الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
…
وهذه الأقوال كلها اجتهادات وليست نصوصاً شرعية، فالشرع لم يحدِّد مقدار الفدية، أي لم يحدد مقدار ما يُطعَمُ المسكينُ، وإنما هي اجتهادات في تحقيق مناطِ النصوص الشرعية أي مناط حكم إطعامِ مسكينٍ واحد، فجاءت آراؤهم مختلفة متباينة ولو أن هؤلاء الصحابة والتابعين والفقهاء أدركوا عصرنا هذا لربما تغيَّرت تقديراتهُم، فالعُرفُ وأحوالُ الناس والعصرُ الذي يُعاش فيه لها مدخل وأثر في تحديد مقدار ما يُقدَّم للمسكين الواحد من القوت. ولهذا فإننا غير ملزمين بتقديرات الصحابة ولا بتقديرات الفقهاء الذين سبقونا، ونقف عند قوله سبحانه وتعالى {فديةٌ طعامُ مسكين} وندع تحديد الفدية وما يُقدَّم للمسكين إلى الناس يبذلون ما يرونه كافياً لإطعام المسكين، لا سيما وأَن تقديم المدِّ الواحدِ والمدين والأربعة أمداد من القمح أو من التمر لم يعد ينفع المسكين وإنما أصبح المقبول والمتَّبع في عصرنا الراهن تقديمُ وجباتٍ من الطعام المطبوخ أو دفع مبلغ من المال يفي بالحاجة.
…
وللعلم فقط أقول ما يلي: قال أبو عبيد في كتاب الأموال (1602) ما يلي [وأما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم فيه أَعلمه أن الصاعَ عندهم خمسةُ أرطال وثلثٌ يعرفه عالِمُهم وجاهِلُهم، ويباع في أسواقهم ويحملُ علمَه قرنٌ عن قرنٍ (1603) وقد كان يعقوب – هو أبو يوسف القاضي – زماناً يقول كقول أصحابه فيه، ثم رجع عنه إلى قول أهل المدينة] وقال (1623) أيضاً [فقد فسَّرنا ما في الصاع من السنن وهو كما أعلمتُك خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ، والمُدُّ رُبُعُه، وهو رطل وثلث، وذلك برطلنا هذا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً
…
] .
…
وبتقدير ما سبق بالأوزان الحديثة نقول ما يلي: إن المد يساوي 543 غراماً، فيكون الصاع 175،2غراماً، أي كيلو غرامين ومائةً وخمسة وسبعين غراماً.
الفصل الثامن: ما يفطِّر الصائم
الفصل الثامن
ما يُفطِّرُ الصائم
1-
قطعُ نيَّة الصيام:
…
الصوم عبادة، فيحتاج إلى نية من بدئه إلى انتهائه، فإن قُطعت النية قُطع الصوم.
2-
الأكلُ والشربُ عمْداً:
…
لا يحتاج هذا إلى سَوق الأدلة عليه هنا، فهو معلوم للعالم والجاهل.
3-
الحيضُ والنفاسُ:
…
وهو أيضاً معلوم، وقد سبق بحثه في فصل [صيام رمضان – أحكام عامة] .
4-
القيءُ عمْداً:
…
قال محمد بن المنذر: وقع الإجماع على بطلان الصوم بتعمُّد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود – رضي الله عنهما: لا يفطِّر مطلقاً، وهي إحدى الروايتين عن أصحاب مالك. وقال عطاء بن أبي رباح وأبو ثور: من تعمَّد القيء فعليه القضاء والكفارة. وقد رُوي عن علي وابن عمر وزيد بن أرقم ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق بن راهُويه والشافعي وأصحاب الرأي القولُ إنَّ من ذرعه القيء – أي قاء غير متعمِّدٍ – لا يبطل صومه. ونقل ابن المنذر الإجماع – ويعني به إجماع العلماء – على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده، إلا في إحدى الروايتين عن الحسن البصري. ونحن نذكر الآن جملةً من الأحاديث والآثار تتناول هذه المسألة:
1-
عن معدان بن طلحة أن أبا الدرداء رضي الله عنه حدَّثه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، فلقيتُ ثوْبانَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال: صدق وأنا صَبَبْتُ له وَضوءَ هـ صلى الله عليه وسلم} رواه أبو داود (2381) والنَّسائي وابن حِبَّان والدارمي. ورواه الترمذي وأحمد وقالا: هذا أصح شيء في هذا الباب. وقال ابن مَنْده: إِسناده صحيح متصل.
2-
عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال {استقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر وأُتي بماء فتوضأ} رواه عبد الرزاق (7548) والنَّسائي وأحمد وإسناده صحيح.
3-
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ذَرَعهُ قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فلْيَقْضِ} رواه أبو داود (2380) والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي والبيهقي وابن حِبَّان. قال الترمذي [حديث حسن غريب] وصححه الحاكم والذهبي. أَما البخاري فقال: لا أراه محفوظاً. وقال أحمد: ليس من ذا شيءٌ. ورواه النَّسائي في السنن الكبرى (3117) بلفظ {إذا ذرع الصائمَ القيءُ فلا إفطار عليه، وإذا تقيأ فعليه القضاء} وقال: وقفه عطاء على أبي هريرة. قوله ذَرَع: أي غلب وسبق إلى الخروج.
4-
عن عمر بن الحكم بن ثوبان {سمع أبا هريرةَ رضي الله عنه: إذا قاء فلا يفطر إنما يُخْرِج ولا يُولِج ويُذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح وقال ابن عباس وعكرمة الصوم مما دخل، وليس مما خرج
…
} ذكره البخاري في مقدمة باب [الحجامة والقيء للصائم] .
