المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

… بقيت مسألة الاستمناء أو استخراج المني، هل يُفطِّر الصائم؟ فذهب - الجامع لأحكام الصيام

[محمود عبد اللطيف عويضة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: صيام رمضان – أحكام عامة

- ‌فضل الصيام:

- ‌فضلُ رمضان:

- ‌متى شُرع الصيام الواجب

- ‌النيَّة في الصيام:

- ‌صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته:

- ‌هل يصح العمل بالحساب الفلكي

- ‌دعوى اختلاف المطالع:

- ‌الحساب الفلكي

- ‌كم الشهر الهجري

- ‌صوم الحائض والنُّفَساء:

- ‌صيام من أصبح جُنُباً:

- ‌إثم من أفطر في رمضان بغير عذر:

- ‌صوم الصبيان:

- ‌صوم الحامل والمرضع:

- ‌لا صوم على المجنون وعلى المغمَى عليه:

- ‌حِلُّ الجماع في ليالي الصيام:

- ‌لفصل الثاني: الفِطْر والسُّحُور

- ‌متى يفطر الصائم

- ‌ما يُستحبُّ للصائم أن يفطر عليه:

- ‌ما يقوله الصائم إذا أفطر:

- ‌ثواب من فطَّر صائماً:

- ‌الصائم إذا أفطر ناسياً:

- ‌حكم السُّحور:

- ‌وقت السُّحور:

- ‌الفصل الثالث: الصيام في السَّفر

- ‌حكمُ الصيام في السَّفر:

- ‌قدرُ مسيرةِ ما يفطر فيه:

- ‌الفصل الرابع: قضاء الصوم

- ‌ولاً: قضاءُ الصوم عن النفس:

- ‌قضاءُ الصوم المفروض:

- ‌ قضاء الصوم على المريض وعلى المسافر:

- ‌ قضاء الصوم على المرأة الحائض وعلى النُّفَساء:

- ‌ قضاء الصوم على المتقيء عمداً:

- ‌ قضاءُ الصوم على من أفطر قبل الغروب

- ‌ على المجنون وعلى المغمى عليه يصحوان في نهار رمضان

- ‌ على الحامل وعلى المرضع إن أفطرتا:

- ‌ على الصبي وعلى الكافر إذا وقع عليهما التكليف

- ‌ قضاءُ صوم التطوُّع:

- ‌ثانياً: قضاء الصوم عن الميت:

- ‌كيف ومتى يُقضى الصوم

- ‌الفصل الخامس: صيام التطوع

- ‌صوم المرأة بإذن زوجها:

- ‌الصائم المتطوع إذا دُعي:

- ‌الصوم في الشتاء:

- ‌الصومُ في الجهاد:

- ‌يصحُّ قطعُ صيام التطوع:

- ‌الصيامُ في أيام الأسبوع:

- ‌ أنواعُ صيام التطوع:

- ‌صيامُ ما تيسَّر من كل شهر:

- ‌صيامُ ثلاثة أيام من الشهر:

- ‌صيامُ الاثنين والخميس:

- ‌صيامُ ستة أيام من شوال:

- ‌الصيامُ في الأشهر الحُرُم:

- ‌الصومُ في شهر الله المحرَّم:

- ‌ صيامُ تسعٍ من ذي الحجة:

- ‌ الصيامُ في رجب:

- ‌صيامُ يوم عرفة:

- ‌صومُ عاشوراء:

- ‌صومُ شعبان:

- ‌الفصل السادس: الصيام المحرَّم الذي لا يجوز

- ‌صومُ الدهر:

- ‌صومُ يومي الفطر والأضحى:

- ‌صومُ أيام التشريق:

- ‌صومُ الوِصال:

- ‌الفصل السابع: الكفَّارات

- ‌ الكفَّاراتُ بالصيام

- ‌ صيامُ مَن جامع زوجته في نهار رمضان:

- ‌ صيامُ الحانث في يمينه:

- ‌ صيامُ الحانث في نذره:

