الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح
لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام ولم يكن هناك وجود للشرك على الصحيح.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن، ثم بعده ولده مهلائيل، فلما مات قام بالأمر ولده يرد.
ومما يذكره المؤرخون من الأحداث في هذه الفترة ما يلي:
قالوا: إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قُبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها.
وقالوا: فيما يرونه عن ابن عباس بسند فيه ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح: بأن ابن عباس قال: في زمان يَرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
فلما حضرت يرد الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ ـ وهو إدريس عليه السلام على المشهور ـ قال ابن كثير: (وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث
عليهما السلام)، قال تعالى:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية، وهو خنوخ هذا، وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب، وكما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة ـ وفيه التصريح بالنبوة ـ.
ثم أرسل الله نوحًا عليه السلام، وهو النبي الثالث الذي ذكره الله في القرآن بعد آدم عليه السلام، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ ـ الذي هو إدريس ـ ابن يرد بن مهلائيل بن قينن بن آنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام.
وهو أول الرسل كما في حديث الشفاعة المشهور؛ حيث ورد فيه ((يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض)). وكما جاءت الآية التي تكلمت عن الرسل بتصديره؛ مثل قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وهكذا جاء ذكره في مواضع مدحه جل وعلا النبيين والمرسلين، كما قال
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).
وبالجملة: فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلال والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض ـ كما يقوله أهل الموقف يوم القيامة ـ وقد ذكرت قصة نوح في عدة سور من القرآن، منها الأعراف، ويونس، وهود، والمؤمنون، والشعراء، وسورة نوح.
شرك قوم نوح:
ذكر الإمام ابن جرير الطبري فيه ثلاثة أقوال:
1 -
كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله؛ من ركوب الفواحش، وشرب الخمور، والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عزوجل.
2 -
كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين.
3 -
أما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان، وهو الصحيح من هذه الأقوال، وبقية الأقوال إنما هي مجرد ظن وتخمين من المؤرخين؛ فإن قوم نوح في الواقع كانوا قد أحدثوا الشرك وعبادة الأصنام، وكانوا يدعون ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وذلك أن الله عزوجل يقول مخبرًا عن نوح:(قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا
مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا).
وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية قال: هذه (أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت)).
قوله: (فلم تعبد) أي الأصنام. (حتى إذا هلك وتنسخ العلم عُبدت) و (تنسخ) من نسخ أي زال. وللكشميهني [نسخ العلم] أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله، حيث اندرس العلم الذي من أجله صوروهم في معابدهم؛ وهو كثرة العبادة والحث عليها اقتداء بهم.
قال ابن القيم رحمه الله: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم).
فثبت أن أصل الشرك في بني آدم ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ
(كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمِين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عَبَدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح).
ولهذا جاء في كتاب (مجموعة التوحيد): (إن العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان).
كما جاء في كتاب صيحة الحق: (إن أصل عبادة الأوثان والأصنام عند جميع الأمم هو نُصُبْ وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم، فالعرب واليونان والرومان والمصريون والفرس والهنود والصينيون هؤلاء كانت الآلهة التي أخذوها وأوثانهم التي عكفوا على عبادتها أصلها نصب وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم؛ لتذكرهم بما كانوا يوصونهم به من الفضائل والخلق الكريم، فلما بعد العهد بهم خلف من بعدهم خلق نسوا ذلك الغرض، واتخذوها آلهة تعبد وتقرب إلى الله وتشفع عنده).
هكذا نسي الناس عهد الله، وخرجوا عن ملة التوحيد التي هي فطرة الله، ولم يبق في الأرض يومئذ من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، فأرسل الله إليهم نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى الله عزوجل، وينذرهم عقابه إن استمروا على عبادتهم لتلك الآلهة المزعومة والباطلة، وطالت دعوته لهم ومقامه بينهم، وهو لا يفتأ يدعوهم ويذكرهم بالليل والنهار، سرًا وعلانية، ولكن لم يستجب لنوح عليه السلام في ذلك المدى الطويل إلا نفر قليل من قومه، مع
وضوح دعوته وظهور حجته وطول مثابرته، وأوحى الله عزوجل إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يعملون، وأمره أن يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، وأن يحمل فيها من كل نوع من الدواب والحيوانات زوجين اثنين ـ الذكر والأنثى ـ، وأن يركبها هو والمؤمنون معه وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. قال تعالى في بيان نتائجهم:(فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ).