الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام
قوم إبراهيم عليه السلام:
ثم بعد أن تطاولت الأزمان أرسل الله رسوله إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، وقد جاءت قصة هذا النبي الكريم في الترتيب القصصي للقرآن بعد قصة صالح عليه السلام، فقد جاء في سورة براءة قوله تعالى:(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، وفي سورة فاطر:(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).
ويعتبر إبراهيم عليه السلام ابتداء عهد جديد للتوحيد؛ فكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته، وابن أخيه لوط عليهم السلام، فلنتعرف على إبراهيم من هو؟ وإلى من بُعث؟ وكيف كان شرك قومه؟ وكيف عالجه إبراهيم عليه السلام؟ وفيما يلي بيان ذلك باختصار:
1 -
التعريف بإبراهيم عليه السلام:
هو إبراهيم بن آزر ـ أو تارخ ـ بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
وقيل: هو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والمكان الذي ولد فيه.
فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: أنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة في جبال قاسيون، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء من ناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل. وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وهو الذي صححه ابن كثير، ورواه عن ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة، بأنه ولد إلى أرض الكلدانيين ـ يعنون أرض بابل ـ.
واختلف المؤرخون في اسم أبي إبراهيم هل هو آزر أم تارح؟
والصحيح أن اسمه آزر، لقوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (74)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة
…
)) الحديث.
وقال ابن جرير رحمه الله: والصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم، وقال ابن كثير:(هذا الذي قاله ـ ابن جرير ـ جيد قوي. والله أعلم).
2 -
بيان من أُرسل إليهم إبراهيم عليه السلام:
سبق ذكر اختلاف المؤرخين في مكان ولادته، ولعل منشأ هذا الخلاف: وجود الروايات على أن إبراهيم عليه السلام قام بدعوته في أرض الكلدانيين، كما أنه قام بدوره في أرض الكنعانيين، وكما يدل بعض الروايات على أنه بلّغ رسالته في أهل حران، وكان النبي يُبعث إلى قومه، فاختلف المؤرخون في مكان ولادته لما رأوا تعدد أماكن دعوته، ولكن الصحيح: أنه ولد بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والها، ثم ارتحل إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقام بحران، وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا.
شرك قوم إبراهيم عليه السلام:
قوم إبراهيم عليه السلام: هم الصابئة.
لقد وجد في هؤلاء القوم نوعان من الشرك؛ وهما الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، أما الشرك في الربوبية: فقد ادعى الربوبية ملكهم ـ
نمرود بن كوش ـ وهو أحد العبيد الضعفاء ـ، قال تعالى في حكاية مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} .
وأيضاً: كان من شركهم في الربوبية: اعتقاد تأثير بعض الأشياء بخفاء مما لا يعلم له سبب ظاهر، فإن هذا النوع من الشرك إنما حدث أول مرة في الكلدانيين ـ الذي كانوا يعتقدون تأثير الكواكب في السفليات ـ كما سيأتي:
وأما أصل شركهم فكان بعبادة الكواكب والشمس والقمر، وكان في بابل مع هذا: عبادة الأصنام، فكانوا يعبدون الحجارة الصماء والثماثيل البكماء، وكان أهل حران يعبدون الكواكب السبعة في عهده عليه السلام، فدعا أهل بابل إلى عبادة الله وحده، ثم انتقل إلى حران.
قال ابن كثير: (ثم ارتحل إبراهيم وأهله قاصدين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين؛ يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون له أعيادًا وقرابين، ولهذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام. وكل من كان على وجه
الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط، وكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذلك الضلال).
وكان قوم إبراهيم ـ أهل بابل ـ ينحتون من الخشب والحجارة، ويصورونها ويجعلونها أصنامًا، كما بيَّن الله سبحانه وتعالى في كتابه حكاية عن إبراهيم:(أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)، وقوله تعالى:(إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)، وقوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً)، وقال:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لابِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42).