- ‌ الكفَّاراتُ بالفِدْية

- ‌ الشخصُ يموت وعليه صيام:

- ‌ مقدارُ الفدية:

- ‌الفصل الثامن: ما يفطِّر الصائم

- ‌ السُّعوطُ:

- ‌ الجائفة والآمَّة

- ‌ إبرةُ الطبيب لا تفطِّر

- ‌الفصل التاسع: ما لا يفطِّر الصائم

- ‌الحِجامةُ:

- ‌السِّواك:

- ‌الفصل العاشر: قيام رمضان وليلة القدر

- ‌أوصافُ ليلة القدر:

- ‌ليلةُ القدر متى هي

- ‌الفصل الحادي عشر: الاعتكاف

- ‌حكمُ الاعتكاف:

- ‌أين يكونُ الاعتكاف

- ‌متى يكونُ الاعتكاف

- ‌متى يبدأُ الاعتكاف

- ‌مدةُ الاعتكاف:

- ‌هل الصيامُ شرطٌ في صحة الاعتكاف

- ‌ما يفعلُه المعتكِف وما لا يفعلُه:

- ‌الاجتهادُ في العشر الأواخر من رمضان:

- ‌الفصل الثاني عشر: زكاة الفطر

- ‌حكمُ زكاةِ الفطر:

- ‌وقتُ وجوبها:

- ‌وقتُ إخراجها:

- ‌على من تجب زكاة الفطر:

- ‌الأصنافُ التي تُجزئُ في زكاة الفطر:

- ‌مقدارُ زكاة الفطر:

- ‌مقدارُ الصاع النبوي:

- ‌إلى من تُدفعُ زكاة الفطر:

- ‌فهرست الكتاب

- ‌مصادرُ النصوص الواردة في الكتاب

الفصل: … بقيت مسألة الاستمناء أو استخراج المني، هل يُفطِّر الصائم؟ فذهب

بقيت مسألة الاستمناء أو استخراج المني، هل يُفطِّر الصائم؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن الاستمناء وإنزال المني بفعلٍ مقصودٍ من الرجل يُفطِّر الصائم، أما إن كان نزول المني بفعل غير مقصود، كأن نظر الرجل إلى جسد امرأته فأنزل، أو تفكَّر فأنزل فلا يفطِّر الصائم، ولا يفطِّر الصائمَ عندهم الاحتلامُ ولو نزل المني. قال النووي: من قبَّل فأنزل بطل صومه. وقال ابن قدامة في كتاب المغني: إن قبَّل فأنزل بطل صومه بلا خلاف. وقد مرَّ قول مالك: من باشر أو قبَّل فأَنْعَظَ ولم يُمْذِ ولا أنزل بطل صومه وقضى. ومفهوم قول مالك أن بطلان الصوم من حصول الإنزال هو من باب أولى. بل إن عدداً من الفقهاء قالوا إن الرجل إذا أمذى، أي أنزل المذي بطل صومه!! وهو قول مالك وابن قدامة وإسحق. وفي المقابل ذهب ابن حزم إلى أن الاستمناء وإِنزال المني بفعلٍ مقصودٍ وغيرِ مقصود لا يفطِّر الصائم.

والحق أن هذه المسألة لم تذكرها النصوص، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حتى من أقوال الصحابة، اللهم إلا ما رواه عبد الرزاق (7452) عن حذيفة رضي الله عنه (أن من تأمَّل خَلْقَ امرأةٍ وهو صائم بطل صومه) فهذا الأثر قد ضعَّف ابن حجر إِسناده، إضافةً إلى أن الأحاديث كلها تدحض هذا القول. وإن هؤلاء القائلين ببطلان الصوم من إنزال المني إنما قاسوا إنزالَ المني على الجماع وأعطَوْه حكمَه، فشمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير يقول [أن يُمني فيُفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين، ولأنه أنزل بمباشرةٍ أشبه الإنزال بجماع دون الفرج] .

وحيث أن هذه المسألة غير واردة في النصوص، وحيث أنني التزمت في هذا الكتاب بفقه النصوص فحسب، فإنني اكتفيت باستعراض الآراء السابقة دون تعليق عليها.

‌الحِجامةُ:

ص: 261

الحجامة هي شق جلدة الرأس بآلة تسمى المِحْجَم أو المِحْجَمة، وقيام الحاجم بمصِّ الدم الخارج من الشق، وذلك عند وفرة الدم في البدن وفَوَرانه. والغالب في الحجامة أن تكون في الرأس، فعن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنةَ {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بطريق مكة وهو مُحْرِمٌ وَسَطَ رأسه} رواه مسلم (2886) .

وقد اختلف الفقهاء، ومِن قبلهم الصحابةُ، في الحجامة هل تفطِّر أم لا تفطِّر؟ فذهب محمد بن سيرين والحسن البصري وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه وأبو ثور والأوزاعي والداودي من المالكية، ومحمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حِبَّان من الشافعية إلى أن الحجامة تفطِّر الصائمَ الحاجمَ والمحتجمَ، وأوجبوا عليهما القضاء، بل إن عطاء أوجب عليهما أيضاً الكفَّارة، وهو قول شاذٌ. ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم.

وذهب سعيد بن المسيِّب وعُروة بن الزبير والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري إلى أن الحِجامة لا تفطِّر الصائم، وروي ذلك من الصحابة عن أم سلمة وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري، وعن عائشة وعبد الله بن عمر في الرواية الثانية عنهما. وحتى نستطيع معرفة أي الحكمين هو الصحيح، لا بد من استعراض النصوص التالية:

1-

عن ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {أفطر الحاجم والمحجوم} رواه أبو داود (2367) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والدارمي وابن خُزيمة. وإسناده صحيح على شرط البخاري.

ص: 262

2-

عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجلٍ بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخِذٌ بيدي لثمانَ عَشْرَةَ خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم} رواه أبو داود (2369) وأحمد والنَّسائي وابن ماجة والدارمي. ورواه ابن حِبَّان (3534) والبيهقي بلفظ {كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع زمانَ الفتح

} .

3-

عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أفطر الحاجم والمحجوم} رواه ابن حِبَّان (3535) والترمذي وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي والطبراني والحاكم. وصححه ابن المَدِيني، ذكر ذلك ابن خُزيمة والحاكم. وقال الترمذي [حسن صحيح] وقال أحمد بن حنبل: حديث شدَّاد بن أوس أصحُّ حديث يُروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع إسنادٌ جيد. وقال: حديث ثوبان وشدَّاد صحيحان. وقال ابن قدامة: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحدَ عشرَ نفساً.

4-

عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو مُحْرِم، واحتجم وهو صائم} رواه البخاري (1938) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. ورواه أحمد (1943) والبيهقي بلفظ {احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة وهو صائمٌ مُحْرِمٌ} .

ص: 263

5-

عن ثابت البُناني قال {سُئِل أنس بن مالك رضي الله عنه: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف – زاد شبَّابة: حدثنا شُعْبة: على عهد النبي صلى الله عليه وسلم} رواه البخاري (1939) وأبو داود والبيهقي. وروى البيهقي (4/268) والدارَقُطني عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {أول ما كرهتُ الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أفطر هذان، ثم رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم بعدُ في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم} . قال الدارَقُطني [كلهم ثقات ولا أعلم له علة] .

6-

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثلاثة لا يفطِّرن الصائم: القيءُ والحِجامةُ والاحتلامُ} رواه البزَّار (1016) ورواه الدارَقُطني (2/183) والطبراني في المعجم الأوسط من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وقد مرَّ في بحث [القيء] من هذا الفصل.

7-

عن أبي سعيد رضي الله عنه قال {رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحِجامة للصائم} رواه النَّسائي في السنن الكبرى (3224) والدارَقُطني والطبراني في المعجم الأوسط. ورواه البزَّار (1012) بلفظ {أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في الحِجامة للصائم} ورجاله رجال الصحيح. ورواه ابن حزم وصححه. أما ابن خُزيمة فصحَّح وقفه على أبي سعيد. فأقول ما يلي:

ص: 264

إن مما لا شك فيه أن الأحاديث الثلاثة الأولى وهي صالحة للاحتجاج، تصلح دليلاً على أن الشرع الحنيف قد حظر على الصائم أن يَحتجم، وجعل الاحتجام من مبطلات الصوم، وأن أي تأويل لهذه النصوص البالغة الوضوح هو ردٌّ لها وإِبطالٌ لها من مثل قولهم: إن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان في صومهما، فقيل ما قيل. حتى قال الشافعي: وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرُهما. ومن مثل ما ذكره الخطابي أن معناه أنهما تعرَّضا للفِطر، أما المحجوم فلضعفه بخروج الدم فربما لحقته مشقة فأفطر، وأما الحاجم فقد يصل جوفَه شيءٌ من الدم إذا ضمَّ شفتيه. إلى غير ذلك من تأويلاتٍ أقل ما يقال فيها إنها باطلة. أما القول الأول فالردُّ عليه من وجوه:

أولاً: إن الغيبة لا تفطِّر الصائم على الرأي الأصح حتى يقال إنهما كانا يغتابان.

وثانياً: إن أحاديث (أفطر الحاجم والمحجوم) قد وردت في أحوالٍ عدة، فلا يُتصوَّر فيها كلِّها وجودُ الغيبة، ثم إِنَّ الأحاديث هذه قد خلت من ذِكر الغيبة، فمن أين أتوَا بها؟ .

وثالثاً: إن التأويل لا يصح تأويله لأن التأويل في ذاته ضعيف نوعاً، فإن هو أُوِّلَ صار ضعيفاً بلا شك، فتأويل الأحاديث بالقول إِنهما أفطرا لأنهما كانا يغتابان لا يصح أن يجري تأويله بالقول إنه يُؤوَّل بأنه قد ذهب أجرُهما.

وأما القول الثاني الذي ذكره الخطَّابي وهو أنهما تعرضا للفطر، ثم راح يُفسِّر هذا القول باحتمال لحوق مشقة به وضعف، أو باحتمال وصول شيء من الدم إلى جوف الحاجم، فالردُّ عليه هو أن الفقه لا يُبنى على الاحتمالات، وخاصة إن كانت الاحتمالات غير محتمَلَة!! أما أنها غير محتمَلة هنا، فهو أن الإقرار بهذا الاحتمال يجعلنا نقول إن المضمضة تفطِّر الصائم، لاحتمال أن يصل شيء من الماء إلى جوف الصائم عند الوضوء، فنحظر المضمضة على الصائم؟!

ص: 265

وفي المقابل وجدنا بعض الفقهاء يقولون إِن الحجامة تفطِّر الصائم، واقفين عند هذه النصوص الثلاثة والنصوص الأخرى المماثلة دون أن يتعبوا أنفسهم في قراءة ما بعدها، وإن هم قرأوها أوَّلوها هم أيضاً، كقولهم عن الحديث في البند الرابع إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما احتجم وهو مُحْرِم، إنما كان ذلك وهو ذاهبٌ إلى الحج، أي وهو مسافرٌ، والمسافر لا يصوم، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه عدة روايات بأنه قد أفطر في السفر!! أي أنهم قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين احتجم في السفر إنما كان مفطراً ولم يكن صائماً! وهكذا ردُّوا الحديث بهذه البساطة وأغمضوا عيونهم عن الحديثين الخامس والسادس لصعوبة تأويلهما!

إن كثيراً من خلافات الفقهاء والعلماء ناتجةٌ عن تناول قسم من النصوص في المسألة الواحدة وترك القسم الآخر، كأن يأخذوا بالأحاديث العامة ويَدَعوا الأحاديث المخصِّصة، أو يأخذوا بالأحاديث السابقة ويدعوا الأحاديث اللاحقة الناسخة، أو يقيسوا أشياء على أشياء وعندهم نصوص فيها لا يحتاجون معها إلى القياس، أو يستغرقوا في استحضار معاني الألفاظ كما تُوردها كلَّها معاجمُ اللغة، ثم ينتقوا المعنى المطلوب عندهم. ومن العلماء، وأخصُّ المتأخرين والمعاصرين، من يراعي المصلحة والبلاء العام فيبيح ما حرَّمه الله ورسوله، وقد وجدت ذلك كله في قراءاتي لكتب الفقه، ولو أن الفقهاء والعلماء يتفقون على ترك كل ما سبق لتضاءلت الخلافات بينهم إلى درجة كبيرة وكبيرة جداً. وكمثال على ما نقول ما نحن بصدده الآن:

ص: 266

إن الأحاديث الثلاثة الأولى تذكر أن الحِجامة تفطِّر الصائم، ولكن هذه الأحاديث ليست وحدها في هذه المسألة، فعندنا النص الرابع يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو حديث صحيح، ولو لم يكن عندنا مع الأحاديث الثلاثة إلا هذا الحديث لاختلف فهمنا لهذه المسألة لوجود التعارض بينهما كما يظهر، ولكن النظر في جميع النصوص في المسألة الواحدة يمنع الاختلاف كما ذكرنا أو يقلِّصه فجاء الحديث الخامس يذكر أن الحجامة كانت أولاً تفطِّر الصائم، ثم جرى الترخيص بها بعدئذٍ، وجاء الحديث السابع يؤكد هذا المعنى بلفظة (رخَّص) والمعلوم أن لفظة (رخَّص) لا تَرِدُ عادةً إلا بعد التحريم ولا تَرِدُ ابتداءً، فكلمة رخَّص في ذاتها تدل على أن ما قبل ذلك لم يكن مرخَّصاً به. وإذن فإنه لا مندوحة لنا، وقد نظرنا في هذه النصوص، عن القول بوجود نسخ في هذه المسألة، أي نسخ الحكم المستفاد من الأحاديث الثلاثة الأولى.

وقد يقول قائل إن حديث شداد في البند الثاني حصل زمانَ الفتح، وقد كان الفتح – أي فتح مكة - في العام الثامن من الهجرة وهذا يعني أن القول بإِفطار الحاجم والمحجوم جاء متأخراً، فلا نسخ إذن؟ فنجيبه بأن ابن عباس رضي الله عنه الذي روى الحديث الرابع كان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ولم يصحبه مُحْرِماً قبل ذلك، وحجة الوداع حصلت في العام العاشر من الهجرة، أي أنها حصلت بعد فتح مكة بعامين اثنين، فيكون قول الحديث الرابع متأخراً عن قول الحديث الثاني بعامين، وبذلك يكون حديث ابن عباس ناسخاً لما قبله، وهذا وحده يكفي للردِّ على هؤلاء، ثم جاء الحديث السادس يثبِّت القول بعدم الإِفطار من الحجامة.

ص: 267

أما عن الحديث الخامس الذي رواه البخاري، والذي يذكر كراهة الحجامة، ويذكر أن علة هذا الحكم هي ما يصيب المحتجِم من ضعف نتيجة خروج الدم منه، فإن لقائلٍ أن يقول: إن حكم الكراهة – وقد يُطلق الفقهاء هذه اللفظة ويعنون بها التحريم – باقٍ وأنه لم يُنسَخ لأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، وحيث أن العلة في هذا الحديث ثابتة وباقية، لأن الضعف الذي يطرأ على المحجوم لا يتخلف، فإن الواجب إِعمالُ هذه العلة والقولُ من ثمَّ بكراهة الحجامة أو بحرمتها؟ فنرد على هذا القول من عدة وجوه:

أولاً: إن هذا القول هو قولٌ لأنس بن مالك وليس قولاً مرفوعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعتبر دليلاً شرعياً يجب الالتزام به.

ثانياً: إن تعليل كراهة الحجامة بأنه الضعف، ينطبق على المحجوم، ولا ينطبق على الحاجم. فالمحجوم قد يضعف من خروج الدم منه وليس كذلك الحاجم. فكيف نكره الحجامة للاثنين معاً؟ إن هذا الحال يجعلنا نشك في صحة نسبة هذا القول لأنس رضي الله عنه، كما يجعلنا نشك أكثر في نسبة هذا القول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: إن السبب في احتجام الشخص، هو ما يشعر به من وفرة دمه وفَوَرانه، وقوةِ ضغطه، وما يلحقه بسبب ذلك من اضطراب في صحته، فيلجأ إلى الاحتجام لإزالة الاضطراب، ولإراحة بدنه مما يعاني، فكيف يقال مع هذا إن الحجامة تُلحق بالبدن ضعفاً يُلْجِيءُ إلى الإفطار؟

رابعاً: أما القول إن العلة باقية وإنه يصح القياس عليها فهذا قول صحيح، ولكنه إنما يكون كذلك إن كان الحكمُ مُحْكَماً وثابتاً لم ينسخ، وفي مسألتنا هذه لا يقال ذلك لأنَّ الحكم منسوخٌ.

......لهذه الأمور الأربعة فإننا نقول: إن هذا الحديث لا يصح أن يُنظر إليه على أنه معارِضٌ للقول بجواز الحجامة. وبذلك يثبت عندنا حكم جواز الحجامة للصائم.

ص: 268

......وبناء على ما سبق، أي بناء على جواز الحجامةِ للصائم، وهي خروج الدم وإخراجه من البدن، فإنَّا نقول ما يلي:

1-

إن عملية التبرع بالدم في أيامنا المعاصرة هي في واقعها إخراجُ الدمِ من البدن، وحيث أن إخراج الدم جائز ولا يفطِّر الصائم، فإنَّا نقول إن عملية التبرع بالدم لا تفطِّر الصائم.

2 -

إن الجِراح وما يرافقها عادةً من خروج الدم، سواء كان ذلك في القتال في سبيل الله، أو في حادث سيارة، أو في إطلاق نارٍ في عرسٍ أو شِجارٍ، أو نتيجةَ سقوطٍ من مكان مرتفع، أو في غير ذلك من الحالات لا تفطِّر الصائم.

3 -

إن عملية غسيل الكُلَى، وهي عبارة عن خروج الدم من الجسد ليصبَّ في جهاز التنقية، ثم يعود بعد التنقية إلى الجسد، هذه العملية لا تفطِّر الصائم، لأن خروج الدم في هذه العملية هو كخروجه في الحِجامة، فهما فعلٌ واحد، فما ينطبق على الحجامة ينطبق على هذه العملية تماماً.

4 -

إن سحب الدم بإبرة من أجل إجراء فحص طبي في المختبر على هذا الدم جائز هو الآخر ولا يفطِّر الصائم.

5 – إن مصَّ الدم بواسطة دودة العلق لا يفطِّر الصائم، والعلق، ومفردها عَلَقَة، هي دودة تعيش في الماء تُستخدم في مصِّ الدم من الجسد كعلاج.

فخروج الدم، أو إخراجه من البدن لا يفطِّر الصائم، مهما كانت الدواعي والأسباب لهذا الخروج أو الإِخراج.

الاكتحالُ:

ص: 269

اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال هل هو جائز للصائم لا يُفطِّر أم هو مكروه أم هو حرام مُبْطِلٌ للصوم؟ فذهب إلى أن الاكتحال يُبطل الصيام ابن شُبرُمة وابن أبي ليلى ومنصور بن المعتمِر وسليمان التيمي، ذكر ذلك ابن المنذر. وذهب إلى كراهة الاكتحال للصائم مالك وأحمد وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وإسحق. وقال مالك وأحمد: إِلَاّ أن يصل الكحلُ إلى الحلق فيفطِّر. وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن شهاب الزهري إلى حكم الجواز وأنه لا يفطِّر بحالٍ، وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وأنس ابن مالك وابن أبي أوفى من الصحابة رضوان الله عليهم.

والحق أن هذه المسألة هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى وقفة طويلة لبيانِ أن الاكتحال جائز للصائم وللصائمة وأنه لا يفطِّر بحالٍ من الأحوال إذ لم يُرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته حديثٌ واحدٌ صحيحٌ أو حسنٌ ينهى الصائم عن الاكتحال، لا نهياً جازماً ولا نهياً غير جازم، وكذلك لم يُرو عنه عليه الصلاة والسلام أيُّ حديث صحيح أو حسن يجيزه للصائم، فكون النصوص لم تُدرجْه في باب المبطلات، فإن ذلك يدلُّ على أنه من الأفعال الجائزة في الصوم. أما ما رُوي من أحاديث تجيز الاكتحال أو تنهى عنه، فكلها أحاديث ضعيفة أو منكَرَة لا تصلح للاحتجاج مطلقاً، أذكر منها على سبيل المثال:

ص: 270

1-

عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هَوْذة عن أبيه عن جدِّه عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه أمر بالإِثْمِد المروَّح عند النوم، وقال: لِيَتَّقِهِ الصائم} رواه أبو داود (2377) . ورواه الدارمي (1734) والبيهقي بلفظ {لا تكتحل بالنهار وأنت صائم واكتحل ليلاً بالإثمِد فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر} والإِثْمِد: هو حجرٌ أسودُ معروفٌ يُسحَق ويُعمَل منه الكحل. والمروَّح: أي المطيَّب بالمسك أو بغيره من أنواع العطور والطيب.

2-

عن أبي رافع قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل بالإثمِد وهو صائم} رواه الطبراني في المعجم الكبير (1/939) والبيهقي. قال الهيثمي [مِن رواية حِبَّان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وقد وُثِّقا وفيهما كلام كثير] .

3-

عن الزبيدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: {اكتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم} رواه ابن ماجة (1678) والبيهقي وابن عَديٍّ.

ص: 271

الحديث الأول بعد أن ذكره أبو داود قال [قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكَرٌ، يعني حديث الكحل] فلا يصلح للاحتجاج. وهذا الحديث هو مستند ابن شُبرُمة وجماعته في القول بإبطال الكحل للصوم، فيسقط بسقوطِه قولُهم هذا. أما الحديث الثاني الذي يفيد أن الاكتحال جائز للصائم فهو حديث ضعيف، بل ضعيف جداً. ولقد أوهم الهيثميُّ القاريءَ بما قال، فالبخاري قال في كتابه التاريخ الكبير عن محمد بن عبيد الله: منكَر الحديث. وقال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء هو وابنه معمر. ونقل ابن الجوزي عن الدارَقُطني تضعيفه له. وأن الرازي قال عنه: ذاهبُ الحديث. وقال البيهقي: ليس بالقوي. أما حِبَّان بن علي فإنه وإن وثَّقه ناس فقد قال عنه ابن أبي خيثمة: ليس حديثه بشيء. وقال أبو داود: لا هو ولا أخوه ولا أُحدِّث عنهما. وقال علي بن المَديني: لا أكتب حديثه. وقال أبو زُرعة: حِبَّان لين. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتجُّ به. وقال البخاري: ليس عندهم بالقوي. وقال الدارَقُطني: متروك. وضعَّفه النَّسائي. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. فهذا الحديث ضعيف جداً فيترك. وأما الحديث الثالث فالزبيدي واسمه سعيد بن عبد الجبار ضعيف، وذكر البيهقي أنه من مجاهيل شيوخ بقية، ينفرد بما لا يتابَع عليه، فيُردُّ حديثه. وقل مثل ذلك بخصوص ما سواها من الأحاديث في هذا الباب، فكلها ضعيفة أو منكَرة لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً.

وتبقى الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تجيز الاكتحال على العموم، وبشكل مطلق تبقى على عمومها وعلى إِطلاقها من الجواز في كل الأحوال والأوضاع، ومنها حالة الصيام. أما أقوالهم بأن الكحل إن وصل إلى الحلق فطَّر الصائم، فلا أجد ما أردُّ به عليها بأكثر من أنها أقوال لا تستحق الاهتمام.

ص: 272