الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
…
وعليه فإنَّا نقول إن الفريق الأول قد أصابوا فيما ذهبوا إليه من تحريم الصوم في أيام التشريق إلا للحاج المتمتِّع الذي لا يجد الهَدْيَ. وأضيف إلى قولهم [وقد فاته الصيام] وهي إضافة لا بد منها. أما أصحاب الشافعي فإنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه لو كانوا قد حصروا السبب في فوات صيام الأيام الثلاثة قبل أيام التشريق، ومخطئون فيما ذهبوا إليه من تعدُّد الأسباب كالنذر والكفَّارة والقضاء، لأن النصوص لا تدلُّ إلا على سبب واحد، وهو فوات الصيام قبل أيام منى فحسب، وليس النذر ولا الكفَّارة ولا القضاء مما رخَّص فيه الشرع هنا، والأصل في المسلم التقيد بالنصوص ولا سيما في العبادات.
صومُ الوِصال:
…
الوِصال هو مواصلة الصوم يوماً وليلة أو أكثر دون إفطار. وقد ذهب أحمد وإسحق، ومن الشافعية محمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حجر، وجماعة من المالكية إلى جواز الوِصال إلى السَّحر، أي صيام نهارٍ وليلٍ بعده إلى آخره. وحكى محمد بن المنذر كراهة الوصال عن مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، وهو قول ابن قدامة. وقال ابن حجر: ذهب الأكثرون إلى تحريم الوِصال وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي. وقد نصَّ الشافعي في الأم على أن الوصال محظور. وحرَّمه ابن حزم. وفي المقابل أجازه عبد الله بن الزبير وابنه عامر وأخت أبي سعيد وأبو الجوزاء وإبراهيم التيمي. وحتى نستطيع استنباط الحكم الصائب في هذه المسألة لا بدَّ لنا من استعراض النصوص التالية:
1-
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوِصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقينِ} رواه البخاري (1964) ومسلم والنَّسائي.
2-
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أُطْعَم وأُسقَى} رواه مسلم (2563) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
3-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أَبيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون} رواه مسلم (2567) . ورواه ابن خُزيمة (2071) وأحمد ومالك وابن أبي شيبة بلفظ {إياكم والوصال قالها ثلاثاً} ورواه الدارمي (1704) وابن حِبَّان بلفظ {إياكم والوصال، مرتين
…
} .
4-
عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لست كأحدٍ منكم، إني أُطعَم وأُسقَى، أو إِني أَبيتُ أُطْعَم وأُسْقَى} رواه البخاري (1961) وأحمد وابن حِبَّان وابن أبي شيبة والدارمي. ورواه الترمذي وقال [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا الوِصال في الصيام ورُوي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل الأيام ولا يفطر] .
5-
عن ليلى امرأة بشير – بن الخصاصيَّة – قالت {أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً، فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: يفعل ذلك النصارى
…
} رواه أحمد (22301) والطبراني في المعجم الكبير وسعيد بن منصور وعبدُ بن حميد بإسناد صحَّحه ابن حجر.
6-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السَّحَر، ففعل بعض أصحابه فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك؟ قال: لستم مثلي، إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني} رواه ابن خُزيمة (2072) بسند صحيح.
7-
عن أبي ذر رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بين يومين وليلة فأتاه جبريل فقال: إن الله عز وجل قد قَبِل وِصالك ولا يحلُّ لأحدٍ بعدك، وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول (وأتموا الصيام إلى الليل) ولا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر بعد الفجر} رواه الطبراني في المعجم الأوسط (3162) . وفيه عبد الملك، قال الهيثمي [ولم أعرف عبد الملك] وقال ابن حجر: ليس إسناده بصحيح، فلا حجة فيه.
8-
عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب رضي الله تعالى عنه قال {نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نواصل وليس بالعزيمة} رواه البزَّار (1024) والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [إسناده ضعيف] .
