المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

… أما ما رُوي عن عبد الله بن أبي موسى – - الجامع لأحكام الصيام

[محمود عبد اللطيف عويضة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: صيام رمضان – أحكام عامة

- ‌فضل الصيام:

- ‌فضلُ رمضان:

- ‌متى شُرع الصيام الواجب

- ‌النيَّة في الصيام:

- ‌صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته:

- ‌هل يصح العمل بالحساب الفلكي

- ‌دعوى اختلاف المطالع:

- ‌الحساب الفلكي

- ‌كم الشهر الهجري

- ‌صوم الحائض والنُّفَساء:

- ‌صيام من أصبح جُنُباً:

- ‌إثم من أفطر في رمضان بغير عذر:

- ‌صوم الصبيان:

- ‌صوم الحامل والمرضع:

- ‌لا صوم على المجنون وعلى المغمَى عليه:

- ‌حِلُّ الجماع في ليالي الصيام:

- ‌لفصل الثاني: الفِطْر والسُّحُور

- ‌متى يفطر الصائم

- ‌ما يُستحبُّ للصائم أن يفطر عليه:

- ‌ما يقوله الصائم إذا أفطر:

- ‌ثواب من فطَّر صائماً:

- ‌الصائم إذا أفطر ناسياً:

- ‌حكم السُّحور:

- ‌وقت السُّحور:

- ‌الفصل الثالث: الصيام في السَّفر

- ‌حكمُ الصيام في السَّفر:

- ‌قدرُ مسيرةِ ما يفطر فيه:

- ‌الفصل الرابع: قضاء الصوم

- ‌ولاً: قضاءُ الصوم عن النفس:

- ‌قضاءُ الصوم المفروض:

- ‌ قضاء الصوم على المريض وعلى المسافر:

- ‌ قضاء الصوم على المرأة الحائض وعلى النُّفَساء:

- ‌ قضاء الصوم على المتقيء عمداً:

- ‌ قضاءُ الصوم على من أفطر قبل الغروب

- ‌ على المجنون وعلى المغمى عليه يصحوان في نهار رمضان

- ‌ على الحامل وعلى المرضع إن أفطرتا:

- ‌ على الصبي وعلى الكافر إذا وقع عليهما التكليف

- ‌ قضاءُ صوم التطوُّع:

- ‌ثانياً: قضاء الصوم عن الميت:

- ‌كيف ومتى يُقضى الصوم

- ‌الفصل الخامس: صيام التطوع

- ‌صوم المرأة بإذن زوجها:

- ‌الصائم المتطوع إذا دُعي:

- ‌الصوم في الشتاء:

- ‌الصومُ في الجهاد:

- ‌يصحُّ قطعُ صيام التطوع:

- ‌الصيامُ في أيام الأسبوع:

- ‌ أنواعُ صيام التطوع:

- ‌صيامُ ما تيسَّر من كل شهر:

- ‌صيامُ ثلاثة أيام من الشهر:

- ‌صيامُ الاثنين والخميس:

- ‌صيامُ ستة أيام من شوال:

- ‌الصيامُ في الأشهر الحُرُم:

- ‌الصومُ في شهر الله المحرَّم:

- ‌ صيامُ تسعٍ من ذي الحجة:

- ‌ الصيامُ في رجب:

- ‌صيامُ يوم عرفة:

- ‌صومُ عاشوراء:

- ‌صومُ شعبان:

- ‌الفصل السادس: الصيام المحرَّم الذي لا يجوز

- ‌صومُ الدهر:

- ‌صومُ يومي الفطر والأضحى:

- ‌صومُ أيام التشريق:

- ‌صومُ الوِصال:

- ‌الفصل السابع: الكفَّارات

- ‌ الكفَّاراتُ بالصيام

- ‌ صيامُ مَن جامع زوجته في نهار رمضان:

- ‌ صيامُ الحانث في يمينه:

- ‌ صيامُ الحانث في نذره:

- ‌ الكفَّاراتُ بالفِدْية

- ‌ الشخصُ يموت وعليه صيام:

- ‌ مقدارُ الفدية:

- ‌الفصل الثامن: ما يفطِّر الصائم

- ‌ السُّعوطُ:

- ‌ الجائفة والآمَّة

- ‌ إبرةُ الطبيب لا تفطِّر

- ‌الفصل التاسع: ما لا يفطِّر الصائم

- ‌الحِجامةُ:

- ‌السِّواك:

- ‌الفصل العاشر: قيام رمضان وليلة القدر

- ‌أوصافُ ليلة القدر:

