الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5-
إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يؤخرون السُّحور، تمسُّكاً بالمندوب وطلباً للثواب، ولم يُعرَف عنهم أنهم كانوا يأكلون سَحورهم عند منتصف الليل أو حتى بعده بساعة وساعتين كما يفعل الناس في أيامنا هذه، وقد جاء فعل الصحابة بتأخير السُّحور إلى آخر الليل امتثالاً للهَدْي النبوي الكريم، يدل على ذلك الآثار في البنود [7 و 10 و 11] بل إن الأثر في البند 11 فيه قِسطٌ من المبالغة في تأخير السُّحور. أما أَنَّ تأخير السُّحور مندوبٌ، فلعموم الأدلة أولاً، ولقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث في البند 15 ثانياً (لا تزال أمتي بخير ما أخروا السُّحور وعجَّلوا الفِطر) .
6-
بقي الحديث في البند 12. فهذا الحديث كما يبدو لي هو ما يستنَدُ عليه الأعمش وإسحق في قولهما: إِن المتسحِّر يستمر في الأكل والشرب إلى طلوع الشمس. والصحيح هو أن هذا الحديث ليس نصّاً قاطعاً في هذا المعنى، بل إن المدقق فيه يجد أنه منسجمٌ مع سائر الأحاديث وموافقٌ لها وليس معارضاً لها، فالحديث يقول (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) ونحن قد قلنا عن الأحاديث المارَّة إِنها تدل على مشروعية استمرار الطعام والشرب إلى أن يحِلَّ بياضُ النهار، وأن ذلك هو الوارد في الحديث في البند 3 (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) فهذا الحديث هذا منسجم تماماً مع الحديث ذاك، ولا يخالف أحدُهما الآخر.
الفصل الثالث: الصيام في السَّفر
الفصل الثالث
الصيامُ في السَّفر
حكمُ الصيام في السَّفر:
ذهب معظم الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ومعهم الأئمة الأربعة، إلى جواز الصوم وجواز الفطر في السفر، ولكنهم اختلفوا في تحديد الأفضل منهما: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأبو ثور إلى أن الصوم في السفر أفضل من الفطر لمن قوي عليه ولم تلحقه مشقةٌ منه، ورُوي ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص وحذيفة بن اليمان من الصحابة رضوان الله عليهم، كما رُوي عن عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وعبد الله بن المبارك وإبراهيم النخعي. فيما ذهب الإمام أحمد وإسحق ابن راهُويه والأوزاعي إلى أن الفطر في السفر أفضل من الصوم عملاً بالرخصة، ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن عمر من الصحابة رضي الله عنهما، كما رُوي عن سعيد بن المسيِّب وعامر الشعبي وابن الماجشون. وذهب عمر بن عبد العزيز وابن المنذر إلى أن أفضلَهما أيسرُهما، لقوله تعالى {
…
يريد اللهُ بكم اليُسْرَ
…
} ورُوي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وعن ابن شهاب الزُّهري من التابعين، عدم جواز الصوم في السفر، وأن من صام رمضان في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر. وحتى نتبين وجه الحق والصواب في هذه المسألة دعونا نستعرض النصوص المتعلقة بها:
1-
عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم {أن حمزة بن عمرو الأَسْلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصومُ في السفر؟ - وكان كثيَر الصيام – فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأَفْطِر} رواه البخاري (1943) والنَّسائي وأحمد والدارمي.
2-
عن أبي مُراوِح عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال {يا رسول الله أَجدُ بي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه} رواه مسلم (2629) والنَّسائي وابن حِبَّان.
3-
عن حمزة الأَسلمي رضي الله عنه قال {قلت يا رسول الله: إني صاحب ظَهْرٍ أُعالِجُه: أُسافر عليه وأُكْرِمُه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر – يعني رمضان – وأنا أجد القوةَ وأنا شاب، وأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أُؤخِّره فيكون دَيْناً أَفأَصومُ يا رسول الله أعظمُ لأجري أو أُفطر؟ قال: أيَّ ذلك شئتَ يا حمزة} رواه أبو داود (2403) والحاكم.