9-
عن علي رضي الله تعالى عنه قال {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السَّحَر} رواه أحمد (700) وابن أبي شيبة والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وأخرجه عبد الرزاق (7752) من طريق محمد بن علي بلفظ {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ} .
10-
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما، إِبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: إني أُواصل إلى السحر، وربي يطعمني ويسقيني} رواه أبو داود (2374) وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وصحح ابن حجر إسناده وقال [هو من أحسن ما ورد في ذلك] .
11-
عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله سلم يقول {لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطْعِمٌ يُطعمني، وساقٍ يَسقيني} رواه البخاري (1963) وأبو داود وأحمد وابن حزم. قال ابن حزم [ورويناه أيضاً مُسْنداً صحيحاً من طريق أم المؤمنين عائشة وأنس وأبي هريرة وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] وقال البخاري [ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم وما يُكْرَه من التعمُّق] .
12-
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأيُّكم مثلي؟ إني أَبِيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخَّر الهلال لزدتكم، كالمنكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهوا} رواه مسلم (2566) والبخاري والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن حزم والدارمي. وفي رواية ثانية لمسلم (2570) وأحمد وابن خزيمة بلفظ {
…
قال: فأخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجالٌ من أصحابه يواصلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال رجالٍ يواصلون؟ إنكم لستم مثلي أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلت وصالاً يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم} .
…
الحديثان في البندين 7، 8 ضعيفان فيتركان ولا يُحتجُّ بهما. لقد جاء النهي عن الوصال بألفاظٍ ثلاثة (نهى عن الوصال) في الأحاديث 1، 2، 5، 10، 12 و (إياكم والوصال) في الحديث 3 و (لا تواصلوا) في الحديثين 4، 11. فهذا النهي بألفاظه الثلاثة ردٌّ على من قالوا بجواز الوصال وإباحته، فلم تبق إلا الكراهة أو التحريم، فلننظر في الأحاديث مرة أخرى باحثين عن الدليل أو القرينة التي تحدِّد أياً من الحُكْمين هو المشروع.
…
جاء في الحديث الرابع، رواية ابن خُزيمة (إياكم والوصال، قالها ثلاثاً) أي جاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إياكم والوصال، إياكم والوصال، إياكم والوصال) وما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدِّد في النهي عن الوصال هذا التشديد إلا لأنه حرام لا يجوز، فالتكرار يصلح قرينة على أن النهي نهيٌ جازم. ثم جاء الحديث الثاني عشر يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاقب الذين واصلوا وأبَوْا أن ينتهوا عن الوصال أي رفضوا النهي عن الوصال، ووصف العقوبة بأنها تنكيلٌ حين أَبَوْا أن ينتهوا، ولا يكون كل ذلك إلا دالاً على أن النهي هو نهي جازم يفيد التحريم، ولو كان النهي غير جازم لما عاقبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما نكَّل بهم. فهذا الحديث يدلُّ لفظه على أن النهي الوارد في الأحاديث هو نهي جازم.
…
ثم جاءت الرواية الثانية عند مسلم تؤكِّد الجزم والإلزام بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلتُ وصالاً يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم) فقد وصف الذين يواصلون بأنهم متعمِّقون، وتوعدهم بوصالٍ طويلٍ كعقوبة، حتى يلتزموا بالنهي ويَدَعوا الوصال. فالتوعُّد بالعقوبة قرينةٌ، ووصفُهم بالتعمُّقِ قرينةٌ ثانيةٌ على أن النهي عن الوصال في الأحاديث هو نهي تحريم، وليس نهي كراهة فقط.
…
أما التوعد بالعقوبة فظاهر، وأما وصفهم بالتعمُّق فلأن التعمُّق في الشرع حرام ومحظور، فعن عبد الله – بن مسعود – رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {هلَك المتنطِّعون، قالها ثلاثاً} رواه مسلم (6784) وأبو داود وأحمد. والمتنطِّعون من التنطُّع وهو التعمُّق قاله صاحب مختار الصحاح وصاحب أساس البلاغة وصاحب لسان العرب وغيرهم. فالتنطُّع لغةً هو التعمُّق. فقوله في الحديث: هلك المتنطِّعون، أي هلك المتعمِّقون، ولا يقال ذلك إلا إذا كان التعمُّق حراماً.
…
وأخيراً جاء الحديث الخامس يصف الوصال بأنه فعل النصارى، وهو من أبلغ صيغ القول على إرادة التحريم وذلك أن تقليد الكفار في شؤون الدين حرام لا يجوز.
…
ثم إن الصوم عبادة والعبادة حتى تصح ويجوز فعلها لا بد من أن تَرِدَ في الشرع فإن لم تَرِدْ في الشرع لم يصح فعلها، لأنها لا تكون عبادة أصلاً. وكذلك الوصال في الصوم، فإنه حتى يكون عبادةً شرعاً ومن ثمَّ يصح فعلُه، لا بد من أن يَرِدَ في الشرع، فإن ورد في الشرع واصلنا، وإلا توقفنا عنه، فإن لم نفعل نكن قد عبدنا الله سبحانه بغير ما شرع، وهو حرام لا يجوز، فأين الدليل على جواز الوصال؟
…
فإن قال قائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يواصل، أجبناه بقوله عليه وآله الصلاةُ والسلام (إني لست كهيئتكم) ، (إنكم لستم في ذلك مثلي)(لست كأحدٍ منكم) ، (لستم مثلي) ، (وأيُّكم مثلي؟) وهذه من أبلغ الصيغ على أن الوصال من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي لأحد أن يفعله، أو أن يدَّعي أنه مشروع لغيره صلى الله عليه وسلم. فما اختصَّ به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُشرع للمسلمين وإنما شُرع له فحسب، فكان مقصوراً عليه وحده، وهذا معلوم لكلِّ عالم وفقيه.
…
فإن قال قائل: إن الحديث الأول يبيِّن أن النهي عن الوصال إنما هو رحمة بالناس، وأن الحديث العاشر يقول (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمْهما إبقاءً على أصحابه) وهذا تعليل للنهي عن الوصال، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن وجدت العلة وُجد الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم، فالشخص إن كان قادراً على الوصال فقد انتفت في حقِّه علةُ الرحمة به والإبقاء عليه؟ أجبناه بما يلي:
…
إن تعليل النهي عن الوصال بالرحمة، والإبقاء على الناس هو من قول عائشة في الحديث الأول، ومن قول صحابيٍّ في الحديث العاشر، وليس هو من لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعائشة ذكرت أن النهي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو رحمة بالناس، والصحابي ذكر أن النهي منه إنما هو للإبقاء على الناس، ثم إنَّ هذا التعليل كان يمكن قبوله لو لم ترد نصوصٌ صريحةٌ تحظر الوصال على إطلاقه فيُترك هذا التعليل ولا يُلتفت إليه.
…
ثم إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال لأمرين: أولاً لأنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام كما بيَّنَّا، وثانياً لأنه تعمُّق في الدين، ولم يذكر الرحمة ولم يذكر الإبقاء على الناس، فنقف عند ما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وندع ما ظنَّته عائشة وما ظنه الصحابي.
…
وأقول مثل ذلك بخصوص قول الصحابي في الحديث العاشر (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما) فهو وإن كان قوله (نهى عن الحجامة والمواصلة) يعتبر مرفوعاً ومن ثمَّ يجب قبوله، فإن قوله (ولم يحرمهما) هو اجتهادٌ وفهمٌ لهذا الصحابي فيما نقله، ونحن لسنا بملزمين باجتهاد الصحابي ولا بفهمه، لا سيما وقد جاءت النصوص تعارض هذا الاجتهاد والفهم.