- ‌ليلةُ القدر متى هي

- ‌الفصل الحادي عشر: الاعتكاف

- ‌حكمُ الاعتكاف:

- ‌أين يكونُ الاعتكاف

- ‌متى يكونُ الاعتكاف

- ‌متى يبدأُ الاعتكاف

- ‌مدةُ الاعتكاف:

- ‌هل الصيامُ شرطٌ في صحة الاعتكاف

- ‌ما يفعلُه المعتكِف وما لا يفعلُه:

- ‌الاجتهادُ في العشر الأواخر من رمضان:

- ‌الفصل الثاني عشر: زكاة الفطر

- ‌حكمُ زكاةِ الفطر:

- ‌وقتُ وجوبها:

- ‌وقتُ إخراجها:

- ‌على من تجب زكاة الفطر:

- ‌الأصنافُ التي تُجزئُ في زكاة الفطر:

- ‌مقدارُ زكاة الفطر:

- ‌مقدارُ الصاع النبوي:

- ‌إلى من تُدفعُ زكاة الفطر:

- ‌فهرست الكتاب

- ‌مصادرُ النصوص الواردة في الكتاب

الفصل: … أما ما رُوي عن عبد الله بن أبي موسى –

أما ما رُوي عن عبد الله بن أبي موسى – وقيل عن عبد الله بن أبي قيس على الأصح – قال {

وسألتها – أي عائشة رضي الله عنها – عن اليوم الذي يُختلَفُ فيه من رمضان؟ فقالت: لأَن أصوم يوماً من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يوماً من رمضان قال: فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة، فكلُّ واحد منهما قال: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بذاك منا} رواه أحمد (25458) وسعيد بن منصور والبيهقي. فهو اجتهاد منها رضي الله عنها في مقابلة النصوص فلا يُؤخذ، ولا يصمد أمام أحاديثنا الزاجرة عن صوم آخر شعبان وإلحاقه برمضان.

وقد ذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم صوم يوم الشك على أنه من رمضان، وإلى جوازه عما سوى ذلك. وهو الصحيح، وهو ما تدل عليه النصوص. وذهب جمهور العلماء والشافعي إلى المنع من صومه. وقال ابن عبد البَر: وممن رُوِي عنهم كراهةُ صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمَّار بن ياسر وعبد الله ابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

وقد رأينا أن عمَّار بن ياسر قد ذكر في الحديث الخامس ما يدل على التحريم، وليس على الكراهة فحسب. وأقول هنا إن عبارة [كره فلان] إذا وردت على ألسنة بعض الفقهاء فإنهم يعنون بها التحريم، وليس الكراهة بمعناها الاصطلاحي الدارج، فلينتبه القراء لهذه الملاحظة، وكمثال على ذلك أن الترمذي بعد أن روى حديث عمَّار (فقد عصى أبا القاسم) قال [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين. وبه يقول سفيان الثوري ومالك ابن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه

] فقال كرهوا، وهو يعني كراهة تحريم.

‌صومُ الدهر:

ص: 187

ونعني بصوم الدهر صيامَ جميعِ أيام السنة باستثناء الأيام الخمسة التي يحرم فيها الصوم، وهي يوما الفطر والأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، وستأتي لاحقاً.

وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز صوم الدهر لمن قوي عليه ولم يفوِّت فيه حقاً، فإن تضرَّر أو فوَّت حقاً فمكروه. وقد ذكر النووي في المجموع أسماء بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صاموا الدهر، منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة الأنصاري وأبو أُمامة وامرأته وعائشة، وسعيد بن المسيِّب والأسود بن يزيد وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وقال أحمد: رجوت أن لا يكون بذلك بأس. ورُوي نحوه عن مالك. ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصوم، أي صوم الدهر، لا كراهةَ فيه بل هو مستحبٌّ، بشرط أن لا يلحقه به ضررٌ ولا يفوِّت حقاً. وذهب أهل الظاهر وابن العربي من المالكية وإسحق بن راهُويه وأحمد في الرواية الثانية إلى كراهة صوم الدهر. وانفرد ابن حزم بالقول بالتحريم. وحتى نقف على الحكم الصحيح لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بهذه المسألة:

1-

عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم {إنك لتصومُ الدهرَ وتقومُ الليلَ؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له العينُ ونَفِهَت له النفس لا صام من صام الدهر} رواه البخاري (1979) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن أبي شيبة والبيهقي. وهجمت له العين: أي غارت ودخلت في مكانها من الضعف. ونفهت له النفس: أي أعيت وسئمت قاله ابن الأثير وفي لفظ ثان للبخاري (1977) {

لا صام من صام الأبد، مرتين} .

ص: 188

2-

وعنه رضي الله تعالى عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر له صومي، فدخل عليَّ، فألقيتُ له وسادة من أَدَم حَشْوُها ليف، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه فقال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثةُ أيام؟ قلت: يا رسول الله، قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال إحدى عشرة؟ قلت: يا رسول الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صوم فوق صوم داود، شطرُ الدهر، صُمْ يوماً وأَفطر يوماً} رواه البخاري (1980) ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. وقد مرَّ الحديث في البند الثاني في بحث [صوم يوم ويومين

] من الفصل [صيام التطوع] وروى البخاري حديثاً آخر (1975) من طريق عبد الله بن عمر، وجاء فيه {

قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه، قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: نصف الدهر، وكان عبد الله يقول بعدما كبر يا ليتني قبلتُ رخصة النبي صلى الله عليه وسلم} وقد مرَّ. وروى مسلم (2729) الحديث بلفظ {

صم يوماً وأفطر يوماً، وذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك

} .

3-

عن عبد الله بن الشِّخَّير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم {من صام الأبد فلا صام ولا أفطر} رواه ابن ماجة (1705) والنَّسائي وأحمد والدارمي وابن حِبَّان وابن خُزيمة والحاكم وابن أبي شيبة، وإسناده صحيح.

4-

عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنمُ هكذا، وقبض كفَّه} رواه أحمد (19951) وابن حِبَّان والنَّسائي وابن خُزيمة. وسنده جيد.

ص: 189

5-

عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلاناً لا يفطر نهاراً الدهرَ إلا ليلاً، فقال صلى الله عليه وسلم: لا صام ولا أفطر} رواه ابن حِبَّان (3582) والنَّسائي وأحمد وابن خُزيمة والحاكم. وصححه الحاكم، ووافقه الذَهبي.

6-

عن أبي عمرو الشيباني قال {بلغ عمرَ أن رجلاً يصوم الدهر فعلاه بالدِّرَّة وجعل يقول: كُلْ يا دهر، كُلْ يا دهر} رواه ابن أبي شيبة (2/492) . ورواه ابن حزم وصححه، كما صحح ابن حجر إِسناده.

7-

عن نافع {أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كان يَسْرُد الصيام قبل أن يموت، قال نافع: وسرد عبد الله بن عمر في آخر زمانه} رواه البيهقي (4/301)

8-

عن زرعة بن ثوب يقول {سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدهر؟ قال: كنا نَعُدُّ أولئك فينا من السابقين

} رواه البيهقي (4/301) . وفيه معاوية بن صالح، وثَّقه ناسٌ وضعَّفه يحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو إسحق الفَزاري. وفيه زُرعة بن ثوب، قال الذهبي في ذيل الضعفاء: مجهول. فيترك هذا الحديث.

الحديث الأول يقول (لا صام من صام الدهر) وفي لفظ ثان (لا صام من صام الأبد) والحديث الثاني يقول (لا صوم فوق صوم داود) وفي لفظ ثان (فصم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تَزِدْ عليه) وفي لفظ ثالث (لا أفضل من ذلك) والحديث الثالث يقول (من صام الأبد فلا صام ولا أفطر) والحديث الرابع يقول (من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم) والحديث الخامس يقول (لا صام ولا أفطر) والأثر 6 يقول (فعلاه بالدِّرَّة، وجعل يقول: كل يا دهر) والأثر 7 يقول (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كان يسرد الصيام

