الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه؛ فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفذوا سعيهم؛ ليقفوا على دخيلة من دخائله، وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه، فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف، ولا ما يندّد به. وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه: إنه سلّ سيفه للقتال، وإنّه كان كثير الأزواج، وقد تبين لكم مما سلف أنّ حياته الطاهرة التي فصّلنا حقيقتها تفصيلا، وأحطنا بجوانبها علما، هي حياة العصمة من كلّ نقص، البريئة من كلّ عيب، فأين هذا من حياة لا نعلم عنها شيئا، ولا تزال نواحيها ووجوها سرّا في ضمير الزّمن؟!
كان الرسول صلى الله عليه وسلم معروف الدخائل لأعدائه أيضا فلم ينقلوا عنه إلا خيرا:
إخواني! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر: إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقض حياته كلّها بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق وإخلاف الوعد. وإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالما نقيا، لم يصبه شيء مما يصيب عامّة الناس، حتى لقد دعوه «الأمين» . وإنّ قريشا بعد بعثته وادّعائه النّبوّة كانوا يودعون عنده ودائعهم، وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنّه صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة خلّف فيها عليّا ليردّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلا إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه، وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلّي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسمّوه ساحرا، ودعوه شاعرا، وفنّدوا آراءه، وسخّفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئا في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب
إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمّة، أو نقض العهد. وإنّ من ادّعى النبوّة، وقال: إن الله يوحي إليه؛ فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوىء الأعمال. ألم يكن يكفي قريشا في ردّهم على الرسول أن يذكروا أمورا عمل فيها الرسول بغير الحقّ، وأن يشهدوا عليه بأن أخلفهم وعدا، أو خانهم في أموالهم، أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إنّ قريشا أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنّهم لم يستطيعوا أن يدنسوا ذيله الطّاهر، ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه.
وكانت أحوال الرسول وشؤونه وهديه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يخف عليهم شيء من أمره.
كان عظاماء قريش مجتمعين ذات يوم في ناديهم، فجرى ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيهم النضر بن الحارث «1» وكان رجلا داهية محنّكا، وعالما بالأخبار، فقال لهم: يا معشر قريش! لقد أعياكم أمر محمد، وعجزتم عن أن تدبروا فيه رأيا لما أصابكم به. إنّ محمدا قد نشأ فيكم حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان أحبّ الناس إليكم، وأصدقهم فيكم، واتخذتموه أمينا، فلما وخطه الشيب، وعرض عليكم هذا الأمر قلتم ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون. تالله لقد سمعت كلامه فليس فيه شيء مما ذكرتم!
وأبو جهل كان أشدّ الناس عداوة للرسول، وقد قال له ذات يوم:
يا محمد إنّي لا أقول: إنّك كاذب، لكني أجحد الذي جئت به، وما تدعو إليه. فأنزل الله هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33]«2» .
(1) هو النضر بن الحارث بن علقمة، كان من شجعان قريش ووجوهها، وهو ابن خالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهلية، وآذاه كثيرا، شهد «بدرا» مع مشركي قريش، فأسره المسلمون، وقتلوه.
(2)
قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إنّ محمدا لصادق، وما كذب محمّد قط، -