المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله: - الرسالة المحمدية

[سليمان الندوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌ترجمة العلّامة سيّد سليمان الندوي

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌المحاضرة الأولى سيرة الأنبياء هي الأسوة الحسنة للبشر

- ‌مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه:

- ‌حكمة إرسال الله الرسل للبشر:

- ‌الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيرهم:

- ‌خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم:

- ‌ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء:

- ‌إنّ الهداية والدّعوة لا تثمر ولا تبقى إلا بالقدوة والأسوة:

- ‌السيرة المحمّدية هي السيرة التاريخيّة:

- ‌سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخيّة:

- ‌سيرة بوذا ليست تاريخيّة:

- ‌الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقلّ من الّذي نعلمه عن بوذا:

- ‌شكوك العلماء المحقّقين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل:

- ‌الكلام على الأناجيل من ناحية التّاريخ:

- ‌ليس في أصحاب الدّعوات من يمكن التأسّي به إلا محمد صلى الله عليه وسلم:

- ‌ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى:

- ‌شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض:

- ‌الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه:

- ‌اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية وجامعة وكاملة وعمليّة:

- ‌امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبويّة وتراجم الصّحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين:

- ‌عناية الصّحابة بحفظ الحديث النّبويّ وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين:

- ‌آخر الصحابة موتا المدن التي توفوا فيها سنة الوفاة

- ‌الكلام على التابعين وأساتذتهم من الصحابة:

- ‌أسماء الرواة من الصحابة عدد مروياتهم سنة وفاتهم

- ‌المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث، والكلام على الحفظ والكتابة:

- ‌كتابة الحديث في العهد النّبوي:

- ‌التابعون الّذين دوّنوا الحديث:

- ‌جمع الحديث له ثلاثة أطوار:

- ‌علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم:

- ‌ستة مصادر لسيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وهديه:

- ‌[المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: ما اقتبس من القرآن الحكيم]

- ‌والمصدر الثالث: كتب المغازي

- ‌والمصدر الرابع: كتب التاريخ الإسلامي

- ‌والمصدر الخامس: [كتب الدلائل]

- ‌والمصدر السادس: كتب الشمائل

- ‌كتب السيرة النّبوية تعدّ بالألوف:

- ‌مرجليوث أشدّ المستشرقين تحاملا على الإسلام:

- ‌اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية:

- ‌السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين:

- ‌مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد صلى الله عليه وسلم من جليل ودقيق:

- ‌كلمات المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد صلى الله عليه وسلم:

- ‌تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه صلى الله عليه وسلم:

- ‌استقصاء ابن القيم في «زاد المعاد» كلّ أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الخاصّة وشؤونه اليومية:

- ‌إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفّظ:

- ‌كان الرسول صلى الله عليه وسلم معروف الدخائل لأعدائه أيضا فلم ينقلوا عنه إلا خيرا:

- ‌شهادة أبي سفيان (قبل إسلامه) للنبي صلى الله عليه وسلم عند هرقل:

- ‌رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتبعوه وهم على بينة:

- ‌لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:

- ‌كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله:

- ‌سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام:

- ‌المسلمون لا يحتاجون من خارج دينهم إلى أصول وضوابط:

- ‌الأديان الآخرى تتحرى أقوال أنبيائها والمسلمون يتحرّون أعمال نبيّهم:

- ‌حياة محمد صلى الله عليه وسلم جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به:

- ‌انتباه أحد البراهمة لهذه الناحية من الحياة المحمّديّة:

- ‌ما أعطى الله الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم وحده:

- ‌مقارنات بين النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء:

- ‌مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم كانت جامعة للطوائف وعامة للأمم:

- ‌استعراض نماذج من تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم:

- ‌إنّ العالم لا تتمّ هدايته إلا بالمصلح الأخير للدّنيا:

- ‌كيف نتّبع الرّسول صلى الله عليه وسلم وفيم نتبعه

- ‌مقارنة بين نتائج عظة جبل الزّيتون، ودعوة جبل الصّفا:

- ‌ما شهد به لمحمد صلى الله عليه وسلم أقرب الناس إليه وأعرفهم به:

- ‌كان صلى الله عليه وسلم أول من يعمل بما يأمر الناس به:

- ‌مقارنة بين عظة أحبوا أعداءكم ومعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأعدائه:

- ‌مقارنة بينه صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام:

- ‌ما هي السّيرة الكاملة الجامعة في الرّسول، وماذا بلغ عن ربّه

- ‌كفالة الله حفظ الرسالة المحمّديّة لأنها رسالة الحاضر والمستقبل:

- ‌الإسلام أول رسالة عامّة في تاريخ الإنسانية:

- ‌الدّين إيمان وعمل، ولم يجتمعا إلا في الإسلام:

- ‌مقارنات بما في رسالة الإسلام والرسالات الآخرى:

- ‌مقارنات بين الوصايا العشر والآيات من سورة الإسراء:

- ‌عناية الشّرع المحمديّ بكرامة الجنس البشريّ ومكانته من سائر المخلوقات:

- ‌الرسالة المحمدية عرفت الناس بأقدارهم وأنزلتهم منازلهم:

- ‌الإسلام وعقيدة التّوحيد:

- ‌فطرة الإنسان في الإسلام بريئة في الأصل ولم يولد آثما:

- ‌الدين والفطرة كلمتان لمدلول واحد:

- ‌الناس سواسية في الإسلام والدنيا كلّها لله وحده:

- ‌الإسلام سوّى بين جميع الأنبياء ودعا إلى الإيمان بهم جميعا:

- ‌دين الله بين الذين غلوا في الأنبياء والّذين فرّطوا فيهم:

- ‌فساد الأديان السابقة بسبب التشبيه وتجسيم الصّفات الإلهية:

- ‌فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات:

- ‌فساد الأديان بسبب تعديد أهلها للفاعل بتعدّد أفعاله:

- ‌منشأ الخير والشرّ حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها:

- ‌الهدى والضّلال بما كسبت أيدي الناس:

- ‌تعبّد الضّالين بتعذيبهم أنفسهم:

- ‌التضحية والأضاحي والقربان:

- ‌النفوس ملك لله، فليس للإنسان أن ينتحر أو يحدّد النّسل:

- ‌قضاء الإسلام على نظام الطبقات، وعلى التفاضل بالمال والنسب واللون:

- ‌من أعظم الجرائم فصل الدين عن الدّنيا:

- ‌الإسلام إيمان بالحقّ وعمل به:

الفصل: ‌كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله:

والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.

‌لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:

كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه صلى الله عليه وسلم لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.

‌كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله:

وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «1» ؛ إذ يقول:

«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم

(1) هو مستشرق أمريكي، مات سنة 1857 م.

ص: 106

نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص 15) . ويقول جيّبن:«لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق

ص: 107

الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي صلى الله عليه وسلم على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن (md.and Quran

:rof ygoloppA إنّ أتباع عيسى عليه السلام ينبغي لهم أن يجعلوا على ذكر منهم أنّ دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أحدثت في نفوس أصحابه من الحميّة ما لم يحدث مثله في الأتباع الأولين لعيسى عليه السلام ، ومن بحث عن مثل ذلك لا يرجع إلا خائبا، فقد هرب الحواريون، وانفضوا عن عيسى حين ذهب به أعداؤه ليصلبوه، فخذله أصحابه، وصحوا من سكرتهم الدّينية، وأسلموا نبيّهم لأعدائه يسقونه كأس الموت، أما أصحاب محمد فالتفوا حول نبيهم المبغيّ عليه، ودافعوا عنه مخاطرين بأنفسهم إلى أن تغلّب بهم على أعدائه» .

وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول صلى الله عليه وسلم: من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه صلى الله عليه وسلم سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة:«كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «2» .

إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

(1) انظر الترجمة الأردوية، ص 66- 67، طبع برلين سنة 1873 م.

(2)

سيرة ابن هشام، ص 99.

ص: 108

كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أسوة لأصحابه، وإن من طباع الناس- ولا سيما من يقوم لهم بالإصلاح والهداية

(1) البخاري في كتاب التوحيد (7529) .

ص: 109

والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.

لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:

كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه صلى الله عليه وسلم لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.

كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله:

وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «1» ؛ إذ يقول:

«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم

(1) هو مستشرق أمريكي، مات سنة 1857 م.

ص: 106

نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص 15) . ويقول جيّبن:«لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق

ص: 107

الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي صلى الله عليه وسلم على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن. (md.and Quran

» هـ ئادعأ ى لع م هب بّ لغت ن أى لإ م هسفنأب ن يرطاخم هـ نع اوعفاد و، هـ يلع ّي غبملا م هيبن ل وح اوفتلاف دمحم ب احصأ امأ، ت وملا س أك هـ نوقسي هـ ئادعأل م هّيبن اوملسأ و، ةينيّدلا م هتركس ن م اوحص و، هـ باحصأ هـ لذخف، هـ وبلصيل هـ ؤادعأ هـ ب ب هذ ن يح ى سيع ن ع اوضفنا و، ن ويراوحلا ب ره دقف، ابئاخ لاإ ع جري لا ك لذ ل ثم ن ع ث حب ن م و،) م لاسلا هـ يلع (ى سيعل ن يلوألا ع ابتألا ي ف هـ لثم ث دحي م ل ام ةّيمحلا ن م هـ باحصأ س وفن ي ف ت ثدحأ م لس وهـ يلع هّ للا ىّ لص دمحم ةوعد ّن أم هنم ركذ ى لع اولعجي ن أم هل ي غبني) م لاسلا هـ يلع (ى سيع ع ابتأ ّن إ Appology for:

وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول صلى الله عليه وسلم: من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه صلى الله عليه وسلم سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة:«كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «2» .

إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

(1) انظر الترجمة الأردوية، ص 66- 67، طبع برلين سنة 1873 م.

(2)

سيرة ابن هشام، ص 99.

ص: 108

كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أسوة لأصحابه،

ومحبته ذريعة لمحبة الله، فقال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] فجعل اتّباع الرسول في أخلاقه وأعماله، والاقتداء بسنته وهديه من علامات حبّهم لله، ومن السّهل أن يبذل الإنسان نفسه حميّة لدينه لأمر يعرض له فجأة، ولكن من العسير أن يقتدي المرء مدّة حياته كلّها في جميع أطوارها، وشعبها، ومناحيها بهدي شخص وسننه اقتداء كاملا، لا يحيد عنه، ولا يعدل إلى شيء غيره، أما أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم اتبعوه في جميع أخلاقهم، وأعمالهم، وسائر نواحي حياتهم وطرقها، واقتفوا أثره، وامتحنوا في ذلك امتحانا شديدا، وأبلوا فيه بلاء عظيما، ثم خرجوا من هذا الامتحان فائزين. وإنّ الولع الشديد بالرسول، والمحبّة الصادقة له قد حمل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ثم المحدّثين ومؤلفي السير والمؤرخين، على أن يعنوا عناية كبرى بجمع كلّ ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من قول وعمل، وأمر ونهي، وحديث وخلق، وأن يبلغوا ذلك للذين يأتون بعدهم، فأحسنوا كلّ الإحسان ووفوا هذه المهمّة حقها، ليعمل بهذه الهداية كلّ مسلم ما استطاع، ولولا أنّ حياة محمد صلى الله عليه وسلم كانت كاملة وعظيمة في عيون أصحابه؛ لما اعتبروا اتّباعه شرفا لهم وكمالا، ولما عدّوا الاقتداء به ملاك السّعادة، وأصل الهناء، وقوام الخير.

فالإسلام قرّر أنّ حياة محمد هي المثل الكامل لجميع المسلمين، وينبغي بيان جميع نواحيها، وشعبها، ووجوهها للناس كافّة، وقد حقّق المسلمون ذلك، وحرصوا على تعرف ذلك وبيانه، فلم تخف منه خافية، ولم تفقد ولا حلقة واحدة من سلسلة الحياة النبوية المباركة، فجميع أحواله وشؤونه مسطورة في كتب التاريخ، ومن ذلك يستدلّ على أنّها كانت حياة كاملة، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت واضحة ناصعة معلومة من كل وجوهها ونواحيها، جامعة لجميع المحامد، شاملة لأكرم الأخلاق وأحسن التعاليم.

ص: 109