وسرد عبد الله بن عمر

) فعلى ماذا تدل هذه النصوص؟

ص: 190

إن الناظر فيها لا يجد عناء في استنباط حكم تحريم صيام الدهر، فالحديث الأول بلفظه يحتمل الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم على من صام الدهر، كما يحتمل النفي فهو محتمل، فإذا قرنَّاه بالحديث الثالث والحديث الخامس رجَّحنا أنه أي الحديث الأول يفيد النفي، كما أن الثالث والخامس يفيدان النفي أيضاً، ومعنى النفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصف من يصوم الدهر بأنه لم يصم، وهذا يعني أن الصوم هذا غير واقع وغير مقبول، وحيث أنه عبادة والعبادات توقيفية لا دخل للعقل فيها، فإنا نحكم على أية عبادة منفيَّةٍ شرعاً، أي لا وجود لها في الشرع وغير مقبولة، بأنها حرام وتشريعٌ خارجٌ عن شرع الله، فهذه الأحاديث الثلاثة تكفي للدلالة على حرمة صوم الدهر. فإذا أضفنا إليها الحديث الثاني (لا صوم فوق صوم داود) تأكد لدينا بشكل لا يحتمل الخطأ أن صوم الدهر قد نفاه الشرع ولم يُقِرَّه، فإذا أضفنا إلى ما سبق الروايةَ (فصم صيام نبي الله داود ولا تزد عليه) ، فإِنَّا نكون قد أضفنا إلى النفي المكرر النهي عن هذا الصيام، فتعاضد النفي مع النهي، ليشكل كل منهما قرينةً للآخر دالةً على الجزم، فيكون صيام الدهر حراماً بلا شك. وبذلك يتضح لنا معنى الحديث الرابع، وهو أن من صام الدهر، الذي نفاه الشرع ونهى عنه، فإنه يكون قد خرج عن طاعة الله ودخل في معصيته، فليس له عندئذٍ من جزاءٍ إلا جهنم.

إن هذه النصوص لتدلُّ دلالة لا لبس فيها ولا غموض على أن صيام الدهر غير مشروع، وغير مقبول، وغير صحيح، وأنه بالتالي حرام لا يجوز. وما كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضرب الناس ويعاقبهم على فعلٍ لو لم يكن محرَّماً كما جاء في الأثر 6.

ص: 191

أما الأثر 7 القائل إن عمر وابنه كانا يسردان الصوم، فلا يصح أن يُفهم منه صومُ الدهر، وإنما يفسر بالإكثار من الصوم وتتابعه وتواصله، وهو جائز ولا حُرْمَةَ فيه، وتتابع الصوم وتواصله لا يعني صوم أيام السنة كلها، وإنَّ من لغة العرب استعمالَ تعابير ظاهرُها الديمومة، لتدلَّ على الأعمِّ الأغلب فقط، وهذا موجود بكثرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهو من الكثرة والشيوع بحيث لا يحتاج إلى سوق الأمثلة عليه

ومع كل هذه النصوص التي لا ناسخ لها ولا معارِض يذهب جمهور العلماء إلى القول بجواز صوم الدهر، مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال {يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت} رواه مسلم (2626) والبخاري. وقد مرَّ هذا الحديث في بحث [حكم الصيام في السفر] في الفصل [الصيام في السفر] وبالآثار عن الصحابة أنهم كانوا يسردون الصوم، وقد رواها البيهقي في الجزء الرابع في الصفحة (301) والخطأ الذي وقعوا فيه أنهم فسَّروا سرد الصوم بصوم الدهر ولم يفسِّروه بالمواصلة والتتابع، ولو كانوا فسَّروه بالمواصلة والتتابع لما وقعوا في هذا الخطأ.

أما آثار الصحابة فهي ليست أدلة أصلاً حتى تعارِض، أو تخصِّص الأحاديث النبوية الدالة على التحريم، وحتى لو فسَّرناها بصوم الدهر فإنها تُرَدُّ ولا يُلتَفتُ إليها، وهي لا تعدو كونها اجتهاداتِ صحابةٍ نحن غير ملزمين بها، لا سيما إن تعارضت مع النصوص من الكتاب والسنة.

ص: 192

وأما حديث عائشة عن حمزة بن عمرو فليس دالاً أيضاً على ما ذهبوا إليه، بل هو دالٌّ على عكس ما ذهبوا إليه، فحمزة يقول: إني رجل أسرد الصوم، فيجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم: صم إن شئت وأفطر إن شئت. وهذا السياق بقليل من إنعام نظر يدل على أن السرد هنا لم يكن صوم الدهر، إذ لو كان حمزة يصوم الدهر كله لما سأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم هذا السؤال (أفأصوم في السفر؟) لأنه في هذه الحالة ليس بحاجة إلى هذا السؤال، ثم لو أنَّ حمزةَ كان يصوم الدهر وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك وأقرَّه عليه لما أجابه بقوله (صم إن شئت وأفطر إن شئت) وإنما كان يجيبه بقوله مثلاً: لا بد لك من الصوم في السفر، أو أن السفر لا يقطع صيامك، أو أن السفر لا ينافي صوم الدهر، أمَّا وأنه قال له: صم إن شئت وأفطر إن شئت، فإنه يدل على أن السؤال لم يكن عن صوم الدهر، وإنما هو عن الإكثار من الصوم وتتابعه لا أكثر.

ص: 193

ومما يدلُّ دلالةً مؤكدةً على أن سرد الصيام لا يعني صوم الدهر، وإنما يعني الإِكثارَ من الصيام وتتابعَه فحسب، هو ما جاء في الحديث المروي من طريق أُسامة بن زيد رضي الله عنه عند أحمد (22096) بلفظ {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسردُ، حتى يُقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم

} المار في الفصل [صيام التطوع] في بحث [صوم شعبان] فقد جاء فيه (يسردُ حتى يُقال لا يفطر، ويفطر الأيام

) فقد جمع هذا اللفظ بين السردَ والإِفطار، ولو كان السرد يعني الصوم الدائمَ لما جاز هذا الجمعُ. وبارك الله في الترمذي، فقد أدرك أن سرد الصوم يعني التتابع ولا يعني صوم الدهر، ولذا وجدناه عقد باباً سماه [باب ما جاء في سرد الصوم] وأورد تحته الحديث التالي: عن عبد الله بن شقيق قال {سألت عائشة عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً إلا رمضان} كما أورد بعده حديثين ليس فيهما ذكرٌ لصوم الدهر، مما يدل على أنه فهم من سرد الصوم الإكثارَ منه فحسب. وحيث أن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً، فإن أحاديثنا السابقة كلها تصلح لتفسير حديث حمزة بأنه يدل على التتابع، لكون صوم الدهر فيها منهيَّاً عنه.

ص: 194

أما قول جمهور العلماء والشافعي إن صوم الدهر جائز أو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوِّت حقاً فالرد عليه هو أن هذا الشرط لا يُتصوَّر تحقُّقه، فالضرر وتفويت الحقوق أمران حاصلان في صوم الدهر ولا بدَّ، فالحديث الأول يقول (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفِهت له النفس) فقد قرَّر هذا الحديث حصول ضرر من صيام الدهر اللهم إلا أن يقول الجمهور والشافعي وأصحابه إن هجوم العين ونفوه النفس ليسا ضرراً؟! فإذا أضفنا إلى ما نقول الحديثَ التالي الذي يقرِّر أن صيام ثلثي الدهر لا يطيقه أحد، ولا يستطيعه إنسان فضلاً عن صيام الدهر كله، أدركنا الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء، فعن أبي قَتَادة رضي الله تعالى عنه {أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه؟ فغضب، فقال عمر: رضيتُ – أو قال – رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً (قال: ولا أعلمه إلا قد قال) وبمحمد رسولاً وببيعتنا بيعة، قال: فقام عمر أو رجل آخر فقال: يا رسول الله رجل صام الأبد؟ قال: لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر، قال: صوم يومين وإفطار يوم؟ قال: ومن يطيق ذلك؟

} رواه أحمد (22904) . ورواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة والبيهقي باختلاف في الألفاظ. فقوله عن صوم يومين وإفطار يوم، أي عن صوم ثلثي الدهر (ومن يطيق ذلك؟) كسؤالٍ استنكاريٍّ، يدل دلالة لا تُدحَض على أن صوم الدهر لا يطيقه أحد.

ص: 195

بل إنَّ عندنا ما هو أبلغ في الحجة وأوضح في الدلالة على أنَّ صوم الدهر غير مستطاع هو الحديث التالي الذي مرَّ في بحث [صيام يوم بعد يوم] من الفصل [صيام التطوع] عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال {أُخبِر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك

} رواه البخاري (1976) ومسلم وغيرهما. ثم بعد كلِّ ذلك يأتي مَن يقول بجواز صيام الدهر إن كان لا يُلحِقُ ضرراً بصاحبه!!

ويحضرني في هذا المقام الحديث الذي رواه الإمام البخاري (5063) ومسلم والنَّسائي والدارمي وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول {جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فقال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني} قوله كأنهم تقالُّوها: أي رأَوْها قليلة. أليس في هذا الحديث ما يمنع من القول بجواز صوم الدهر فضلاً عن القول باستحبابه؟! أما سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يقوم الدهر ولمن يصوم الدهر ولمن يترك الزواجَ الدهرَ (من رغب عن سنتي فليس مني؟) .

وأما القائلون بالكراهة فإنهم أقل خطأ، إلا أن يعنوا بها كراهةَ تحريمٍ لا كراهة تنزيه. فالحق الذي لا مراء فيه هو أن صوم الدهر حرام لا يجوز، وهو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله.

ص: 196