الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنقول: كيف يمكن اتخاذ الأسوة الكاملة التي تطمئن لها القلوب إن لم تكن جميع نواحي الحياة في الشخصيّة المقتدى بها معلومة، وليس فيها ما يجهله الناس، وما هو مكتوم عنهم وراء حجب التاريخ. إنّ المقتدى به والذي يتّخذ الناس من حياته أسوة لا بدّ أن تكون حياته كلّها واضحة صافية كالمرآة، ليلها كنهارها، لتبين للناس المثل العليا التي يحتذونها في حياتهم بجميع أطوارها ومناحيها.
ليس في أصحاب الدّعوات من يمكن التأسّي به إلا محمد صلى الله عليه وسلم:
إذا نظرنا إلى حياة أصحاب النّحل، ودعاة الملل، وهداة البشر من الأنبياء والرسل نظر الناقد البصير، وتأمّلنا هداهم، وسيرهم؛ لم نجد فيمن تقدّم ذكرهم من يمكن أن يتّخذ من حياته مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهديه، وسيرته، فهو الذي أرسله الله ليكون فيه أسوة لبني آدم في جميع نواحي حياتهم، وأطوارها، وأحوالها. وقد سبق لنا القول بأنّه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإنّ التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم، وشؤون حياتهم، ودخائل سيرتهم إلا نزرا يسيرا، وغير كامل، فكيف يتسنّى للإنسان أن يتّخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النّواحي المختلفة؟
أليس من المستغرب أنّ بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه ربع سكان المعمورة، ولا يحفظ التاريخ من سيرته إلا عدّة أقاصيص وحكايات، لو أننا نقدناها بمقاييس التاريخ لنتّخذ لأنفسنا قدوة من حياته وسيرته؛ لخرجنا من ذلك خاسرين. إنّ إحدى تلك الأقاصيص تنبئنا بأنّه ولد في زمان غير معلوم في واد من أودية (نيبال)«1» في بيت «راجه» «2» ، فكان ذكيّا، وذا طبيعة متوثبة، وله نفس متدبرة، وقلب حسّاس، فلما بلغ أشدّه، وتزوّج، وصار أبا؛ اتفق أن رأى جماعة من الفقراء والبؤساء، فأثّر فيه منظرهم المؤلم، وأثار في نفسه كامن الرّحمة والشفقة، فخرج من
(1) نيبال (Nepal) دولة في وسط جنوب آسيا بين الصين والهند.
(2)
راجه، أي: ملك.
وطنه هائما على وجهه حتى بلغ (بنارس)«1» ثم (كيا)«2» و (بايلي بتر)«3» ثم (راجكير)«4» وتاه فيما بين ذلك من جبال وغابات ومدن وقرى، ولم يزل هائما على وجهه متجولا بين هذه البقاع النائية حتى بلغ في تجواله إلى (كيا) فتجلت له الحقيقة المحجوبة، وهو تحت شجرة من أشجار «بيبل» «5» فرأى نور الحقّ ساطعا، وادّعى أنه أدرك سرّ الحقيقة، فخرج يدعو الناس إلى دينه بين (بنارس) و (بهار) ثم مضى لسبيله. هذه جملة ما نعلم من سيرة «بوذا» وحياته.
وزردشت يعدّ واحدا من الذين أسسوا بنيان الدّين وبدؤوا بالدّعوة إليه، وقد أسلفنا أنّ حياته مجهولة كذلك، ولا يتتبع أثرها إلا أهل القياس والاستنتاج من علماء التاريخ. وأنا لا أقول شيئا من عند نفسي في سيرة زردشت، بل أعرض عليكم نبذة مما كتب عنه في «دائرة المعارف البريطانية للقرن العشرين» وهي تعدّ من أوثق المصادر في التاريخ:
«إن زردشت الذي عرفناه من أبيات شعرية في (كاثا) «6» غير زردشت الذي نراه في (وستا) الجديدة، فالموصوف في المصدر الأول مباين للمذكور في المصدر الثاني ومضادّ له. وعلى كل فإن الأسطورة التي تشتمل على الحياة المستغربة (وقد نقل الكاتب شؤونا في سيرته من كاثا) لا تدلّنا على حياة زردشت دلالة واضحة، ولا تهديناا السبيل إلى معرفته معرفة تاريخية، بسبب ما نجد من غموض لا ندرك معناه.
وأخذ الكاتب يسرد المصنفات التي وضعت في هذا العصر عن حياة
(1) بنارس (Banares) إحدى مدن الهند تقع على نهر غنغا في ولاية أترابرديش، وهي مقدّسة عند الهندوس.
(2)
كيا (Gaya) : مدينة هندية قديمة تقع في ولاية «بهار» .
(3)
بايلي بتر: مدينة هندية قديمة تسمّى اليوم ب «بتنه» وهي عاصمة ولاية «بهار» .
(4)
راجكير: مدينة هندية قديمة تسمّى اليوم ب «بهار» .
(5)
بيبل: نوع من الأشجار ذات أوراق كبيرة، تكثر في الهند.
(6)
الأفستا: هو الأسفار المقدسة عند الزرادشتية، كان مفقودا، عثر عالم الآثار الفرنسي دوبرن على قسم منه، وقام بنشره وترجمته.