5-
عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال {من ذرعه القيءُ فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء} رواه البيهقي (4/219) . ورواه مالك (48 كتاب الصوم) .
6-
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثلاثة لا يفطِّرن الصائم: القيءُ والحجامةُ والاحتلامُ} رواه البزَّار (1016) . قال الهيثمي [بإسنادين وصحَّح أحدَهما، وظاهرُه الصحةُ] وضعَّفه آخرون. ورواه الدَّارَقُطني (2/183) والطبراني في المعجم الأوسط من طريق أبي سعيد الخدري بلفظه.
…
الحديث الأول جاء فيه (قاء فأفطر) فسَّره الحديث الثاني (استقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر) والحديث الثالث (وإن استقاء فلْيقضِ) فيكون التعبير عن تعمُّد القيء بلفظتين: استقاء، وتقيأ. وهذا الحديث الثالث وإن شكَّك البخاري وأحمد في كونه محفوظاً، إلا أن تصحيح الحاكم والذهبي، وتحسين الترمذي له كافٍ لقبوله.
…
هذه الأحاديث النبوية تذكر أن من تقيأ أو استقاء، أي تعمَّد القيء، فقد أفطر ووجب عليه القضاء، ولم أجد حديثاً مرفوعاً واحداً يعارض هذه النصوص فيُعمَلُ بها ويُقال إنَّ تعمُّدَ القيء من مُفَطِّرات الصوم. وجاء أثر ابن عمر في البند الخامس موافقاً لما ذهبنا إليه.
…
أما ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه فقد روي عنه قولان يبدوان متعارضَيْن ففي الحديث الثالث جاء قول عطاء إن الحديث موقوف على أبي هريرة، فعلى فرض صحة هذا القول من عطاء فإنا نقول إن أبا هريرة قال (إذا تقيَّأ فعليه القضاء)(وإن استقاء فليقضِ) أي إذا تعمَّد القيء بطل صومه وأفطر.
…
أما ما ذكره البخاري عن أبي هريرة فإنه جاء بصيغة عامة (إذا قاء فلا يفطر)(عن أبي هريرة أنه يفطر) ورجَّحَ الرواية الأولى، فلْنأخذ الرواية الراجحة عنده (إذا
(إذا قاء فلا يفطر) هذه الرواية لم تفرِّق بين القيء المتعمَّد والقيء غير المتعمَّد، وإنما جاءت عامة، ونحن لا ننكر أن القيء غيرَ المتعمَّد لا يفطِّر، فتصبح عندنا روايتان عن أبي هريرة: الأولى تخصِّص القيءَ المتعمَّد بأنه مفطِّر، والثانية تعمِّم القيء بأنه غير مفطِّر، فتُؤخذُ الرواية المخصِّصةِ القائلةِ بأنَّ القيء المتعمَّدَ يفطِّر وتُحمَل الروايةُ العامة على ما سوى ذلك. وبذلك يثبت القول المخصِّص الوارد في الحديث الثالث، وهو المتوافق مع الأحاديث المرفوعة.
…
نأتي لأثر ابن عباس عند البزَّار: إن البزَّار قد ذكر إسنادين عن ابن عباس بلفظ واحد، وفي الإسنادين محمد بن عبد العزيز – وهو أبو عبد الله الرملي المعروف بابن الواسطي، كما ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب – هذا الراوي قال عنه أبو زُرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب ولم يكن عندهم بالمحمود، وهو إلى الضعف ما هو. ومع أن ابن حِبَّان قد وثَّقه – وهو المعروف عنه بالتساهل في توثيق الرواة – فإنه قال: ربما خالف. وأما قول الهيثمي عنه – بإسنادين وصحح أحدهما – وهو يعني أن البزَّار صحَّح أَحدَ الإسنادين، فقولٌ غير دقيق، وذلك أن البزَّار بعد أن روى الروايتين قال [وهذا من أحسنها إسناداً وأصحِّها، لأن محمد بن عبد العزيز لم يكن بالحافظ] فقوله هذا لا يعني أن الإِسناد صحيح، وإنما يعني أنه أصح من غيره. ومثله رواية الدارَقُطني من طريق أبي سعيد، فإن فيها هشام بن سعد، ضعَّفه النَّسائي وأحمد ويحيى بن معين. وليَّنه ابن عدي، وقال: ومع ضعفه يُكتَب حديثه. وقال عبد الحق: يُكتَب حديثه ولا يُحتجُّ به. وفي المقابل احتج به مسلم واستشهد به البخاري، فعلى فرض أن هذا الحديث صالح للاحتجاج والاستدلال، فإنَّا نقول عنه ما قلناه عن أثر أبي هريرة العام في مقابل أثره الخاصِّ وذلك أنَّ حديث الدارَقُطني والبزَّار جاء بصيغة العموم (القيء) دون بيان إن كان متعمَّداً، أو غير متعمَّد، فنخصِّصه بالوارد في الأحاديث السابقة القائلة إنَّ القيء المتعمَّدَ يفطِّرُ الصائمَ.
…
وعليه فإنَّا نقول إن القيء إذا كان متعمَّداً فهو من المفطِّرات للصائم، وقد مرَّ مزيد بحث في هذه المسألة في موضوع [قضاء الصوم على المتقيء عمداً] في الفصل [قضاء الصوم] .
5-
الجماعُ: