الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنه لمن المعلوم أن الشرع الحنيف شرع اليُسْر والتيسير على العباد رحمةً بهم، وفضلاً من الله سبحانه، فيُستحب للمسلم أن يعمد إلى الأسهل والأيسر من الأمور إلا أن يكون إثمٌ فيتوقف عنده، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت {ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه
…
} رواه البخاري (3560) ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك وأحمد
…
وعليه فإن المسلم إذا أراد أن يتطوَّع فلْيختر الأيام الباردة والأيام القصيرة، أي فليختر الصوم في فصل الشتاء، ولا يُجشِّم نفسه المشقة باختيار الأيام الحارة والأيام الطويلة في فصل الصيف، تحت ذريعة أن الأجر على قدر المشقة كما يفعل المتنطِّعون المتعمِّقون في مسائل الدين. فعن عامر بن مسعود الجُمَحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة} رواه أحمد (19167) والترمذي والطبراني وابن خُزيمة. قال الترمذي [هذا حديث مرسل] وقد اختُلِف في عامر بن مسعود هل هو صحابي أم تابعي، فالبخاري والترمذي وابن معين اعتبراه تابعياً، وابن منده وابن عبد البر وابن حِبَّان أوردوه في أسماء الصحابة فهو مختلَفٌ فيه، وما اختلف فيه المُحدِّثون يصحُّ الاستدلال به.
الصومُ في الجهاد:
إن الجهاد ذِروةُ سنام الإسلام، وإن ثوابه عظيم وخيره عميم، فإذا ضُمَّ إليه الصيام مع ما فيه من مشقة، فإن الثواب يصبح من الوفرة بحيث أن الله سبحانه يبعِّد صاحبه عن النار سبعين سنة، وإن من الجهاد الرباطَ في سبيل الله فالصوم فيه كالصوم في الجهاد. وقد وردت في فضل الصيام في الجهاد الأحاديث التالية:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول {من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفاً} رواه البخاري (2840) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد. وروى ابن ماجة (1718) والنَّسائي والترمذي وأحمد الحديث أيضاً من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ورواه ابن أبي شيبة (4/572) من طريق أنس رضي الله تعالى عنه. ورواه النَّسائي أيضاً (2252) من طريق عقبة بن عامر رضي الله عنه.
2-
عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {مَن صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض} رواه الطبراني في المعجم الصغير (449) والمعجم الأوسط، بإسنادٍ حسَّنه الهيثمي والمنذري، ورواه الترمذي (1674) من طريق أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه وقال [هذا حديث غريب] .
وأُلفت النظر هنا إلى أن الحديث إن قيل عنه إنه غريب فلا يعني أنه ضعيف كما قد يتوهَّم البعض، فالغريب اسم مشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فقد يقال صحيح غريب، وقد يقال حسن غريب، وقد يقال ضعيف غريب. والغريب هو الحديث الذي انفرد بروايته راوٍ واحد في سنده، وهذا الراوي إن كان عدلاً ضابطاً ثقة فالحديث صحيح، وإن كان الراوي صدوقاً لا بأس به فالحديث حسن مثلاً، أما إن كان الراوي مجروح العدالة ومتَّهماً فالحديث ضعيف أو متروك، وهكذا.