الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى عليه السلام
قوم عيسى عليه السلام:
قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون).
وقال تعالى: (أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)، وقال تعالى:(إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ).
فهذا هو عيسى ابن مريم الذي حكاه الله عز وجل لنا في كتابه الكريم، وفيه تعريف شامل لعيسى ابن مريم، الذي لا مجال للشك والخلاف فيه.
فهو ليس بإله ولا ابنه، بل هو عبد من عباده جعله مثلاً لبني إسرائيل:(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)، وقال تعالى:(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وهو الذي حكاه الله عز وجل عن عيسى عليه السلام بأنه قال:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
فهذا ما ذكر لنا القرآن من تعريف عيسى عليه السلام، ومما تعرفنا عليه من خلال هذه النصوص:
أن عيسى ابن مريم عليه السلام هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو آخر أنبياء الله ورسله من بني إسرائيل؛ كما أن آخر الأنبياء والرسل من بني الإنسان جميعًا محمد صلى الله عليه وسلم، ذُكر اسمه في القرآن بلفظ
المسيح تارة، وبلفظ عيسى، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى.
أما مريم عليها السلام فقد ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان عمران أبو مريم رجلاً عظيمًا بين العلماء في بني إسرائيل، وقد حملت زوجته فنذرت أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررًا لخدمة الدين، فلما وضعتها رأتها أنثى فسمتها مريم.
وعيسى عليه السلام يمثل آخر طور من أطور الديانة الإسرائيلية، وقد جعله الله عز وجل هو وأمه آية في ولادتهما ونشأتهما؛ حيث كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت قد فقد الروح الديني الصحيح، وجمد على الطقوس والمراسيم وأشكال العبادة، وأكبَّ على الدنيا والمادة، وارتكب الجرائم المروعة التي أشار إليها الله عز وجل في القرآن الكريم في سورة النساء بقوله:(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، وقوله قبل ذلك:(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً).
وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية، عاصية؛ تارة يعبدون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يقتلون النبيين بغير حق، وتارة يستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل، فلُعنوا أولاً على ليسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما
هو معروف عند أهل الملل كلهم.
وكان قد دخل فيهم داء التعطيل، فإنهم في زمن موسى عليه السلام كانوا على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن توفي موسى عليه السلام، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقدموا على علوم المعطلة ـ أعداء موسى عليه السلام وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم. والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم
…
.
فأراد الله سبحانه أن يهز في هذا الشعب ما جمد من عواطفه ويحرك فيه المعاني الروحية التي نسيها، فأجرى له ثلاث آيات كبار جاءت متتابعة متقاربة؛ الأولى: في ولادة مريم عليها السلام، وكانت أمها حنة (أو حمنة) عقيمًا لا تلد، فنذرت إن رزقها الله بولد لتهبنه لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها أسفت لكونها أنثى لا تصلح للخدمة، وقالت ـ تعتذر إلى الله ـ:(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولكن الله قبلها منها وأنبتها نباتاً حسنًا، فذهبت إلى العلماء في بيت المقدس وألقتها بين أيديهم وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا في كفالتها، ولكن الله كفّلها زكريا عليه السلام؛ لأن خالتها كانت تحته، وقد جعلها زكريا في محراب المسجد، فكان كلما
دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فأطمع هذا زكريا عليه السلام في أن يرزقه الله الولد ولو في غير أوانه، فدعا ربه بهذا الدعاء الضارع الذليل، متوسلاً إلى الله بأحب الوسائل إليه؛ وهو إظهار الضعف والافتقار إليه، والرغبة إليه وحده، فقال:(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).
فما فارق زكريا المحراب حتى نادته الملائكة مبشرة له بأن الله قد وهبه يحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين، وعجب زكريا من أن يكون له غلام على كبر سن منه وعقم من زوجه، فقيل له:(كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وطلب آية تدل على حمل امرأته، فقيل له:(آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وولد له يحيى وشب على الطهر والاستقامة، وكان آية في ورعه وزهده وطاعته لربه وبره بوالديه، وآتاه الله العلم والحكمة، ومنّ عليه بالرسالة، فهذه آية ثابتة في بني إسرائيل.
أما الثالثة: فكانت ولادة عيسى عليه السلام، قال تعالى في ذكر أروع وأصدق هذه القصة في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ
أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، إلى أن قال:(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل رسولاً، وقد خلت من قبله الرسل، وجعله آية للناس؛ حيث خلقه من غير أب، إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته سبحانه؛ حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة؛ فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى. وأتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته؛ فأحيي الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين، مصدقًا لمن كان قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده.
وقد ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم دعوته إلى التوحيد وكونه من الرسل في غير ما آية، فقال في معرض الرد على النصارى في ادعائهم بنوة عيسى عليه السلام، وفي قولهم: إن الآلهة ثلاثة، أنهم غيروا رسالة عيسى وخالفوا دعواته، فإنه ما دعاهم إلا بما كانت الرسل قبله تدعو إليه من توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة، قال تعالى:(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وقال أيضاً: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
وقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
ويحكي الله عز وجل لنا في سورة المائدة صورة لما سيكون يوم القيامة حين يسأل عيسى عليه السلام عما يقوله النصارى من أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم الرصين:(سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
هكذا في كل موضع من هذا المواضع يؤكد القرآن الكريم براءة عيسى عليه السلام مما نُسب إليه، ويقرر أنه ما كان إلا واحدًا من هؤلاء الرسل الذين بُعثوا بالدعوة إلى التوحيد وإبطال عبادة الطاغوت.
فالمسيح هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، بعث لإرشاد الضالين من بني إسرائيل، فجدد لهم الدين وبيَّن لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فطهره الله تعالى منهم ورفعه إليه، فلم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة.
بدء الانحراف والشرك في قوم عيسى عليه السلام:
بعد وفاة المسيح بحوالي سبعين سنة، أسلم أحد الوثنيين اسمه بولس ـ نفاقًا على ما يظهر ـ وكان قبل ذلك يضطهد النصارى ويظلمهم ويقتلهم شر قتله، فما أن أظهر إسلامه إلا جاء بأقوال لم يسبقه إليها أحد، فمنها:
1 -
الدعوة إلى التثليث.
2 -
الدعوة إلى ألوهية المسيح، وألوهية الروح المقدس.
3 -
اختراع قصة الفداء للتكفير عن خطيئة البشر.
4 -
جعل يوم الأحد مقدسًا عند المسيحيين؛ بحجة أنه قام فيه من القبر، بدلاً من السبت الذي كان مقدسًا عند اليهود.
5 -
جعل التشريع حقاً للرؤساء الروحانيين، بعد أن كان للأنبياء والرسل.
6 -
أعلن بنسخ التوراة؛ لما وجد مقاومة شديدة من اليهود والمسيحيين على السواء، وذلك تمهيدًا لإدخال الوثنية والوثنيين في المسيحية؛ لأن التوراة كانت حاجزًا قوياً في طريق بولس، وأعلن أمام الوثنيين بأن الإيمان بالمسيح يكفي للنجاة، وانطلاقًا من نسخه التوراة استطاع بولس أن يلغي كثيرًا من الأحكام كانت معروفة لدى اليهود والمسيح نفسه. منها حكم الختان، فألغى حكم الختان، كما أباح للمسيحيين الجدد الداخلين في دينه أكل لحم الخنزير، وكان محرمًا في الشريعة الموسوية، وكان قبل هذا عندهم بقايا من دين المسيح؛ كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمه التوارة إلا ما أحل لهم بنصها، ولكن لما أعلن نسخ التوراة استطاع بموجبه إدخال ما أراد من الوثنية في الديانة المسيحية.
ولكن بولس فشل في إقناع المسيحيين الخُلَّص بهذه العقائد، وفشل في إقناع الشرقيين من اليهود والنصارى على السواء؛ وذلك لوجود بعض الحواريين وأتباعهم وشدة تمسكهم بما أرشدهم إليه المسيح عيسى عليه السلام. ولكن بولس لم يتغير عن موقفه، بل جاء بعقيدة أخرى؛ حيث توجه إلى الأقطار الأوروبية وأحدث فكرة جديدة في المسيحية، وهي:
7 -
عالمية المسيح، بينما كانت دعوة المسيح لليهود خاصة.
8 -
أن عيسى عليه السلام إنما صُلب تكفيرًا لخطايا البشر.
9 -
قيامة عيسى عليه السلام من الأموات، وأنه صعد وجلس عن يمين الله.
وهذه المبادئ التي جاء بها بولس قد ردها النصارى أولاً ولم يقبلوها، فقد صرح هو في رسالته الثانية إلى تيموثاوس:(إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني)، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح عليه السلام.
واستمر الحال على إنكار هذه المبادئ ـ إلا من شذ منهم من الرومان واليونان وخاصة في غرب أوروبا؛ حيث كانت الغلبة للوثنيين فناسبتهم في أفكارهم فأخذوا بها ـ أما الذين كانوا في آسيا وفي الموضع الذي أرسل فيه المسيح فكانوا على إنكار هذه المبادئ نحو ثلاثمائة سنة ـ كما سبق ـ.
ولكن بعد هذا أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، ولما آل الأمر إلى هذا الحد اجتمعت النصارى في عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن؛ يلعن بعضهم بعضًا، حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار، فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.
وذلك في سنة 325 من الميلاد؛ حيث اجتمع لديه النصارى القائلين بالتثليث، والنصارى الذين كانوا على القول الصحيح في شأن المسيح مثل آريوس وأتباعه، ولكن الملك جنح إلى القائلين بالتثليث لما وافق ذلك وثنيته السابقة عنده، وقرروا فيه ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر ـ كما تقدم بيان ذلك فيما أحدثه بولس ـ. وبذلك أصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.
الشرك في قوم عيسى عليه السلام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والنصارى يغلب عليهم الشرك
…
).
وقال أيضاً: (فإن النصارى شر منهم ـ اليهود ـ فإنهم أعظم ضلالاً وأكثر شركًا
…
).
وقال: (ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله، أضلهم عنه
…
).
وقال الإمام ابن القيم: (أساس دين النصارى قائم على شتم الله، والشرك به).
وقال أيضًا: (إن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه
…
).
فما هي هذه الأمور الشركية في هذه الأمة؟
لقد وجد فيهم أنواع من الشرك، وهي ما يلي:
1 -
القول بالتثليث، والمراد بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس:(إله واحد، الأب والابن والروح المقدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد، متساوين في القدرة والمجد).
ويفسرون هذه العقيدة بقولهم: إن تعليم الثالوث يتضمن:
أ- وحدانية الله.
ب- لاهوت الأب والابن والروح المقدس.
ج- إن الأب والابن والروح المقدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.
د- إنهم واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.
هـ- إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضًا في الوظائف والأعمال.
و- إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه. وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وإن بعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس.
ويتضح منها أنهم يقولون:
إن وحدانية الله وحدانية حقيقية، وكذلك تثليثه، أي أنه ثلاثة حقيقة؛ أي ثلاثة أشخاص وفي نفس الوقت يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت متساوون في قدرتهم ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.
يقال لهم: (هذا في الواقع جمع بين الضدين، فالوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد، بل هما ضدان لا يجتمعان، كالسواد والبياض).
قال شيخ الإسلام: (وقوم غلوا فيه ـ أي عيسى ـ وزعموا أنه الله أو ابن الله، وأن اللاهوت تدرع الناسوت
…
جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن الواحد منها أقنوم الكلمة، وهي العلم، هي تدرعت الناسوت البشري، مع العلم بأن أحدهما لا يمكن انفصاله عن الآخرين، إلا إذا جعلوه ثلاثة إلهات متباينة، وذلك مما لا يقولونه).
والنصارى يعتقدون اجتماعهما، مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.
فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها، ومنهم من شبهها بالشجرة، فإن لها أصل وهي الجذور والساق والورق.
ومنهم من يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها.
وهذه التشبيهات ليس فيها ما يمكن أن يكون مطابقًا لدعوى النصارى في التثليث؛ لأن جميع هذه الأشياء إما أن تكون ذاتًا واحدة لها أجزاء وأبعاض، أو صفات وآثار، بخلاف دعواهم في التثليث؛ فإنهم يقولون: هم ثلاثة حقيقيون ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، بخلاف تشبيههم له بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم، بخلاف دعوى التثليث، الذي يزعمون فيه أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، ولهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث. و (أنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها).
والمقصود: أنهم وقعوا في الشرك بقولهم التثليث، وهو شرك في الربوبية؛ حيث جعلوا الرب مركبًا من هذه الأشياء، وحيث تنقصوا الخالق سبحانه وسبوه ورموه بالعظائم، وحيث زعموا أنه سبحانه وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا ـ نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويحمل على
الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوافي وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلاً من الشوك، وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام، وهذا وهو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له، ولهذا قال تعالى:(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).
وقال الله تعالى: ((شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد
…
)).
قال ابن القيم: (وبالجملة: فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر رضي الله عنه: ((إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر)). وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه، وقال ((لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح سب))).
ومن شركهم في الربوبية في هذا الباب: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له.
ومن شركهم في الربوبية: تشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن،
وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء حتى صارا حقيقة أخرى ـ تعالى الله عز وجل عن إفكهم وكذبهم ـ.
ومن شركهم في الربوبية: اتفاهم بأسرهم على أن اليهود أخذوه وضربوه وطعنوه بالحربة وصلبوه وقتلوه حتى مات، وتركوه مصلوباً حتى التصق شعره بجلده، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره.
كل هذه الأشياء شرك في الربوبية؛ حيث إنها تشبيه المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق الذي هو أصل الشرك ـ كما مر معنا مراراً ـ.
ومن أنواع الشرك فيهم:
2 -
قولهم بالصلب والفداء، وفيه أيضًا شرك في الربوبية؛ فإن فيه التكذيب على الله في كونه تاب على آدم عليه السلام وغفر له خطيئته، ونسبته إلى أقبح الظلم؛ حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه؛ حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز؛ حيث عجّزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص؛ حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا به ما فعلوا.
3 -
من أنواع الشرك فيهم: قولهم بمحاسبة المسيح للناس، ففيه شرك في الربوبية؛ فإن محاسبة الناس إنما هي من شأن الخالق شبحانه جل جلاله، لا لأحد من البشر.
فهذه كلها أنواع الشرك في الربوبية.
ومن الشرك في الألوهية في هذه الأمة الضالة ما يلي:
4 -
عبادتهم المسيح، وذلك في صلواتهم:(حيث يقدمون الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم).
5 -
تعظيمهم للصليب الذي يؤدي إلى مستوى العبادة، فإن هذه الأمة اتخذته معبودًا يسجدون له، وإذا اجتهد أحدهم في اليمين بحيث لا يحنث ولا يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب. ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره في الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد.
6 -
تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام بالتصوير، وهذا كذب، ثم على فرض الصحة غايته: أن يكون بمثابة التذكر للخطيئة حتى لا ينساها كما ورد عن
بعضهم، وليس فيه دليل على السجود للصور، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور؟ .
7 -
من الشرك في هذه الأمة الضالة: اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، وذلك من وجوه:
أ- إعطائهم سلطة التشريع؛ حيث أعطوا رهبانهم وقساوستهم سلطة التشريع، يشرعون لهم ما يشاءون، وهم يقرأون أن المسيح قال:(إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي، وما جئت ناقضًا بل متممًا، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئًا من شريعة موسى)، وما زال أصحاب المسيح على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم أخذ القوم في التغيير والتبديل والتقرب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة
…
وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم: أن قومًا من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح؛ فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة.
فشق ذلك على الأمم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلق بأخلاقهم، وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم، وأنشأوا في ذلك كتابًا، فهذا في أحد
مجامعهم الكبار، وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعًا وافترقوا فيه على ما يريدون إحداثه
…
فالنصارى تلقوا أصول دينهم عن أصحاب المجامع.
ب- تقليد هذه الأمة الضالة لأحبارهم ورهبانهم في امتثال ما يشرعون لهم، وبذلك دخلوا في الشرك في الألوهية، فإن التشريع من خصائص الرب؛ فالتشريع من الأحبار والرهبان فيه شرك في الربوبية، وامتثال بني إسرائيل لهذا التشريع عبادة لهم لهؤلاء القساوسة والأحبار والرهبان.
ج- شركهم في الربوبية من حيث إعطاء الراهب والقسيس حقوق الغفران والتوبة، فليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدًا ولا عذاب في الآخرة؛ لأن القس والراهب يغفره لهم.
قال ابن القيم: (فكلما أذنب أحدهم ذنباً أهدى للقس هدية أو أعطاه درهماً أو غيره ليغفر له ربه! ! ، وإذا زنت امرأته أحدهم بيّتها عند القس ليطيبها له، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به)! ! ! .
آثار شرك قوم عيسى في هذه الأمة المرحومة:
سيأتي بيان هذه الآثار مفصلاً عند استعراض الشرك في هذه الأمة في العصر الحديث. وإنما يكتفي هنا بذكر بعض هذه العقائد التي وجدت بعينها أو متطورة منها في بعض من ينتسب إلى الإسلام، فمثلاً:
1 -
وجدت عقيدة الحلول ووباؤه لدى بعض مبتدعة المتصوفة وعباد
الجهمية، فقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب.
2 -
وجدت عقيدة الغلو في الصالحين في هذه الأمة عند بعض المتصوفة، حيث غلوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ورفعوه من منزلة العبد إلى منزلة المعبود.
3 -
وجدت عقيدة السجود للقبور واتخاذها مساجد في بعض من ينتسب إلى الإسلام.
4 -
النصارى ادعوا في المسيح بأنه نور، وهكذا ادعى بعض المتصوفة الجهلة في نبي الله صلى الله عليه وسلم بأنه نور من نور الله، والغلو في هذا الأمر.
5 -
النصارى أعطت سلطة التشريع إلى قساوستهم، وهكذا ترى بعض المقلدة، وبعض الشعوب أعطت حق التشريع لحكامهم وعلمائهم واتبعتهم في ذلك دون إمعان أو نظر هل يوافق نصوص الشرع أم يخالفه.
وبهذا ترى تحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه)) قالوا: يا رسول الله، من اليهود والنصارى؟ قال:((فمن إذن؟ )).