4-
عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال {يا رسول الله، إني رجلٌ أَسْرُدُ الصومَ، أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت} رواه مسلم (2626) والنَّسائي وأحمد.
5-
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال {غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لِسِتَّ عَشْرةَ مضت من رمضان، فمنَّا مَن صام ومنَّا مَن أفطر، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم} رواه مسلم (2615) والنَّسائي والترمذي وأحمد وابن حِبَّان.
6-
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم} رواه البخاري (1947) ومسلم وأبو داود ومالك والبيهقي.
7-
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابنِ رَوَاحة} رواه الإمام البخاري (1945) ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد.
8 -
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصومُ في السفر} رواه البخاري (1946) ومسلم وأبو داود والدارمي وأحمد. ورواه النَّسائي (2260) بلفظ {عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله عز وجل فاقبلوها} ورواه الطبراني في المعجم الكبير. ورُوي القول {ليس من البر الصيامُ في السفر} من طريق ابن عمر رضي الله عنه عند ابن ماجة (1665) وابن حِبَّان والطبراني والطحاوي بسند صحيح. ومن طريق كعب بن عاصم الأشعري عند ابن ماجة (1664) والطبراني والنَّسائي وأحمد والدارمي والطحاوي. ورواه أحمد (24079) والطبراني في المعجم الكبير من طريق كعبٍ بلفظ {ليس من امْبِرِّ امصِيامُ في امْسَفَرِ} بلغة أهل اليمن، لأن كعباً الأشعري هو يمني وأهل اليمن يقولون (أم) للتعريف بدل (أل) ومن طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند البزَّار (985) والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجال البزَّار رجال الصحيح] .
9 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {لا تَعِب على من صام ولا على من أفطر قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر} رواه مسلم (2609) وأحمد وابن خُزيمة. وروى أبو داود الطيالسي (2677) عنه قوله {إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر ويفطر} .
10-
عن أبي طُعْمةَ قال {كنت عند ابن عمر إذ جاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أقوى على الصيام في السفر، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يقبل رخصة الله عز وجل كان عليه من الإِثم مثلُ جبالِ عرفة} . رواه أحمد (5392) والطبراني في المعجم الكبير، بسند حسَّنه الهيثمي.
11-
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال {كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يَجِدُ الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، يرون أن من وجد قوةً فصام فإن ذلك حسنٌ، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسنٌ} رواه مسلم (2618) والترمذي والنَّسائي وأحمد وابن حبَّان وابن خُزيمة. قوله لا يجد: أي لا يغضب.
12-
عن قَزَعَة عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال {سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صِيام قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطرُ أقوى لكم، فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مُصَبِّحو عدوِّكم والفطرُ أقوى لكم فأَفطروا، وكانت عَزْمةً، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتُنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر} رواه مسلم (2624) وأبو داود وأحمد والبيهقي والطحاوي.
13-
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال {كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنَّا الصائم ومنَّا المُفْطر، قال: فنزلنا منزلاً في يومٍ حارٍّ، أكثرُنا ظِلاً صاحبُ الكساء ومنَّا مَن يتَّقي الشمس بيده، قال: فَسقط الصُّوَّامُ وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوْا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر} رواه مسلم (2622) والنَّسائي وابن خُزيمة وابن حِبَّان.
14-
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يحب أن تُؤْتَى عزائمُهُ} رواه ابن حِبَّان (3568) والبزَّار والطبراني. ورواه ابن حِبَّان أيضاً (2742) وأحمد بلفظ {إن الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معصيتُه} .
