الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
…
فهذا في صيام التطوع كما أثبتناه سابقاً، وصيام التطوع ليس واجباً على الكبار فلا يكون قطعاً واجباً على الصبيان. وكون هؤلاء الصبيان يُلَهَّوْن باللُّعب من الصوف في أثناء صومهم، فإن ذلك يعني أن السنَّ التي كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرِّنون صبيانهم على الصيام فيها هي بلا شك فيما بين الخامسة والسابعة على أبعد تقدير، فهذه هي السنُّ التي يُتصوَّر فيها إلهاء الصبيان عن الجوع بالُّلَعب من الصوف وغيرها، ومع ذلك فإن هذه السن ليست للالتزام. وقد ذكر البخاري تعليقاً – أي بدون سند – هذا الأثر {وقال عمر رضي الله عنه لِنَشْوانَ في رمضان: ويلك وصبيانُنا صيامٌ؟ فضربه} . ومعناه أن شخصاً قُبض عليه في رمضان وهو نشوان، أي سكران، فوبَّخه عمر وضربه قائلاً له: وصبياننا صيام؟ أي تفطر وتشرب الخمر أيضاً في رمضان في حين أن الصبيان يصومون؟ فالأصل عند المسلمين أن يُعوِّدوا أولادهم الصغار على أداء بعض التكاليف التي سيقومون بها كباراً مما يطيقون القيام به.
صوم الحامل والمرضع:
ورد في صوم الحامل والمرضع الحديثان التاليان:
1-
عن أنس بن مالك – رجل من بني عبد الله بن كعب إخوةِ بني قُشَير – قال {
…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس أحدِّثْكَ عن الصلاة، وعن الصيام: إن الله تعالى وضع شطر الصلاة، أو نصف الصلاة، والصومَ عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى، واللهِ لقد قالهما جميعاً أو أحدَهما
…
} رواه أبو داود (2408) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وهذا لفظ النَّسائي (2274){إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع} ورواه الترمذي وحسَّنه.
2-
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم للحُبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها} رواه ابن ماجة (1668) وابن عَدِي.
قال الترمذي [قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال بعضهم: يفطران ويطعمان، ولا قضاء عليها، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام عليهما. وبه يقول إسحق] . وقد ذهب الحسن البصري وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعكرمة وأصحاب الرأي وربيعة إلى أن الحامل إذا خافت على نفسها، والمرضع إذا خافت على ولدها، أن تفطرا ولا إطعام عليهما، فهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وهو قول مالك في الحبلى إذا أفطرت، وأما المرضع فإنها إن أفطرت فقد وجب عليها القضاء والإطعام. وقال الشافعي وأحمد: تفطران وتقضيان إن خافتا على نفسيهما فقط، أو على نفسيهما وولديهما، وأما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية، عن كل يومٍ مُدٌّ. فأقول، ومِن الله التوفيق، ما يلي:
أما أن الحامل والمرضع تفطران فهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء وهو الصواب وإن الحديث الأول دليل عليه (إن الله تعالى وضع
…
الصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى) (إن الله وضع عن المسافر
…
الصوم، وعن الحبلى والمرضع) فكما أن المسافر يصح له الإفطار لأن السفر رخصة وعذر، فكذلك الحبلى والمرضع يصح لهما الإفطار، لأن الحَبَل والرضاعة رخصةٌ وعذرٌ. وقد جاء النص الأول عاماً في الحُبْلى والمرضع، وأَما النص الثاني، فقد جاء خاصاً بالحَبَل الذي يُخشى معه على النفس، وبالإِرضاع الذي يُخشى معه على الولد، فوجب الأخذُ بهذا التخصيص. فأقول ما يلي:
إن الحبلى إذا خشيت بسبب الحَبَل على نفسها فإن لها أن تفطر، وإن المرضع إذا خشيت بسبب الإِرضاع على ولدها فإن لها أن تفطر، وأما إن عدمت الخشيةُ من الحبلى والمرضع فلا يصح لهما الإفطار، فالعام يُحمل دائماً على الخاص. وأما القضاء فإنه لا بد منه، وليس صحيحاً قول إسحق [إن شاءتا قضتا] كما أنه ليس صحيحاً ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه من القول إِنَّ الحامل والمرضع ليس عليهما قضاء، كما جاء في الرواية عند الدارَقُطني (2/206) في سننه من طريق سعيد بن جُبير {أن ابن عباس قال لأم ولدٍ له حُبلى أو مُرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليكِ الجزاء، وليس عليكِ القضاء} ورواه أبو داود والبزَّار بمعناه. وكذلك ليس صحيحاً ما رُوي عن قتادة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما من القول نفسه المنسوب لابن عباس رضي الله عنهما، كما جاء في مصنَّف عبد الرزاق عن قتادة (7556) وعن ابن عمر (7558) من أنهما قالا عن الحامل والمرضع: تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهما. وكما روى الدارَقُطني (2 /207) مثله عن ابن عمر رضي الله عنه. وذلك لما يلي:
…
إنَّ الرواية الأولى عن ابن عباس عند الدارَقُطني القائلةَ بالجزاء، وعدم القضاء تعارضها الرواية عنه عند عبد الرزاق (7564) القائلة بالقضاء وعدم الإِطعام. ولذا فإن الرواية عن ابن عباس مشكوك فيها، فتترك. هذا إِضافةً إلى أنها قول صحابي وأقوال الصحابة ليست أدلة، كما ذكرنا ذلك عدة مرات. وقل مثل ذلك بخصوص القول المنسوب لابن عمر رضي الله عنه.