الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما إفطار المنفرد برؤية هلال شوال فلا يجوز، وهو ما ذلك إليه أبو حنيفة ومالك وأحمد، لأن الإفطار يعني بدء شوال، وبدء شوال يعني يوم عيد الفطر، وهذا التحديد هو من عمل دولة الخلافةِ، وليس من حق الأفراد، وذلك أن كل شعيرة من شعائر الدين تتعلق بالجماعة كجماعة يجب على الخلافة وحدها أن تأمر بها وتنظِّمها، وتحدِّد وقتها، ولا حق لفرد ولا لمجموعة أفراد أن يتولَّوْا ذلك بأنفسهم، وإلا اضطرب أمر الجماعة، وهو حرام لا يجوز. فالفرد لا يحق له أن يعيِّد إلا في العيد الذي تعلنه دولة الخلافة، ومن ثم لا يحق له منفرداً أن يعلن الإفطار، ولا أن يحدِّد متى يوم العيد، فوجب عليه الإمساك عن الإفطار والاستمرار بالصوم مع جماعة المسلمين. وقد جاء في الحديث المار قبل قليل والذي رواه ربعي (فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله، وأنهما أهلَاّه بالأمس، فأمرهم فأفطروا) كما جاء في الحديث المار قبل قليل، والذي رواه أبو عمير بن أنس (فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا) ومثلهما حديث أنس الذي تلاهما. فالأعرابيان رغم أنهما رأيا هلال شوال – أي هلال العيد – بالأمس، إلا أنهما صاما ذلك اليوم حتى أتاهما أمرُ الرسول صلى الله عليه وسلم بالإفطار، والركبُ في الحديث الثاني بقُوا صائمين، رغم أنهم رأوا هلال شوال – أي هلال العيد – إلى آخر النهار حتى أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالإفطار، وقل مثل ذلك بخصوص حديث أنس، وهذا يدل على أن إعلان وقت الإفطار هو من عمل الدولة وأنه لا يحق لأحد أن يفطر قبل ذلك الإعلان. وعلى هذا فإن رأي الأئمة الثلاثة هو الصواب، ورأي الإمام الشافعي خطأ. والنتيجة هي أن المنفرد يصوم بشهادة نفسه ولكنه لا يفطر إلا بأمر الدولة فحسب.
هل يصح العمل بالحساب الفلكي
؟
ذهب الجمهور إلى عدم جواز الأخذ بالحساب الفلكي، قائلين: إن الناس لو كُلِّفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم. ونُقل عن ابن سُرَيج القول بجواز العمل بالحساب لمن خصَّه الله بهذا العلم، معلِّلاً ذلك بأن قول الحديث (فاقدروا له) هو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقول الحديث (فأكملوا العدة) هو خطاب للعامة. وقد نُسِبَ هذا القول أيضاً إلى مطرف بن عبد الله وابن قتيبة.
…
وبالنظر في النصوص نجد أن كلمة (فاقدروا له) وردت في الحديث على غير المعنى الذي ادَّعاه ابن سُرَيج، فعن ابن عمر رضي الله عنهما {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له} رواه البخاري (1906) ومسلم والدارمي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فالحديث كله جاء خطاباً للأمة الإسلامية كلها لأن الصيام هو للجميع والرؤية هي للجميع والإفطار هو للجميع، وجاءت كلمة فاقدروا له للجميع أيضاً، وليس لمن خصَّه الله بهذا العلم، وهذا واضح وضوح المس، فتخصيص هذه الكلمة بمن خصه الله بهذا العلم هو خطأٌ محضٌ.
ثم إن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً، وقد جاءت أحاديث تفسر هذه الكلمة بغير ما فسَّرها به ابن سُريج، منها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم – أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم – {صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكْمِلوا عدة شعبان ثلاثين} رواه البخاري (1909) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ووقع عند مسلم أيضاً (2514) لفظ {إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطروا فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً} فتفسير كلمة (اقدروا له) جاء في الحديث هكذا (أكملوا عدة شعبان ثلاثين)(صوموا ثلاثين يوماً) وهذا التفسير يقطع بخطأ تفسير ابن سُرَيْج، لأن إكمال عدة شعبان ثلاثين لا يحتاج لعلم الحساب والفلك حتى تُحصَر الكلمة بأربابه، وإنما هو خطاب لعموم المسلمين كما لا يخفى.
بل إن ما هو أقطعُ في الحجة وأَبينُ في الاستدلال هو ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (1906) من طريق ابن عمر المار قبل عدة أسطر بلفظ {لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه
…
} فهو لم يكتف بالأمر بالصوم عند الرؤية وإنما جاء النهي هنا عن الصيام دون الرؤية، والصيام بالحساب الفلكي لا شك في أنه صيام دون رؤية.
…
إلا هذا كله لا يعني أن الاستفادة من الحساب الفلكي غير جائزة، ولا يُحتاج إليها، وإنما أردنا أن نبين فقط أن هذا الحساب ليس هو صاحب القرار في تعيين بدء الصوم أو بدء الإفطار، وإنما الرؤية العينية في الصيام وفي الإفطار هي ما أوجبها الشرع ولم يوجِب غيرها، فوجب القول بها وبها وحدها.
…
أما وجه الإفادة من الحساب الفلكي، فأَن يأتي علماء الفلك، ويرشدونا إلى الساعات والدقائق المناسبة للخروج لرؤية الأهلَّة ومواقع الأهلة عند رصدها فهذا يسهِّل على النظارة والمشاهدين عملهم، ولا بأس أيضاً بالاستعانة بأدوات هؤلاء العلماء في الرصد والمشاهدة، أي الاستعانة بالعدسات المكبِّرة والمقرِّبة عند الرصد، فمثل هذه المساعدات جائزة ولا شيء فيها، وهي تقدِّم عوناً للمشاهدين والنظارة.
ومن جانب آخر فإن قوله (فاقدروا له) قد فسَّرته الأحاديث تفسيراً كان ينبغي أن يقطع على الناس تفسيرهم له بغير ما ورد، وقد أخذت الحنفية والمالكية والشافعية بهذا التفسير، وكذلك جمهور السلف والخلف، وأن معناه هو تمام العدد ثلاثين يوماً أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يوماً، وهذا كله هو خطاب لعامة المسلمين. ومع هذا الوضوح في التفسير فقد ذهب آخرون إلى أن معناه: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب. والقول بهذا التفسير يوجب الصيام من الغد، ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤيةً من غيم وغيره، وهذا مرويٌّ عن ابن عمر رضي الله عنه، وبه يقول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وطاووس. والذي أوقع هؤلاء في الخطأ هو عدم النظر في كلِّ النصوص والاقتصار في النظر على روايتهم فقط:(فاقدروا له) ، ولو أنهم استحضروا جميع النصوص في هذه المسألة لربما رجعوا عن رأيهم هذا.