15-
عن أبي أمية الضَّمْري رضي الله عنه قال {قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفرٍ فسلَّمت عليه، فلما ذهبتُ لأَخرج قال: انتظر الغِداء يا أبا أمية قلت: إني صائم يا نبي الله، قال: تعال أُخْبِرْك عن المسافر: إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة} رواه النَّسائي (2269) والبخاري في كتاب التاريخ والدارمي والطحاوي. ومن طريق أنس بن مالك – الكعبي – رضي الله تعالى عنه عند أبي داود (2408) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والترمذي بلفظ {إن الله تعالى وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة، والصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى، واللهِ لقد قالهما جميعاً، أو أحدَهما
…
} وحسنه الترمذي. واللفظ عند النَّسائي (2274){إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم وعن الحبلى والمرضع} فأقول ومن الله التوفيق ما يلي:
…
إن الناظر في هذه النصوص يتبين أن الصيام في السفر يعادل الإفطار فيه، دون أن يكون لأحدهما أية أفضلية على الآخر، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعادلة في كثير من النصوص، رغم اختلاف الأسئلة الموجهة إليه، واختلاف الأحوال لدى السائلين، بمعنى أن المعادلة بين الصوم والفطر بقيت على حالها، رغم اختلاف الأحوال والظروف، مما يؤكِّد التساوي التام بينهما. فالحديث الأول يقول (إن شئت فصم وإن شئت فأَفطر) والحديث الثاني يقول (هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه) والحديث الثالث يقول (أيَّ ذلك شئتَ يا حمزة) والحديث العاشر يقول (مَن لم يقبل رُخصةَ الله عز وجل كان عليه من الإثم مثلُ جبال عرفة) والحديث الحادي عشر يقول (يرون أن من وجد قوةً فصام، فإِن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأَفطر، فإِن ذلك حسن) فحمزة الأسلمي رضي الله عنه وجَّه أسئلته بكيفيات عدة: في الحديث الأول جاء سؤاله عاماً فجاءه الجواب بالمعادلة التامة، وفي الحديث الثاني جاء قوله (أَجِد بي قوةً على الصيام في السفر فهل عليَّ جُناح؟) وكأنه أراد رضي الله عنه أن يُفضَّل الصيامُ على الفطر ومع ذلك جاءه الجواب بالمعادلة التامة،وفي الحديث الثالث جاء قوله (وأنا أجد القوة وأنا شاب، وأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أُؤَخِّرَه فيكون دَيْناً) فزاد في بيان حاجته إلى تفضيل الصيام، ومع ذلك كله بقي الجواب هو هو بالمعادلة التامة بين الصوم والفطر، وفي الحديث الرابع أتى حمزة بحجة جديدة راغباً بتفضيل الصوم على الفطر فقال (إني رجل أَسرُدُ الصوم) فلم يتلق من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا قوله (صُم إن شئت وأَفطر إن شئت) ولا يدلُّ كل ذلك إلا على أن الصوم في السفر مماثل في الأجر والفضل للفطر لا يزيد أحدهما على الآخر درجةً واحدة، وانظر في سائر النصوص تجد المعادلة
بين الاثنين قائمة.
…
وبذلك يتبين بشكل جليٍّ وواضح جوازُ الصوم والفطر على السواء، دون أن يكون لأيٍّ منهما أي فضل على الآخر. ومما سبق يتبين خطأ من ذهبوا إلى تفضيل الصوم على الفطر، وخطأ من ذهبوا إلى تفضيل الفطر على الصوم في السفر، ويتبين بشكل أوضح خطأ من ذهبوا إلى عدم جواز الصوم في السفر وأن من صام وجب عليه القضاء.
وإني أرى أن الرأي الصحيح هو الرأي المنسوب إلى عمر بن عبد العزيز وابن المنذر القائل بأن أيسر الاثنين أفضلُهما، دون تعيين أحدهما على أنه الأفضل، وذلك أولاً: لدلالة الآية {
…
يريد الله بكم اليسرَ
…
} وثانياً: لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما خُيٍّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فقد روى البخاري (3560) ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت {ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه
…
} وهنا قد حصل التخيير بين أمرين دونما إثم، فكان أخذُ الأيسر هو الأخذَ بالهَدْي النبوي الكريم.
…
وهنا يثور سؤال لا بد منه هو: كيف نفسِّر قول الرسول صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر) ؟ ألا يدل هذا القول على أفضلية الفطر؟ والجواب عليه من وجوه:
أولاً: إن الأمر بالفعل لا يعني بالضرورة النهيَ عن ضده، كما أن النهي عن الفعل لا يعني بالضرورة الأمر بضده، وهنا نقول إن نفي البر عن الصيام في السفر لا يعني أن البر إنما يكون في الفطر.
ثانياً: حتى نستطيع أن نجيب على السؤال، لا بد من معرفة معنى البر لغةً وشرعاً: فقد اختلف أهل اللغة كما اختلف الفقهاء في تحديد معنى البرِّ على أقوالٍ: فقال الشافعي: يحتمل أن يكون المراد ليس من البر المفروض الذي من خالفه أَثِمَ، وإن نفي البر هنا محمولٌ على من أبى قبول الرخصة. وقد روى الحديثَ النَّسائي (2260) بلفظ {عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله عز وجل فاقبلوها} وقال الطحاوي: البِرُّ هنا البر الكامل الذي هو أعلى المراتب وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون بِراً. وقال بعضهم هو كل ما تُقُرِّبَ به إلى الله عز وجل. وفُسِّر البر بالصدق، ومنه البِرُّ في اليمين أي تصديقه وعدم الحنث فيه، كما فُسِّر بالطاعة، ومنه بِرُّ الوالدين أي طاعتهما، وفُسِّر بالصلاح، وبالخير. فهو إذن كلمة جامعة لعدة معانٍ يشملها كلَّها الخير. فالبر خير، والخير حتى يكون شرعياً لا بد من أن يطلبه الشرع ويأمر به، إِما أمراً جازماً فيكون فرضاً، وإِما أمراً غير جازم فيكون مندوباً، ولا يخرج البر أو الخير عن هاتين الحالتين، فلا يكون البر أو الخير في المباحات التي يستوي فيها القيام بالفعل وتركه والتي لا ثواب فيها ولا إثم، ولا يكون البر إلا في الفروض والمندوبات لا غير. هكذا يجب أن يُفهم البر في الحديث هذا، وأن معناه هو أن الصوم في السفر غير مفروض عليكم وغير مندوب، وهذا هو المعنى الذي تكرَّر في الأحاديث التي استعرضناها قبل قليل (صُم إن شئت وأَفطر إن شئت) أي هو من المباحات التي يستوي فيها القيام بالفعل وتركه.
وإذن فإن الصوم في السفر غير مفروض وغير مندوب وإنما هو مباح، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وهذا المعنى قد تضافرت عليه الأحاديث، ومنه القول (ليس من البر الصيام في السفر) فإن معناه: ليس من المفروض، ولا من المندوب الصيام في السفر وهو المعنى نفسه الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام في البند 15 (تعال أُخْبِرْكَ عن المسافر: إن الله تعالى وضع عنه الصيام
…
) أي وضع الأمر به، وتركه يدخل في خانة المباحات. وهكذا نكون قد جمعنا بين الأحاديث كلها والجمع بين الأحاديث أولى من إِهمال أحدها أو بعضها كما هو مقرَّر في علم الأصول.