والمقصود: أن في زمان إبراهيم كان الناس يعبدون الكواكب كما كان الناس في زمن نوح يعبدون تماثيل الصالحين، لكن الناس في عهد إبراهيم عبدوا الأصنام والكواكب.
وذكر الرازي السبب الذي دعا الناس إلى عبادة هذه الأجرام السماوية، فقال: (إن الناس رأو تغييرات أحوال هذا العالم مربوط بتغييرات الكواكب، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا أن ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من قال: إنها أشياء واجبة الوجود لذاتها، وهي التي خلقت
هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، ولكنها خالقة لهذا العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصنامًا وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العلوية ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب، وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب).
وذكر الله تعالى مناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه من عباد الكواكب، وبيَّن إبراهيم عليه السلام لهم أن هذه الأجرام السماوية المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله عز وجل؛ لأنها مخلوقة مدبَّرة تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عنه خافية، قال تعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37).
وقد كانت مواقف إبراهيم عليه السلام مع قومه متعددة، فتارة يحاج والده، وتارة يحاج الجمهور، وتارة يحاج الملك، وتارة يفعل ما يستفزهم به إلى محاجته، كتكسير الأصنام ليكلموه في شأنها، إلى أن أوقدوا النار لتحريقه، فنجاته منها بعد أن ألقي فيها، فهجرته.
فإنه بعد أن جهد الجهد كله في سبيل هداية قومه، وبعد أن حاول أن
يقنعهم بكل وسائل الإقناع، لم يحل من قومه بطائل، وجفاء قومه، وألقوه في النار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا عليه، وهدده أبوه بأن يرجمه إذا استمر على جحد الأصنام، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجته سارة ولوط بن هاران ابن أخيه، فتبرأ إبراهيم من أبيه، ولم يطلب له المقام بين أهله وقومه، فذهب إلى ديار الكلدانيين، ثم حران، ثم رحل إبراهيم بعد ذلك إلى فلسطين غريباً ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، كما قال تعالى:(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وسكن إبراهيم عليه السلام ولوط عليه السلام في تلك الأنحاء وكانت أرض الكنعانيين، ولكنه لم يطل المقام، بل انتقل إلى مصر، وذلك في عهد جبار من الفراعنة، فأظهر أن التي معه أخته، وأراد الملك أخذها زوجة ولكنه فشل ـ بفضل الله وبعونه ـ، بل زيادة عليه أخدمها هاجر، فأعطتها لإبراهيم، فلما دخل بها أتت منه بغلام هو إسماعيل عليه السلام، فأسكنه إبراهيم عليه السلام عند بيت الله المحرم، ثم عاد يسكن بالشام.
بيان مذهب الصابئة:
فيما يلي بيان مذاهب الصابئة؛ حتى يتضح موقف إبراهيم عليه السلام وبيان ما كان عندهم من أنواع الشرك.
هذه المذاهب كانت في القديم من أعظم الأديان انتشارًا في العالم، وكان منشؤها العراق وكعبتها حران، وهي في الأصل دين الكواكب السبعة والاثني عشر، ولتلك الكواكب هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار يصورون
فيها تلك الكواكب، ولهم زيادة على ذلك هيكل ثامن يسمونه هيكل العلة الأولى، وهم خمس فرق:
1 -
ما يسمى بالصابئة المعتدلة:
وهم الذين يسوون بين الأديان، ويقتبسون الفضائل ويلتزمون الحدود، ويحرمون المحرمات، ويؤمنون ببعض بشارات الأنبياء، ويتشددون كثيرًا في الطهارات، وهي طهارة البدن والثياب.
2 -
الصابئة المنكرون: وهم الذين لا يدينون بشيء في هذا الكون، وإنما يؤمنون بوجود الصانع الحكيم.
3 -
الصابئة المشركة: وهي أقدم فرق الصابئة، يقولون: إن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والبشر مفتقر إلى معرفته افتقارهم إلى طاعته وأوامره، ومحتاج في ذلك إلى متوسط يتقرب به إلى غير جسماني، لأن الوسائط الجسمانية بشرية تنتابها الأعراض، خاضعة لأحكام المادة.
أما الوسائط الروحانية المقربة لديه فيجب أن تكون مقدسة .. وتسمى الوسائط أربابًا، وآلهة، ووسائل، وشفعاء عند الله رب الأرباب وإله الآلهة.
ويقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية جرمًا سماويًا، وهو هيكله، فهو مدبره والمتصرف فيه، وقالوا: لا سبيل إلى الروحاني بعينه، فأوجبوا التقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان، وقالوا عن الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمريخ، والشمس، والقمر، والزهرة، وعطارد: هي
قوة مدبرة لهذا العالم تصدر أوامرها إلى الملأ الأعلى. فنصبوا لها الأصنام على صورها، وأقاموا لها الهياكل وعكفوا على عبادتها.
قال ابن القيم: (والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشرة، ويصورونها في هياكلهم، ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود، فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشتري، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطارد، وهيكل لزحل، وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة، ويصورونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصها، ويقربون لها القرابين، ولها صلوات خمس في اليوم والليلة نحو صلوات المسلمين).
وقالوا: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية؛ حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الرواحنيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا، وإلههم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات، من الصلوات والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة.
قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا.
والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم؛ أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله.
الثاني: الإيمان برسله، وما جاؤوا به من عند الله، تصديقًا وإقرارًا وانقيادًا وامتثالاً. وليس هذا مختصًا بمشركي الصابئة ـ كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات ـ بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات
…
.
وهم قوم إبراهيم عليه السلام، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه. وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود
والدعاء.
ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع، وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون، ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تحري الصلاة في هذه الأوقات؛ قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.
وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنعًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل يجره أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.
ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب، وروحانيتها بزعمهم؛ وبنوا لها هياكل ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه.
4 -
أما الصابئة الحنفاء: فهؤلاء يرجعون في الدين إلى الاعتقاد بأن البشر محتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في
الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية، ويمتاز عنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقن الإنسان بطرف البشرية.
ولهم عبادات من الصلوات والصيام مثل ما يفعله المسلمون، ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها؛ وهي: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، ويعظمون بيت مكة، ويفرضون الحج إليها، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس عليه السلام، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ويسمونه عندهم: ملك العرب.
فهؤلاء هم الحنفاء منهم، فقيل: انقرض دورهم، وإنما الذين بقوا من الصابئة غير هذه الطائفة، خصوصًا منهم: الصابئة المشركة. قال أبو محمد ابن حزم: (وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه، فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون: الحنفاء).
وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، وأصل دين هؤلاء ـ فيما زعموا ـ أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم،
ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولاً وعملاً، ولهذا سموا صابئة؛ أي خارجين، فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق، وكانت كفار قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ، وأصحابه: الصبأة.
والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا أنهم على صواب.
وقد ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه في بطلان ما يعبدون من دون الله بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت، فقال بعد أن بيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفوالها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب أو يأفل، بل لا يكون إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه، وذلك ليس إلا لله وحده، فكل معبود سواه باطل.
فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، قال:(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
5 -
أما الصابئة الفلاسفة: فهم طائفة كانوا لا يعتقدون بشريعة معينة، ولا يلتزمون مذهبًا خاصًا، بل يؤمنون بروحانية الكواكب فقط، ويأخذون بمحاسن ما دلت عليه العقول ـ بزعمهم ـ سواء وافق الأديان أم لم يوافقها، وهي تعرف الدين بأثره، فإن أورث السلامة والرحمة والكف عن الأذى فهو الحق، وإن أورث الفساد والظلم فهو باطل.
قال ابن القيم: (وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون من كل دين ـ بزعمهم ـ محاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك). وهم ـ الدهرية ـ الذين يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر، ففشت هذه العقيدة عن طريق هؤلاء الفلاسفة، وهو تعطيل المصنوع عن الصانع.
قال ابن القيم: (والمقصود: أن الصابئة فرق؛ صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل، من غير تقيد بملة ولا نحلة، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة، ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلاً، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلاً) فهذا هو حقيقة الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام.