الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق «1» ، وهذان الإمامان الجليلان كانا متعاصرين، وتوفي الأول سنة 179 هـ والثاني سنة 151 هـ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير، والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101 هـ عالما جليلا ولي إمارة المدينة، ثم استخلف سنة 99 هـ، وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «2» - الذي كان إماما في الحديث والخبر- أن يبدأ في تدوين سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأخباره؛ لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئا فشيئا وخاف درس العلم وعفاءه «3» ، وقد ذكر هذا في تعليقات البخاري والموطأ لمالك والمسند للدّارمي. فقام بذلك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصّحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية، وكبريات المدن يومئذ. فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل وكان قاضيا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه، وفضله، ولأنّ خالته عمرة كانت من كبريات تلاميذ أمّ المؤمنين عائشة، وكان ما روته خالته عمرة عن أمّ المؤمنين عائشة محفوظا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصّها بالذكر في كتابه إليه.
كتابة الحديث في العهد النّبوي:
وإنّي لا أعدو الحقّ إذا قلت: إنّ كتابة الحديث، والسنن، والأخبار،
(1)«مختصر جامع بيان العلم» للحافظ ابن عبد البر ص 138، طبع مصر.
(2)
هو قاضي المدينة، وأميرها. كان أعلم أهل المدينة بالقضاء، وله خبرة بالسّير. توفي سنة (120 هـ) عن نيّف وثمانين سنة. شذرات الذهب (2/ 90) والعبر؛ للذهبي (1/ 152) .
(3)
نصّ رسالة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الموجهة إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن حزم: «انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه فإني خشيت دروس العلم، وذهاب أهله» (ابن سعد 8: 353)، والتاريخ الصغير للبخاري (105) وسنن الدارمي (1: 126) .
والسيرة قد بدىء بها في عهد النّبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في باب كتابة العلم من صحيح البخاري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، فكتبت خطبته التي خطبها يوم فتح مكة إجابة لسؤال صحابيّ من اليمن يدعى أبا شاه «1» . وقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسائله إلى الملوك التي يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكلّها كانت مكتوبة، والكتاب الذي أرسله إلى المقوقس ملك مصر قد وجد ملصقا بدفّة كتاب في أحد الأديرة المسيحية في مصر، ويغلب على الظنّ أنه هو أصل الكتاب المرسل من النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وخطّه عربيّ قديم، وعبارته وترتيب كلماته التي في الخاتم هي عين ما يروى في الأحاديث، وهذا من أصدق الأدلّة على صدق الأحاديث المروية وصحتها. ويقول أبو هريرة:
ما من أحد أحفظ منّي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكثر منّي رواية له، غير عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنّه كان يكتب كلّ ما يسمع من النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم أكن أكتب «2» . وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الغضب والرّضا فأمسكت، حتّى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
«اكتب، فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حق!» وأومأ بأصبعه إلى فيه حين قال ذلك «3» . وسمى عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته هذه (الصادقة)«4» وكان يقول: لقد حبّب الحياة إليّ أمران: أحدهما هذه
(1) لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبته، «
…
فقام أبو شاه- رجل من اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه
…
» . (البخاري [2434] ) .
(2)
والحديث في البخاري ومسند الإمام أحمد: (ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب)(البخاري [113] ومسند الإمام أحمد (7383) .
(3)
مسند أحمد: (162) و (192) ، وسنن أبي داود (22) وجامع بيان العلم، الجزء الأول، ص 71.
(4)
هي «الصحيفة الصادقة» وهي من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي، كتبها وجمعها عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد-
«الصّادقة» .. ثم قال: وأما الصادقة فهي صحيفة ما كتبت فيها إلا ما سمعت أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول مجاهد: رأيت عند عبد الله بن عمرو كتابا، فسألته: ما هذا؟ فقال: هذه «الصّادقة» فيها ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد «1» .
وفي صحيح البخاري: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعد هجرته إلى المدينة أن يحصى له كم عدد الذين يلفظون بالإسلام، فأحصوا، فكان عددهم خمسمئة وألفا. وأمر صلى الله عليه وسلم، فكتبت أحكام الزكاة، وما تجب فيه، ومقادير ذلك، فكتبت مشروحة مفصلة في صفحتين، وبعث بصورة ذلك إلى أمراء البلاد وولاتها، وبقيت محفوظة في بيت أبي بكر الصديق، وأبي بكر بن عمرو بن حزم «2» . وكان عند عمال الزكاة رسائل فيها أحكام الزكاة. وكان عند عليّ صحيفة في قراب سيفه، كتبت فيها أحاديث تتعلق بالأحكام، ورآها الناس لما سألوه عن ذلك «3» .
وفي هدنة الحديبية التي كانت بين المسلمين ومشركي قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّا، فكتب كتاب الهدنة في نسختين أعطى المشركين نسخة منها وبقيت النسخة الآخرى عند النبي صلى الله عليه وسلم «4» .
ولما ولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم اليمن، وبعثه إليها؛ أعطاه أحكاما مكتوبة في الفرائض والصدقات والدّيات «5» وتلقّى عبد الله بن حكيم
- اشتملت على ألف حديث كما يقول ابن الأثير ( «في أسد الغابة» 3/ 233) ، وإذا لم تصل هذه الصحيفة- كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة في مسند الإمام أحمد [انظر مسند عبد الله بن عمرو بن العاص في مسند أحمد] ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1)
طبقات ابن سعد 2/ 2: 125.
(2)
الدارقطني في كتاب الزكاة 209.
(3)
البخاري (1084 و: 1020) .
(4)
ابن سعد في المغازي، ص 71.
(5)
كنز العمال، الجزء الثالث، ص 186.
كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أحكام الحيوانات الميتة «1» ولما أراد وائل بن حجر أن يرجع إلى بلاده حضر موت؛ ناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه أحكام الصلاة، والصوم، والربا، والخمر وغير ذلك «2» ولما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب السؤال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان عند أحد منهم سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصيب المرأة من دية زوجها قام الضحّاك بن سفيان «3» فقال: نعم عندنا كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين فيه ذلك «4» .
وكتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى المدينة يسأل عن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الصدقات، فوجدت نسخته عن آل عمرو بن حزم «5» .
وكان مروان «6» قد خطب في الناس، فذكر مكة وحرمتها، فقال رافع بن خديج «7» بصوت يسمعه الناس: والمدينة حرم حرّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني إن شئت نقرئكه فعلنا. فناداه مروان:
أجل قد بلغنا ذلك «8» .
وأرسل الضحاك بن قيس «9» كتابا إلى النعمان بن بشير «10» يسأله فيه عن
(1) المعجم الصغير، للطبراني، ص 217.
(2)
المعجم الصغير، للطبراني، ص 242.
(3)
هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب الكلابي، صحابي، كان نازلا بنجد، وولاه الرسول صلى الله عليه وسلم على من أسلم هناك من قومه، استشهد في قتال أهل الردة سنة 11 هـ.
(4)
الدارقطني الجزء الثاني، ص 485.
(5)
الدارقطني، 451.
(6)
هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، خليفة أموي، وهو أول من ملك من بني الحكم بن أبي العاص، توفي في دمشق بطاعون سنة 65 هـ.
(7)
هو رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي الحارثي، صحابي، شهد أحدا والخندق، توفي في المدينة سنة 74 هـ، له 78 حديثا مرويا.
(8)
مسند الإمام أحمد 4: 141.
(9)
هو الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي، أحد الولاة الشجعان في عصره، شهد فتح دمشق وسكنها، قتل في مرج راهط، سنة 65 هـ.
(10)
هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، من أجلاء الصحابة، نزل الشام، وشهد «صفين» مع معاوية- رضي الله عنه وولي القضاء بدمشق. -
السورة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها في صلاة الجمعة غير سورة الجمعة، فكتب إليه يقول: كان يقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «1» وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد «2» كتابا ذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير» «3» .
وقد ثبت عندي بالدلائل الواضحة أنّ كبار الصحابة رضي الله عنهم أرادوا أن يدوّنوا السنن والأحكام، بل قد فعل ذلك بعضهم، وقد جمع أبو بكر في خلافته الأحكام والسنن في كتاب، ثمّ بدا له أن يمحوه «4» وعزم عمر بن الخطاب أيام خلافته على جمع السنن ثم بدا له ألا يفعل، وقد ذكرنا آنفا: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص جمع بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يسمعه منه في صحيفة، وكان الناس يقصدونه ليروها، فيطلعهم عليها «5» ، وأتى عبد الله بن عباس بسجلّ فيه فتاوى عليّ بن أبي طالب «6» وكان لمرويات عبد الله بن عباس كراريس عدّة، وجاء قوم من أهل الطائف بكراسة منها ليرووها عنه «7» وكان سعيد بن جبير يكتب روايات عبد الله بن عباس «8» وبقيت صحيفة عبد الله بن عمرو (الصّادقة) موجودة عند حفيده عمرو بن شعيب «9» وكانوا يضعفون عمرو بن شعيب لأنّه يروي من الصحيفة، وكان
- هو أول مولود ولد في الأنصار بعد الهجرة، قتل يوم مرج راهط سنة 65 هـ، وله 124 حديثا مرويا.
(1)
مسلم في كتاب الجمعة في باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (2030) .
(2)
هو عتبة بن فرقد بن يربوع، صحابي، غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم غزوتين، وله رواية عنه صلى الله عليه وسلم، وروت عنه زوجه أمّ عاصم.
(3)
البخاري في كتاب اللباس في باب لبس الحرير للرجال (5828، 5829، 5830، 5834، 5835) .
(4)
تذكرة الحفاظ للذهبي.
(5)
الترمذي (586) .
(6)
مقدمة صحيح مسلم.
(7)
العلل للترمذي، ص 691.
(8)
الدّارمي ص 690.
(9)
الترمذي (61، 113) .
ينبغي له أن يروي من حفظه. وجمع وهب التّابعي روايات جابر بن عبد الله، وكانت عند إسماعيل بن عبد الكريم، وضعفوه لأجل ذلك «1» ، وروى سليمان بن سمرة بن جندب أنّه كان عند أبيه صحيفة فيها أحاديث، وكذلك روى ابنه حبيب بن سليمان «2» وجمع همام بن منبه روايات أبي هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية، وأوعاهم حفظا لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فصارت تعرف صحيفته بين المحدّثين بصحيفة همام «3» ، وقد أوردها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من مسنده، وكذلك بشير بن نهيك كتب مروياته عن أبي هريرة في كتاب، وقرأه عليه «4» .
وذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري أنّ أبا هريرة جاء برجل إلى بيته، وأراه أوراقا، وقال: هذه رواياتي. وقال الذي روى ذلك: إنها لم تكن
(1) تهذيب التهذيب، لابن حجر، الجزء الأول 316.
(2)
تهذيب التهذيب الجزء الرابع، 198.
(3)
تلفت الصحف الكثيرة التي جمعها الصحابي الجليل أبو هريرة- رضي الله عنه إلى صحيفة واحدة هي هذه التي رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه (المتوفى سنة 101 هـ) ثم نسبت إليه فاشتهرت ب «صحيفة همام» وهي في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمام. ولا يمكننا أن نسلك هذه الصحيفة في عداد ما كتب في العصر النبوي، لأن هماما ولد قبيل سنة 40 هـ وتوفي شيخه أبو هريرة سنة 58 هـ، فلا بدّ أن يكون تدوينه لهذه الصحيفة قبل وفاة شيخه، لأنّ سماعه منه بعد مجالسته إيّاه- أي في منتصف القرن الهجري الأول- وتلك نتيجة علمية باهرة تقطع بتدوين الحديث في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع: أنّ الحديث لم يدوّن إلا في أوائل القرن الهجري الثاني. (علوم الحديث ومصطلحه «للدكتور صبحي الصالح» ص 31- 32) . ولهذه الصحيفة مكانة خاصّة في تدوين الحديث؛ لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة، كما رواها ودوّنها همام عن أبي هريرة، وعثر على هذه الصحيفة الباحث المحقق الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي- حفظه الله ومدّ عمره- في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين، ونشره محققا، وقد صدرت له الطبعة الأولى من مجمع اللغة العربية بدمشق.
(4)
كتاب العلل للترمذي، ص 691، والدارمي ص (68) ، والبيهقي ص (681) .
مكتوبة بيده «1» ، وكان أنس بن مالك- وهو معروف بكثرة الرواية- يقول لأولاده: يا بنيّ! اكتبوا العلم وقيّدوه بالكتابة «2» ، وكان تلميذه أبان «3» يكتب رواياته بين يديه «4» ، وروي عن سلمى «5» قالت: رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع «6» خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان صلى الله عليه وسلم يفعل، أو يقول «7» .
والواقدي «8» وهو من متقدّمي المصنفين في السيرة النبوية يقول: رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى «9» سيد البحرين مع كتب أخرى «10» ، وفي تاريخ الطبري: أنّ
(1) فتح الباري، الجزء الأول 184- 185.
(2)
الدّارمي ص 68.
(3)
هو أبان بن عثمان الأموي: أول من كتب السيرة النبوية، وهو ابن الخليفة عثمان. كان من رواة الحديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى. توفي سنة (105 هـ) ، العبر (1/ 129) .
(4)
الدارمي، ص 68.
(5)
هي سلمى بنت خصفة، زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وتزوجها بعد وفاته سعد بن أبي وقاص، شهدت معه المعارك في القادسية وغيرها، توفيت سنة 60 هـ.
(6)
كان مولى العباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه لما بشّره بإسلام العباس. شهد أحدا وما بعدها. روى عن النبي وعن ابن مسعود، وعنه كثيرون. توفي بالمدينة في خلافة علي. الإصابة (4/ 391) .
(7)
طبقات ابن سعد 2/ 2: 123.
(8)
هو محمد بن عمرو بن واقد السهمي الأسلمي، المعروف ب «الواقدي» من أقدم المؤرخين وأشهرهم في الإسلام، ومن حفاظ الحديث، ولي القضاء ببغداد، واستمر فيها إلى أن توفي سنة 207 هـ، من أشهر كتبه «المغازي النبوية» و «أخبار مكة» و «فتوح العراق» و «فتوح الشام» .
(9)
هو المنذر بن ساوى بن الأخنس العبدي، أمير في الجاهلية والإسلام، كان صاحب «البحرين» وكتب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، مات قبل ردة أهل البحرين سنة 11 هـ.
(10)
زاد المعاد، الجزء الثاني، ص 57.
عروة بن الزبير «1» كتب جميع ما كان في غزوة بدر مفصّلا إلى عبد الملك الخليفة الأموي «2» .
وكان عبد الله بن مسعود- وهو الذي كان يكثر الدّخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا حتى خيّل إلى الناس أنه من أهل البيت- يشكو الناس أنّهم يكتبون منه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان لا يستحلّ أن يكتب غير القرآن الحكيم حرصا منه على القرآن أن يلتبس به غيره «3» ، ويقول سعيد بن جبير التابعي «4» : كنت أكتب على الأقتاب ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحا «5» .
وكان أصحاب البراء بن عازب «6» يكتبون عنده رواياته، وكان نافع «7» - وقد صحب ابن عمر «8» ثلاثين سنة- يملي على الناس «9» ،
(1) هو عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي القرشي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وكبار علمائها، وهو أخو عبد الله بن الزبير لأبيه وأمه، توفي بالمدينة سنة 93 هـ.
(2)
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، كان فقيها واسع العلم، شديد النسك، كثير العبادة، توفي بدمشق سنة 86 هـ.
(3)
الدارمي، ص 67.
(4)
هو سعيد بن جبير الأسدي، من كبار التابعين وأعلمهم، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعن ابن عمر- رضي الله عنهما قال الإمام أحمد:«قتل الحجاج سعيدا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه» (الأعلام للزركلي، 3/ 93) .
(5)
الدارمي، ص 69.
(6)
هو البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرا وغزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، عاش إلى أيام مصعب بن الزبير، فسكن الكوفة، وتوفي فيها سنة 71 هـ، وله 305 أحاديث مروية في الصحيحين.
(7)
هو نافع المدني، من أئمة التابعين بالمدينة، كان علّامة في فقه الدين، كثير الرواية للحديث، من كبار الثقات التابعين، أصابه عبد الله بن عمر صغيرا في بعض مغازيه، فنشأ بالمدينة، أرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلّم أهلها السنن، توفي سنة 117 هـ.
(8)
أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(9)
الدارمي، ص:69.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود «1» أخرج كتابا، وقال: وايم الله هذا ما كتبته يد ابن مسعود «2» ! وقال سعيد بن جبير: كنا نختلف في بعض الأمور، فنكتب ذلك، ثم نأتي عبد الله بن عمر، فنعرضه عليه، ونخفي عنه ما كتبنا، ولو علم به لكانت الفيصل بيننا وبينه. أي أنه لا يأذن لهم بحضور مجلسه «3» ويقول الأسود التابعي «4» : وقعت أنا وعلقمة على صحيفة جئنا بها إلى ابن عمر، فمحاها «5» . وأنّ زيد بن ثابت- هو من كتبة الوحي- كان لا يرى كتابة شيء إلا القرآن، فاحتال مروان على أن أجلسه بين يديه، وأجلس كاتبا من وراء الستر يكتب ما يقول، وفعل مثل ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فاستملاه حديثا، ولكن زيد بن ثابت فطن لذلك، فألحّ بمحوه حتى محي «6» .
سادتي! لعلّكم سئمتم سماع الأسماء، وضجرتم بهذه الأخبار، ومللتم ما اقتبسته لكم من هذه النصوص، فمعذرة وعفوا. ولكننا قد بلغنا إلى حيث يتبين لنا الطريق واضحا، وتبدو لنا الحقيقة جلية.
لقد حاولت أن أثبت لكم هذه الحقيقة الرّاهنة، وهي أنّه إذا كان لا يوثق إلا بما كتب ودوّن، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كتبوا بأيديهم في عهده صلى الله عليه وسلم، وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاؤوا
(1) أحد الأئمة الكبار، سيىء الحفظ. وثقه أحمد. وقال ابن القطان: اختلط حتى كان لا يعقل، فضعّف حديثه، وكان لا يتميز في الأغلب ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعد. ميزان الاعتدال (2/ 574) .
(2)
هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، من أكابر الصحابة- رضوان الله عليهم- ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم الرسول صلى الله عليه وسلم، توفي بالمدينة سنة 32 هـ، وله 848 حديثا مرويا.
(3)
جامع بيان العلم، ص 33.
(4)
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، من فقهاء التابعين والحفاظ، كان عالم الكوفة في عصره، توفي سنة 75 هـ.
(5)
جامع بيان العلم، ص 33.
(6)
مسند الإمام أحمد: الجزء الخامس، ص 182.
بعدهم أدخلوه في كتبهم. ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين رضي الله عنهم جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثا طويلا، وبذلوا فيه جهودهم، وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدّثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة، وشقّة بعيدة، ومن أشهرهم محمد بن شهاب الزّهري «1» ، وهشام بن عروة بن جبير «2» ، وأبو الزناد «3» ، وغيرهم. إن علماء التابعين- وكانوا يعدّون بالمئات- جابوا البلاد، وجالوا خلال الدّيار، وطووا الصحارى والمفاوز، وشدّوا الرّحال إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فعل تلاميذهم، ليرووا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعوا لنا هذه الذخيرة العلمية، وربما سافروا وقطعوا مئات الأميال لحديث واحد. وإنّ محمد بن شهاب الزهري- وهو الإمام في الحديث والسيرة- كتب كل ما سمع ممّا يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال عنه أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزّهري يكتب كل شيء «4» .
ويقول طاووس بن كيسان «5» : كنت أنا والزّهري رفيقين في طلب العلم، فقلت: لا أكتب إلا السنن، فكتبت ما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال
(1) هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي، من أهل المدينة، أول من دوّن الحديث، كان من أكابر الحفاظ والفقهاء، نزل الشام واستقرّ بها، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله:«عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه» توفي بشغب (هو آخر حدّ الحجاز وأول حدّ فلسطين) سنة 124 هـ.
(2)
هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي من أئمة الحديث، ولد في المدينة، وعاش فيها، زار الكوفة، فسمع منه أهلها، ودخل بغداد، وتوفي بها سنة 146 هـ. وله نحو أربعمئة حديث مروي.
(3)
هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، المعروف ب «أبو الزناد» أحد كبار المحدثين وفقهاء أهل المدينة، كان ثقة في الحديث عالما بالعربية، فصيحا، توفي بالمدينة سنة 131 هـ.
(4)
جامع بيان العلم، ص 37.
(5)
هو طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني من أكابر التابعين، أصله من الفرس، ومولده ومنشؤه في اليمن، توفي حاجا بالمزدلفة سنة 106 هـ.