الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
…
وأقول هنا ما يلي: إِ نَّ كلَّ ما سبق ينبغي أن لا يُفهَم منه أنَّ الاعتكاف لا يصح أن يبدأ إلا عقب صلاة الفجر أو قبيل الغروب، وإنما الاعتكاف كما يصحُّ أن يُبدأ به عقب صلاة الفجر أو قُبَيل غروب الشمس، فإنه يصح أن يُبدأ به في أي وقت من ليلٍ أو نهارٍ. أما ما سبق وناقشناه من أدلةٍ، فإنما ذلك من أجل الردِّ على أقوال الأئمة والفقهاء واستدلالاتهم لا غير، وإنَّ الوصول في المناقشةِ إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتكف عقب صلاة الفجر لا يدلُّ على أنَّ ذلك مُلزِمٌ أو أنه شرطٌ، إذ لا دليل ولا قرينة على أنَّ ذلك قد جاء على سبيل الإلزام والوجوب.
مدةُ الاعتكاف:
لقد اتفق الأئمةُ والفقهاء على أنه لا حدَّ لأكثر الاعتكاف، وإنما اختلفوا في أقلِّه: فذهبت الحنفية إلى أن أقلَّه يوم. وقالت المالكية: يوم وليلة. وقال الشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه: أقل ما يطلق عليه اسم لَبْث، ولا يُشترط القعود. وهذا الرأي الأخير هو الصحيح، وما سواه فتحكُّمٌ وتحديدٌ لا دليل من الشرع عليه، إِذْ لا يوجد أَيُّ نصٍّ يحدد مدةً للاعتكاف، لا كثرةً ولا قلةً، فيبقى الأمر على إِطلاقه دون أي تقييد.
…
أما ما جاء في الأحاديث من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعتكف عشراً من رمضان أو من شوال أو اعتكف عشرين، فهي لا تعدو كونها وقائع عين لا مفهوم لها ولا توجِبُ التزاماً، ولا تصلح للتقييد.
وقد روى البخاري (2032) وأبو داود والنَّسائي والدارَقُطني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما {أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك} ووقع عند البخاري في رواية ثانية من طريقه (2042) لفظ {
…
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوف نذرَكَ، فاعتكف ليلةً} وهذا دليل صحيح يرد قول الحنفية بأنَّ أقل الاعتكاف يوم، فاليوم هو نهار وليل. ويرد قول المالكية بأنه يوم وليلة. ومع ذلك فإِنَّا نقول إِن هذا النص لا يفيد تحديدَ الأقل بليلة، وإنما جاء هو الآخر واقعة عين فحسب. وقد روى ابن أبي شيبة (4/501) عن الصحابي يعلى بن أمية رضي الله عنه أنه كان يقول لصاحبه {انطلقْ بنا إلى المسجد، فنعتكف فيه ساعةً} وروى عبد الرزاق (8006) وابن حزم عنه قوله {إني لأمكث في المسجد ساعة، وما أمكث إلا لأعتكف} وهو أثرٌ يُستَأنَسُ به.
وعليه فإني أقول: إن الاعتكاف غير محدِّدٍ بمدة، فيصحُّ الاعتكاف شهراً ويصحُّ شهرين، كما يصح الاعتكاف ساعة ويصحُّ ساعتين، وما دام ذلك كذلك فإنه يصح البدء في الصباح، كما يصحُّ وقت الظهيرة أو عقب صلاة العصر، أو بعد صلاة العشاء أو عقب صلاة الفجر دون حرج، ودون أي مانعٍ شرعي، ولا حاجة للتَّمسُّكِ بقول ذلك الفريق من أن بدء الاعتكاف يجب أن يكون قبل غروب الشمس فحسب، أو بقول الفريق الآخر من أنَّ البدء يجب أن يكون عقب صلاةِ الصبح. فالاعتكاف كما عرَّفناه في البدء [الَّلبثُ في المسجد مدَّةً على صفةٍ مخصوصة مع نية التقرب إلى الله سبحانه] هو تعريف واضح فيه أنه أطلق المدة فلم يقيدها بأي قيد.