الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه وسلم أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي} .
…
ومع هذه النصوص البالغة الوضوح في وصف صيام داود بأنه أفضل الصيام، وأنه أحب الصيام إلى الله، وأنه لا أفضل منه، وأنه لا صومَ فوقه، ومع الأمر النبوي الكريم بعدم الزيادة عليه، يذهب أبو حامد الغزالي وغيره إلى القول إن صوم الدهر – أي صوم كل الأيام – أفضل من صيام داود، لأنه على حدِّ ادعائه أكثرُ عملاً فيكون أكثرَ أجراً. وهذا القول ساقط، وإلا لقلنا إن الطواف في الحج حول الكعبة عشرة أشواطٍ أو عشرين شوطاً أفضل من الطواف سبعة أشواطٍ، ولقلنا إنَّ المبيت بمنى أكثر من ثلاثة أيام أفضل، ولقلنا إنَّ السعي بين الصفا والمروة عشرين شوطاً أفضل، وهكذا نفتح على أنفسنا باباً من أبواب الشيطان، فنغرق في اللَّجاج والغُلو، ونبتعد كليةً عن الهَدْي النبوي الكريم، بل ونبتعد كليةً عما شرعه الله سبحانه من عبادات وأحكام. وفي المقابل قال ابن حزم [وإذا أخبَر عليه السلام أنه لا أفضل من ذلك فقد صح أن من صام أكثر من ذلك فقد انحطَّ فضلُه، وإذا انحطَّ فضلُه فقد حبطت تلك الزيادة بلا شك، وصار عملاً لا أجر له فيه، بل هو ناقص من أجره، فصح أنه لا يحلُّ أصلاً] .
صيامُ ثلاثة أيام من الشهر:
إن مما شُرِع للناس من صيام التطوع صيامَ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر، وقد جاءت النصوص بذِكْرِها والحثِّ عليها وأنَّ مَن صامها فكأنما صام الدهر كله، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فصيام ثلاثة أيام من الشهر يعدل صيام ثلاثين يوماً، أي الشهر كله، فمن داوم عليها كل شهر فكأنه صام الأشهرَ كلَّها والسنة كلها، وهي صيام الدهر. وإن من فضل صيام هذه الأيام الثلاثة، إضافةً إلى الحسنات والثواب في الآخرة أنها تغسل الصدور والقلوب من أدرانها وأمراضها، من مثل الوساوس والضغائن والأحقاد والعداوات وما إلى ذلك، فليحرص المسلم على صيامها ليجني خيرها في الدنيا قبل خيرها في الآخرة. وهذه طائفة من النصوص تذكر كل ذلك:
1-
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال {أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حتى أموت: صومُ ثلاثة أيام من كل شهر وصلاةُ الضحى ونومٌ على وتر} رواه البخاري (1178) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي.
2-
وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {شهرُ الصبر وثلاثةُ أيام من كل شهر صومُ الدهر} رواه النَّسائي (2408) وأحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. قوله شهر الصبر: هو شهر رمضان.
3-
عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم {
…
وإنَّ بِحَسْبِك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإنَّ لك بكل حسنة عشرَ أمثالها، فإِذنْ ذلك صيامُ الدهر كلِّه
…
} رواه البخاري (1975) ورواه الطحاوي وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ.
4-
وعنه رضي الله عنه قال {أُخْبِر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر
…
} رواه البخاري (1976) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وقد مرَّ في البند الثاني من البحث السابق [صيام يوم بعد يوم] .
5-
عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {صيامٌ حسنٌ ثلاثةُ أيامٍ من الشهر} رواه النَّسائي (2411) وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة وابن أبي شَيْبة.
6-
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من صام ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صومُ الدهر فأنزل الله عز وجل تصديقَ ذلك في كتابه: من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها، فاليوم بعشرة أيام} رواه ابن ماجة (1708) . ورواه الترمذي وحسَّنه هو والسيوطي. ورواه أحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي باختلاف في الألفاظ.
7-
عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه – قُرة بن إِياس – عن النبي صلى الله عليه وسلم {قال في صيام ثلاثة أيام من الشهر: صوم الدهر وإِفطاره} رواه أحمد (16357) والبزَّار والطبراني في كتاب المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجال أحمد رجال الصحيح] ومعنى قوله (صوم الدهر وإِفطاره) أن المسلم رغم أنه يفطر الأيام كلها إلا ثلاثةً من كل شهر فقط، فإنه يُكتب له صيامُ أيامِ الدهر كلِّها.
8-
عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخَّير عن الأعرابي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر} . رواه أحمد (23458) وابن حِبَّان والبيهقي والطبراني في المعجم الكبير. ورواه البزَّار (1057) بلفظه من طريق ابن عباس رضي الله عنه. ورواه النَّسائي (2385) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ {
…
ألا أُخبركم بما يُذْهِبُ وَحَرَ الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر} وجهالة الصحابي لا تضر لأنهم جميعاً عدول قوله: وَحَرَ الصدر: يعني غِشَّه ووساوسَه وحقدَه وما إلى ذلك.
تدل هذه الأحاديث على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو ما اتفق عليه الفقهاء كلهم، ولكنهم اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة، فذهب أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحق بن راهُويه وابن حبيب من المالكية إلى أنها أيامُ ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو ذر، وكثيرٌ من التابعين. وذهب مالك إلى كراهة تعيينها، وأن السُّنَّة هي صوم ثلاثة أيام غير معيَّنة. وذهب الحسن البصري إلى استحباب الثلاثة من أول الشهر. وذهب إبراهيم النخعي إلى استحبابها من آخر الشهر. وذهب ابن شعبان من المالكية إلى استحباب أول يوم من الشهر، واليوم الحادي عشر، واليوم العشرين. وذهب قوم إلى استحبابها في يومي الاثنين والخميس. قال ذلك العراقي.
والحق الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن أفضل ما تصام هذه الأيام الثلاثة إنما يكون في إحدى حالتين: فإِما أن تُصام في الأيام البيضِ الغُرِّ، وهي الأيام ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وإِما أن تصام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس. وقد وردت النصوص بهاتين الحالتين، فيستحب تَحرِّي صيامِ هذه الأيام الثلاثة فيهما، دون تفضيلٍ لإِحداهما على الأخرى.
ولقد أخطأ من حصر الاستحباب في واحدة منهما، كما أخطأ خطأً أكبرَ من كره تعيينها ومن قال بغير هاتين الحالتين. ولم أجد فيما قرأت فقيهاً قال باستحباب الحالتين على صعيد واحد. وأذكر الآن النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البيضِ الغُرِّ، ثم أذكر بعدها النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
أولاً: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البِيضِ الغُرِّ:
- عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {صيامُ ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر، وأيام البِيض صبيحة ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ} رواه النَّسائي (2420) بإسناد صحيح. ورواه الطبراني في المعجم الصغير والبيهقي في الشُّعَب وأبو يعلى.
- عن ملحان القيسي رضي الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البِيضَ: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ، قال: وقال: هنَّ كهيئة الدهر} رواه أبو داود (2449) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي.
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال {أَمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثةَ أيام البِيض: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ} رواه النَّسائي (2423) والترمذي وحسَّنه. ورواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي وأبو داود الطيالسي.
- عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال {جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرنبٍ قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يمنعك أن تأكل؟ قال: إني صائم ثلاثة أيام من الشهر، قال: إن كنت صائماً فصم الغُرَّ} رواه النَّسائي (2421) وابن حِبَّان وأحمد بسند صحيح. ووقع عند النَّسائي (2428) من طريق موسى بن طلحة بلفظ {
…
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مالك؟ قال: إني صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا ثلاثَ البِيض ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرةَ، وخمسَ عشْرةَ} وهو تفسير لقوله في الرواية السابقة (فصم الغُرَّ) بل قد أورد النَّسائي عدة روايات مماثلة للرواية هذه.
ثانياً: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
1-
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يوم الاثنين من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه} رواه النَّسائي (2414) بسند جيد. ورواه أحمد (5643) بلفظ {كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس من أول الشهر، والاثنين الذي يليه، والاثنين الذي يليه} .
2-
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين} رواه النَّسائي (2419) وأحمد.
3-
وعنها رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة} رواه النَّسائي (2365) . قوله الجمعة: يعني الأسبوع هنا فالجمعة تطلق أحياناً ويراد بها الأسبوع
4-
عن هُنَيْدَةَ الخُزاعي عن أُمِّه قالت {دخلتُ على أم سلمة فسألتُها عن الصيام؟ فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس} رواه أبو داود (2452) والبيهقي. ورواه الإمام أحمد (27013) بلفظ {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والجمعة والخميس} .
5-
عن حفصة رضي الله عنها، زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى} رواه أحمد (2699) وأبو داود والبيهقي.
فمن اختار أن يصوم الأيام الثلاثة في وسط الشهر: ثلاثَ عشْرة وأربعَ عشْرة وخمسَ عشْرة، فقد أحسن، ومن اختار أن يصومها في يومي الاثنين والخميس فقد أحسن أيضاً. وهذه النصوص والتي قبلها ردٌّ على مالك القائل بكراهة تعيينها، ولا أرى له من شبهة دليل إلا ما رواه مسلم (2744) وابن ماجة والترمذي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي عن معاذة العدوية أنها سألت عائشةَ رضي الله عنها، زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم {أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم} .