الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التي يراد بها وجه الله، والفوز في الآجلة؛ إنّما هي من صميم الدّين، ومن الدّين أن يقوم الناس بأمور الدّنيا من تجارة، وزراعة، وصناعة، وحرفة، وخدمة بالطريقة السليمة التي هدى إليها الدين، وأرشدت إليها تعاليمه، ومن أعظم الخطأ أن يحسب الناس أنّ الدين منحصر في العبادة من صلاة وصوم، وفي الفرار من الناس واعتزالهم في مغارة، أو جبل للعبادة، بزعم أنّ اشتغال المرء بأمور نفسه وشؤون أولاده وعياله، والمشاركة في مصالح أمته، وبلاده، وأحبابه، وخلانه هو من أمور الدّنيا، لا من أمور الدين، كلّا، بل إنّ هذه العقيدة قد أعلن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فسادها، وأبدى عوارها بدعوته، وبلاغه من جهة، وبحياته المثلى من جهة أخرى، وقد بيّن بقوله وعمله أنّ أمور الدّنيا التي تؤدّى بالطريق الذي هدى إليه الدين تعدّ من الدّين، ويثيب الله عليها كما يثيب على العبادات وغيرها ممّا هو من صميم الدّين.
الإسلام إيمان بالحقّ وعمل به:
ألا إن ملاك النجاة للإنسان في الإسلام الإيمان، والعمل الصالح. أما الإيمان فهو الإيقان بالله وحده، والإيقان بأنّ رسله إنّما بعثوا لهداية البشر ودلالتهم على طريق الله، والإيقان بالملائكة الذين هم رسل الله بينه وبين من أرسل إليهم من البشر، وبالكتب التي أنزلت على الرسل، وفيها أحكام الله من الأوامر، والنواهي، والإيقان بأنّ الله يحاسب الإنسان على أعماله، ويجزيه خيرا عمّا يعمله من خير، أو شرّا عما يصدر عنه من شرّ، فهذه الخمسة هي أساس الإيمان وملاكه، والإيمان أساس العمل، ومن لا إيمان له لا ينتظر منه الخلاص فيما يصدر عنه من عمل.
والمراد بالعمل أن تكون تصرفات الإنسان صالحة، وللأعمال ثلاثة ضروب كما ذكرت في المحاضرة السابقة من هذا الكتاب «1» : الضرب الأول: (العبادات) ، وهي عبارة عن تعظيم الإنسان لإلهه الذي خلقه، وعن خشوعه له وخضوعه لأوامره وإظهار افتقاره له. الضرب الثاني:
(المعاملات) وهي ما يتعاطاه الناس فيما بينهم لتبادل مصالحهم،
(1) انظر المحاضرة السابقة.
واستعمال مرافقهم، ومنها أحكام الدولة وقوانينها التي يراعيها الإنسان، ويتقيّد بها ليسود الأمن، ويعمّ السلام في البلاد، فلا يقع فيها الفساد والفوضى التي تنتهي إلى الهرج، والمرج، والهلاك، والدّمار. والضرب الثالث:(الأخلاق) وهي القيود التي توجب الآداب التقيّد بها، وإن لم تفرض على الناس بالتشريع وأحكامه القانونية، وباتباعها تطهر القلوب، وتزكو النفوس، ويرتفع مستوى المجتمع البشري، ويتقدّم في إنسانيته.
وهذه الأربعة- الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق- هي التي تهيىء للمجتمع أسباب النجاة.
سادتي وإخواني! سامحوني إذا قلت لكم: إنّ التبتل في الدنيا، والعزلة عن المجتمع، وحبّ الخلوة عن الناس ولو لذكر الله ليست مما يحتمه الإسلام، ويدعو إليه، والإسلام نشاط دائم، وجهاد طويل، لذلك تراه يحثّ المسلمين على أن يكونوا دائما في عمل، وسعي، ونشاط، وذلك ينافي السكون الدائم، والانصراف عن الحركة والعمل وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: 39] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثّر: 38] ، فالعزلة عن الناس ليست من الإسلام، بل من الإسلام الإقدام في معترك الحياة، واقتحام حلبة الحركة، والزّحام لنشر دعوة الحقّ والخير، وإصلاح البشر، وبين أيديكم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه أصحابه، فإذا عملتم كما عملوا، وجاهدتم كما جاهدوا، وثابرتم على إقامة الحق، كما ثابروا؛ كنتم مسلمين حقّا، كما كانوا، وكتب الله لكم مثل الذي كتب لهم من الفلاح في الدّنيا، والنّجاة في الآخرة.
إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى مثل ما دعا إليه (بوذا) من هجر الدنيا، ومعارضة الفطرة بقمع الشهوات، ومحاولة انتزاعها من النفوس، بل دعا إلى تعديلها، وتسكين ثورتها، والحدّ من شططها، والإسراف فيها.
ولم يدع إلى مثل ما يقال عن دعوة المسيح من احتقار الثروة والقوة، بل دعا إلى تحرّي الطرق الصالحة في الحصول عليهما، وفي حسن استعمالهما.
إنما الإسلام إيمان بالحقّ، وعمل به، ولذلك تفاصيل، وفروع ومساع
متنوعة، وجهاد عظيم، وكفاح متواصل، فترك العمل عكس ما جاء به الإسلام، والدّين الذي يأمر بالفرائض لا يعقل أن يرضى بالإعراض عنها.
وإن شئتم تفصيل ذلك فاقرؤوا سيرة الرسول، وادرسوا تراجم أصحابه، أليس الله عز وجل قد وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الفتح: 29] .
كان في جهاد عظيم، وكفاح مستمر، وما برح طول حياته الشريفة مختلطا بالناس متحدثا إلى أصحابه، يجالسهم، ويساكنهم، ويؤاكلهم، ويشاركهم، ويلقاهم بوجه طلق، وقلب نقيّ سليم متعلق بالله، وبما يرضى به الله، وقد تراه راكعا ساجدا لله، كما قد تراه عاملا ساعيا يبتغي الفضل من الله، ويكسب رزقه بعمله مع تعلّق قلبه بربه، لا يلهيه عن ذلك شيء رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: 37] فهو إذا ذكر الله لا يحمله ذلك على ترك الدنيا والعمل فيها، وهجر أهله وعياله، وإذا قام بعمل الدّنيا لا ينقطع مع ذلك عن ذكر الله بقلبه، وتحرّي مرضاته في كلّ ما يعمله.
ألم يأتكم نبأ المسلمين وهم يقاتلون الرّوم في بلاد الشام؟ إنّ العدو أرسل عيونا يتجسّسون له أحوال المسلمين في معسكرهم، ولما عادوا إلى قائدهم قالوا: لقد رأينا عجبا، «إنهم بالليل رهبان، وفي النّهار فرسان» «1» .
إخواني! اليوم آخر عهدي بكم في هذه المحاضرات. وكنت أحسبني قادرا على أن أصف لكم رسول الإسلام ورسالته وصفا كاملا، وإني سأوفيهما حقهما مبينا سيرة الرسول الطاهرة ومناحيها المختلفة في هذه المحاضرات الثمان، وهاهي ذي المحاضرة الثامنة قد انتهت، وفرغت الآن من إلقائها، ولكن الرسالة المحمّدية قد بقيت منها نواح لم أوفّها حقّها من البيان.
اللهمّ صلّ على محمّد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
(1) قول أسير روميّ في وصف المسلمين أمام هرقل، [البداية والنهاية، ج 7، ص 52] .
فهرس الموضوعات
مقدمة الكتاب 5
ترجمة العلامة سيد سليمان الندوي 9
مقدمة المؤلف 13
المحاضرة الأولى: سيرة الأنبياء هي الأسوة الحسنة للبشر 15
خصائص النبات أكثر من خصائص الجماد فواجباته أكثر، وخصائص الحيوان أكثر من خصائص النبات فواجباته أكثر، ومدارك الإنسان أرقى فواجباته أعظم 16
مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه 20
حكمة إرسال الله الرسل للبشر 22
الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيره 23
خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم 29
ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء 31
إن الهداية والدعوة لا تثمر وتبقى إلا بالقدوة والأسوة 34
المحاضرة الثانية: السيرة المحمدية هي العامة الخالدة 37
امتياز محمد صلى الله عليه وسلم كان شاهدا ومبشرا ونذيرا 38
السيرة المحمدية هي السيرة التاريخية 40
سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخية 41
سيرة بوذا ليست تاريخية 43
الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن بوذا 43
شكوك العلماء المحققين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل 44
الكلام على الأناجيل من ناحية التاريخ 45
ليس في أصحاب الدعوات من يمكن التأسي به إلا محمد صلى الله عليه وسلم 46
ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى 48
شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض 50
الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه 51
الحسنات السلبية والحسنات الإيجابية 57
اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية، وجامعة، وكاملة، وعملية 58
المحاضرة الثالثة: السيرة المحمدية من الناحية التاريخية 60
امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبوية وتراجم الصحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين 61
عناية الصحابة بحفظ الحديث النبوي وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين 62
الكلام على التابعين، وأساتذتهم من الصحابة 63
المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث والكلام على الحفظ والكتابة 67
كتابة الحديث في العهد النبوي 69
التابعون الذين دونوا الحديث 79
جمع الحديث له ثلاثة أطوار 80
علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم 82
ستة مصادر لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه 83
