذي يسبقه بمعنى أننا نعتبر الليل يسبق النهار في حساب الأيام، فيوم الجمعة مثلاً يبدأ عند غروب شمس نهار الخميس، فعندما تغرب شمس نهار الخميس يبدأ يوم الجمعة، ولا يُعتدُّ بقول من يخالف هذا الحساب. وعلى ذلك فإن شهر رمضان إذا انصرم آخرُ نهارٍ فيه بغروب شمسه فقد انصرم الشهر، ودخل شهر شوال، وهو بدء الفطر، ولذلك لا تُصلَّى صلاة التراويح في تلك الليلة، لأنها ليست من رمضان، وبذلك يظهر أن الفطر الذي هو سبب الزكاة قد حصل عند غروب شمس آخر نهار من رمضان.