…
وثمة سؤالٌ هو: كيف نفسر الحديث رقم 8 (عليكم برخصة الله عز وجل، فاقبلوها) والحديث رقم 10 (من لم يقبل رخصة الله عز وجل كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) ؟ ألا يدل كلاهما على الأمر بالإِفطار وأنه أفضل من الصيام؟
والجواب عليه هو أن ذلك أمرٌ بقبول الرخصة، وليس أمراً بالإفطار، وشتَّان بين الأمرين، والمقصود بقبول الرخصة هنا هو ترك الالتزام بالصيام في السفر سواء منه ما كان فرضاً أو ما كان تطوُّعاً، وقد جاءت الرخصة لتلغي الالتزام هذا وتدع الصيام في دائرة المباحات، وإن الحديث في البند 8 واضح الدلالة على ما أقول، فهو يقول (ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله عز وجل فاقبلوها) ومعناه أن الصيام في السفر ليس فرضاً ولا مندوباً بعد أن لم يكن كذلك، بسبب رخصة الله عز وجل، فوجب القولُ بذلك والعملُ به، وتركُ الالتزام الواجب أو المندوب كما كان قبل الرخصة. والحديث في البند 10 يدل على المعنى نفسه، فهو تحذيرٌ شديد لمن بقي مُصِرَّاً على القول بوجوب الصيام في السفر أو على مندوبيته ولم يأخذ برخصة الله التي نسخت الوجوب والندب. فهذان الحديثان (8، 10) يعضدان ويتَّسِقان مع الأحاديث المارة، التي خيَّرت المسلم بين الصيام والإفطار في السفر، وهو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، كما أفاد ذلك الحديث رقم 5 (فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم) والحديث رقم 6 (فلم يَعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) والحديث رقم 9 (لا تَعِبْ على من صام، ولا على من أفطر) والحديث رقم 11 (فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجدُ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) أما الحديث رقم 14 (إن الله يحبُّ أن تُؤْتى رُخَصُهُ كما يحب أن تُؤْتى عزائمُهُ) فهو يدل على ما تدل عليه الأحاديث السابقة كلها من وجود المعادلة، أو التعادل بين الصيام والإفطار (يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يحب أن تُؤْتَى عزائمُه) الرخصة تُحَبُّ كحبِّ العزيمة سواء بسواء، لا ميزة لإحداهما على الأخرى فهو عاضد ومساندٌ للأحاديث المارَّة كلها، القائلة بالمعادلة والتعادل والتساوي بين الصوم والفطر في
السفر.
وفي الحديث هذا نكتة لا أراها تخفى على الكثيرين، هي أن الله سبحانه عندما يخيِّر بين أمرين ويُدخلهما في دائرة المباحات فإنَّ ذلك لا يعني أن يختار الرجل أحدَهما بشكل دائم ويترك الأخر بشكلٍ دائم، وإن كان ذلك منه جائزاً، وإنما يحبُّ الله عز وجل من الرجل أن يتنقل بين الأمرين، فيأخذ بهذا مرة وبذاك مرة أخرى، وعبَّر عنه الحديث بلفظة (يحب) دون أن يصل هذا الحب إلى درجة الفرض والإلزام، بمعنى أن المسلم وقد وُضع عنه فرضُ الصيام في السفر ونفله، لا يعني أن يدع الصيام بالكلية فيه، ويتمسك بالفطر ملتزماً به، وإنما يعني التخيير الذي يحبه الله تعالى وهو: أن يعمد إلى هذا مرة أو مرات، ويعمد إلى ذاك مرة أو مرات، فلا التزام ولا إلزام، ويبقى الأمر على التخيير حكماً وعملاً، وهذا ما يفسر ما جاء في الحديث رقم 7 (وما فينا صائمٌ إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة) وما جاء في الحديث رقم 9 (قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر) فهو عليه الصلاة والسلام الذي نقل إلينا حبَّ الله عز وجل للتخيير المشار إليه قد سار بموجبه، فكان يصوم ويفطر دون التزام منه أو إلزام بأحدهما دون الآخر. ونقف وقفة مع الحديثين 12، 13 فنقول:
الحديث رقم 12:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً وهو مسافر من المدينة إلى مكة، وكان صحابته صياماً مثله، فعندما اقتربوا من العدو ذكَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برخصة الله عز وجل التي تساوي بين الصوم والفطر، فذكر لهم ما يقابل الصوم وهو الفطر، وبيَّن لهم أن الفطر أقوى لهم، وأنَّ حالَهم حالُ استعدادٍ للقتال، وما يحتاجه القتال منهم إلى إعداد القوة ومنها القوة البدنية، دون أن يأمرهم بالفطر، وإنما اكتفى بالتذكير فحسب، وهذا هو الحكم الشرعي في مثل هذه المواقف والأحوال، وهو أن الصائم إن وجد ضعفاً مال إلى الفطر، وإن وجد قوة فله أن يصوم، وبدون ذلك لا يكون قد أخذ بالرخصة التي تعني التعادل بين الأمرين، ولكنه عليه الصلاة والسلام قُبيلَ مناجزةِ العدو، وما تحتاجه المناجزة من قوة الأبدان أمرهم بإعداد هذه القوة، بأن أمرهم بالفطر، وهنا أصبح الفطر في حقهم واجباً، وخرج الأمر كله عن موضوع المعادلة أو التعادل، لأن إعداد القوة للقتال واجب، فالفطر عندئذٍ واجب، وبالفعل فقد أفطر الجميع التزاماً بالحكم الشرعي في هذه الحالة، وهذه الحالة لا تكسِر حكم المعادلة أو التعادل بين الصوم والفطر في السفر، وإنما هي موضوع آخر متعلقٌ بالقتال، وما ينبغي للمجاهد أن يفعله عندئذٍ، فليست في هذا الحديث أية دلالة على تفضيل الفطر في السفر على الصيام.
الحديث رقم 13:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافراً ومعه الصحابة رضوان الله عليهم منهم الصائم ومنهم المفطر، وهذا أمرٌ طبيعي وأخذٌ بالرخصة التي تساوي بين الصوم والفطر، ثم إن الحر اشتد عليهم حتى سقط الصُوَّام من الشدة والضعف، وهنا كان ينبغي عليهم أن يفطروا، لأن التمسك بالصيام في هذه الحالة يعني عدم الأخذ بالمعادلة والتخيير وإنما الأخذ بتفضيل الصيام على الإفطار وهو غير صحيح، فجاء الأمر النبوي الكريم يتدخل في هذه الحالة مبيِّناً ومذكِّراً بحكم التعادل والتخيير، ومقتضاه أن من صام فوصل إلى درجة المشقَّة البالغة والضعف الشديد فاستمرَّ صائماً فإنه لا يكون قد أخذ بالرخصة التي يحبها الله عز وجل، فقال قولته البالغة الوضوح (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) أي أن الفطر عندئذٍ هو المتعيِّن، وأن من أفطر نال الأجر لأخذه برخصه الله عز وجل، فإذا رأينا المفطرين هم الذين ضربوا الأبنية وهم الذين سَقَوْا الركاب – وهذا وذاك من القربات والطاعات لله عز وجل – عرفنا دلالة قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن المفطرين قد ذهبوا بالأجر أي الأجر كله، أجر الأخذ بالرخصة عند الشدة، وأجر ضرب الأبنية وسقي الركاب. وهكذا يتجلى بوضوحٍ تامٍّ تعاضدُ الأحاديث الواردة كلِّها، واتَّساقُها وتضافرُها بالقول إن الصيام في السفر كالفطر، لا يفضُلُ أحدُهما الآخرَ.
أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر:
والآن لنستعرض ما رآه القائلون من وجوب الفطر، وعدمِ جوازِ الصومِ في السفر من أدلةٍ وشبهات:
1-
قال تعالى {
…
فمنْ كان منكم مريضاً أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر
…
} . من الآية 184 من سورة البقرة.
2-
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفتح، فصام وصام الناس، حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم} رواه الدارمي (1709) ومسلم وابن خُزيمة وابن أبي شيبة. والكَدِيْد وتقرأ كُدَيْد: هي عين ماء على بعد أربعة بُرُدٍ، أو 48 ميلاً من مكة، وهي ما بين مكة وقُدَيْد.
3-
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراعَ الغَمِيمِ، فصام الناس، ثم دعا بقَدَحٍ من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناسِ قد صام، فقال: أولئك العُصاةُ، أولئك العُصاةُ} رواه مسلم (2610) والترمذي وابن حِبَّان. ورواه النَّسائي (2263) وأحمد والبزَّار بلفظ {
…
فصام الناس، فبلغه أن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون
…
} وفي رواية ثانية عند مسلم (2611) بلفظ {
…
فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر} .
4-
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زِحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصومُ في السفر} رواه البخاري (1946) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والدارمي وأحمد.
5-
عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر} رواه ابن ماجة (1666) . ورواه النَّسائي (2284) موقوفاً.
6-
عن أنس بن مالك – الكَعْبي – قال {أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في إِبِلٍ كانت لي أُخِذتْ، فوافقتُه وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم فقال: أُدن أُخْبِرْكَ عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاة} رواه النَّسائي (2276) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والترمذي وحسَّنه. وانظر رقم 15 المار قبل قليل.
عن الآية الكريمة قالوا: معنى عِدَّة: الواجب عليه عدَّة. والآية تدل على أن المسافر يفطر ويعتد من أيام أُخر، ولم يأت فيها ذكرٌ للصيام. فأقول: إن التقدير هو (فأفطر فعدَّة) وقد خرجت الآية الكريمة مخرج الأعمِّ الأغلب، ولم تأت لنفي الصيام والاقتصار على الإفطار، فلا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه.
وأما الحديث رقم 2 فإنه قسمان: القسم الأول من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفتح، فصام وصام الناس حتى بلغ الكَديد ثم أفطر فأفطر الناس) فهذا النص لا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه، وهو متفقٌ مع ما أوردنا من أدلة كثيرة سابقة، وخاصة ما ورد في البند 9 المار قبل قليل.
…
وأما القسم الثاني (فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قولٌ مُدْرَجٌ من قول ابن شهاب الزُّهري كما جزم البخاري في الجهاد (قوله وكان ذلك آخر الأمرين) وكذلك وقعت هذه الزيادة عند مسلمٍ مُدْرَجةً. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة، كما جاء في الحديث رقم 12 المار قبل قليل (ثم رأيتُنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر) فهذه الزيادة هي من قول الزُّهري أولاً، وقول الزُّهري ليس دليلاً، وجاء عند ابن خُزيمة (2035) عقب روايته للحديث (قال سفيان: لا أدري هذا من قول ابن عباس، أو من قول عُبيد الله، أو من قول الزُّهري) فهو على الشك، إضافةً إلى أن هذه الزيادة معارَضةٌ بالحديث رقم 12 من طريق أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه عند مسلم وغيره، فلا يُلتفت إليها.
…
وأما الحديث الثالث (أولئك العصاة، أولئك العصاة) فإنه جاء في حالة مشقَّة الصيام عليهم وعند المشقة تؤخذ الرخصة، فلما رفضوا الأخذ بالرخصة وامتنعوا عن التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعا بقدح من ماء أَمامَهم ثم شرب، فإنهم يكونون بذلك قد عصَوْا بالتمسك بالصيام في هذه الحالة وانطبق عليهم الحديث رقم 10 (من لم يقبل رخصة الله عز وجل كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) .
…
وأما الحديث الرابع (ليس من البر الصومُ في السفر) فقد بيَّنَّا قبل قليل دلالته ومعناه، فلا نعيد.
…
وأما الحديث الخامس (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) سواء منه ما كان مرفوعاً أو موقوفاً، فهو حديث منقطع، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، قاله يحيى بن معين والبخاري. وسند ابن ماجة إضافةً إلى الانقطاع فيه راوٍ اسمه أسامة بن زيد، متَّفَقٌ على تضعيفه. وقال أبو إسحق: هذا الحديث ليس بشيء. فالحديث ضعيف جداً فيترك.