كتب السيرة المحمدية تعد بالألوف 87
مرجليوث أشد المستشرقين تحاملا على الإسلام 87
اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية 88
السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين 90
المحاضرة الرابعة: السيرة المحمدية من ناحية كمالها وتمامها وإحاطتها بشؤون الحياة البشرية 91
لا تكون حياة أحد كاملة إلا إذا كانت معلومة للناس، وحياة محمد صلى الله عليه وسلم من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة التفاصيل بجميع دخائلها 92
مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد صلى الله عليه وسلم من جليل ودقيق 94
كلمتا المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد صلى الله عليه وسلم 95
تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه صلى الله عليه وسلم 95
استقصاء ابن القيم في زاد المعاد كل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة وشؤونه اليومية 97
إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفظ 99
كان الرسول صلى الله عليه وسلم معروف الدخائل لأعدائه أيضا، فلم ينقلوا عنه إلا خيرا 101
شهادة أبي سفيان قبل إسلامه للنبي صلى الله عليه وسلم عند هرقل 103
رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول فاتبعوه وهم على بينة 104
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته 106
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والذين قبله 106
سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام 110
المسلمون لا يحتاجون من خارج دينهم إلى أصول وضوابط 111
المحاضرة الخامسة: السيرة المحمدية من ناحيتها الجامعة 113
الأديان الآخرى تتحرى أقوال أنبيائها والمسلمون يتحرون أعمال نبيهم 114
حياة محمد صلى الله عليه وسلم جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به 116
انتباه أحد البراهمة لهذه الناحية من الحياة المحمدية 119
ما أعطى الله الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم وحده 123
مقارنات بين النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء 124
مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم كانت جامعة للطوائف وعامة للأمم 128
استعراض نماذج من تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم 131
إن العالم لا تتم هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا 145
المحاضرة السادسة: الناحية العملية من السيرة المحمدية 146
كيف نتبع الرسول وفيم نتبعه؟ 147
مقارنة بين نتائج عظة جبل الزيتون، ونتائج دعوة جبل الصفا 148
ما شهد به لمحمد صلى الله عليه وسلم أقرب الناس إليه وأعرفهم به 151
كان صلى الله عليه وسلم أول من يعمل بما يأمر الناس به 153
مقارنة بين عظة «أحبوا أعدءكم» ومعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأعدائه 164
مقارنة بينه صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام 175
المحاضرة السابعة: رسالة رسول الإسلام إلى جميع الأنام 177
ما هي السيرة الكاملة الجامعة في الرسول، وماذا بلغ عن ربه 178
كفالة الله حفظ الرسالة المحمدية لأنها رسالة الحاضر والمستقبل 179
الإسلام أول رسالة عامة في تاريخ الإنسانية 180
الدين إيمان وعمل، ولم يجتمعا إلا في الإسلام 182
مقارنات بين رسالة الإسلام والرسالات الآخرى 183
مقارنة بين الوصايا العشر والآيات من سورة الإسراء 183
عناية الشرع المحمدي بكرامة الجنس البشري ومكانته من سائر المخلوقات 188
الرسالة المحمدية عرفت الناس بأقدارهم وأنزلتهم منازلهم 190
الإسلام وحقيقة التوحيد 191
فطرة الإنسان في الإسلام بريئة في الأصل ولم يولد آثما 193
الدين والفطرة كلمتان لمدلول واحد 193
الناس سواسية في الإسلام، والدنيا كلها لله وحده 194
الإسلام سوى بين جميع الأنبياء ودعا إلى الإيمان بهم جميعا 195
دين الله بين الذين غلو في الأنبياء والذين فرّطوا فيهم 197
المحاضرة الثامنة: السيرة المحمدية من الناحية العملية 200
فساد الأديان السابقة بسبب التشبيه وتجسيم الصفات الإلهية 201
فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات 204
فساد الأديان بسبب تعديد أهلها الفاعل بتعدد أفعاله 206
منشأ الخير والشر حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها 207
الهدى والضلال بما كسبت أيدي الناس 208
تعبد الضالين بتعذيبهم أنفسهم 209
التضحية والأضاحي والقربان 212
النفوس ملك لله، فليس للإنسان أن ينتحر أو يحدد النسل 213
قضاء الإسلام على نظام الطبقات، وعلى التفاضل بالمال والنسب واللون 214
من أعظم الجرائم فصل الدين عن الدنيا 217
الإسلام إيمان بالحق وعمل به 218
فهرس الموضوعات 222