المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له: - الشرك في القديم والحديث - جـ ١

[أبو بكر محمد زكريا]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الشكر والتقدير:

- ‌التمهيد

- ‌المسألة الأولىمعنى التوحيد وأنواعه

- ‌المسألة الثانيةمعنى الشرك وأنواعه

- ‌المسألة الثالثةهل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك

- ‌الباب الأول في شرك الأمم السابقة

- ‌الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه

- ‌القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل

- ‌القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل

- ‌القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل

- ‌القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح

- ‌الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة

- ‌المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح

- ‌المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود

- ‌المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح عليه السلام

- ‌المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام

- ‌المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط عليه السلام

- ‌المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف عليه السلام

- ‌المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب عليه السلام

- ‌المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى عليه السلام وبيان شركهم بالله

- ‌المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى عليه السلام

- ‌المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس

- ‌المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى عليه السلام

- ‌الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها

- ‌المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية

- ‌المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة

- ‌الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك

- ‌الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية

- ‌الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه

- ‌المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية

- ‌المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله

- ‌المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية

- ‌المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم:

- ‌المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم

- ‌أولاً: البساطة والسذاجة:

- ‌ثانياً: وهن العقيدة:

- ‌ثالثاً: تعصبهم لمعبوداتهم:

- ‌رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات:

- ‌المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا

- ‌الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة

- ‌الفصل الأول خوف الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه

- ‌المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه

- ‌المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه

- ‌الفصل الثاني سده صلى الله عليه وسلم جميع أبواب الشرك

- ‌المبحث الأول سدّه جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله

- ‌المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل

- ‌المطلب الثاني: سده صلى الله عليه وسلم لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها:

- ‌المبحث الثاني في سدّه صلى الله عليه وسلم جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته

- ‌المبحث الثالث سدّه الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك ـ خصوصًا إلى الشرك الأصغر ـ وصدور التحذير منه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان:

- ‌المطلب الثاني: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي:

- ‌المطلب الثالث: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي:

- ‌المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها

- ‌الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه

- ‌المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة

- ‌المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك

- ‌المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية

- ‌الباب الرابع مظاهر الشرك في العصر الحديث

- ‌الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية

- ‌المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل

- ‌المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:

- ‌المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:

- ‌المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:

- ‌المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد

- ‌المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات:

- ‌المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه

الفصل: ‌المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:

ونسبتهم ذلك إلى العوامل الأخرى، وأن هذا التكوين الذي أقروا به يظنونه لها، أو أنهم عرفوا الحق لكن جحدوا سياسةً واصطيادًا للرغبة، أنى لهم مع هذا أن يلتزموا بتوحيد الله بأفعالهم التعبدية وأن يقيموا أعمالهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولذا مالوا إلى الماركسية الملحدة، وقالوا بالاشتراكية المبيحة، وعملوا بالثورة الفوضوية، ونادوا بالحرية الفاسدة، لتبرير مفاسدهم).

فدعاة القومية في حقيقة أمرهم مشركون بالله في الربوبية بالتعطل؛ لأن من أفكارهم ومعتقداتهم: (تحرير الإنسان من الخرافات والغيبيات والأديان) كما يزعمون.

فهذا استعراض مجمل لأبرز المشركين بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، وقد أعرضت صفحًا عن كثير من الملحدين المعطلين للمصنوع عن الصانع؛ وذلك لعدم وجود أي شبهة لديهم في تعطيلهم، ولعدم وجود المقتضي لقبول هذه الأديان والمذاهب الهدامة لأي أحد، بل هي في سبيلها إلى الزوال والفناء، ولعدم فتح أصحاب هذه الأديان والمذاهب أبوابهم لأحد في مجتمعاتهم.

‌المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:

مدخل: في بيان كون تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله شركًا.

سبق معنا على العموم بيان كون التعطيل شركًا بالله جل شأنه بذكر نصوص

ص: 790

أئمة هذا الشأن، ويمكن أن أذكر ملخص ما مضى بالعبارات التالية.

أولاً: لا خلاف بين المحققين: أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، وإذا قلنا: إن التوحيد له أجزاء ثلاثة: الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية، فإننا قد أثبتنا كل ما يقابل هذه الثلاثة ويضادها بأنه شرك، وهذه المضادة والمقابلة تكون في شيئين:

أ- بتعطيلها.

ب- بإثباته لغيره سبحانه.

أما التعطيل: فيكون بإنكار الربوبية مطلقًا، أو بإنكار كماله المقدس الثابت له، أو بإنكار كليهما معًا، أما الأول: فهو الشرك بالله في الربوبية بتعطيل الله الصانع عن مصنوعه، وقد سبق الكلام عليه في المطلب الأول. وأما الثاني: فهو الشرك بالله في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال بتعطيله عن كماله، وهذا ما سيكون الكلام عليه في هذا المطلب بمشيئة الله. وأما الثالث: فإن الكلام عليه سيكون في المطلب الثالث بمشيئة الله.

وأما إثباتها لغيره سبحانه: فإنه يكون في الذات والصفات والأفعال، وهذا الجانب سيكون الكلام عليه في المبحث الثاني بمشيئة الله.

فعلمنا: أن التعطيل يكون شركًا بالله في الربوبية وفي الأسماء والصفات والأفعال من حيث كون الربوبية والأسماء والصفات والأفعال من أجزاء التوحيد.

ثانياً: إن العبد لا يخلو عن العبادة مطلقًا، فإنه فقير بذاته، وهو حارث وهمام، والفقر يحوجه إلى من يغنيه عن هذا الفقر، فإذا عطل المصنوع عن

ص: 791

صانعه، أو عطله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، أو عطل كليهما، فإنه لابد أن يطلب من الآخر ما يسد به حاجاته ـ شاء أم أبى ـ، ومن طلب منه سد الحاجات، يكون قد جعله ربًا له.

مثال ذلك؛ أن من أنكر أن يكون له رب أو خالق، فإنه لابد أن يعيش في هذا الكون، والعيش لا يكون بلا مواجهة المشاكل والمتاعب، فالمنكر للربوبية لا يخلو في التخلص عن هذه المتاعب والمشاكل عن حالين: إما أن يقول: إني سيد نفسي، أستطيع أن أتخلص عن هذه المشاكل بنفسي بدون تدخل من أحد، فإنه حينئذ يكون كاذبًا لا محالة. وإما أن يقول: إن فلانًا أو نظامًا معينًا سيحل لي المشاكل كلها، فإنه حينئذ أقام الشخص الفلاني أو النظام الفلاني في مقام الربوبية ـ وإن لم يصرح به، ولم يعترف به ـ.

وهكذا الأمر فيمن أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله الذي هو عدله وحكمته، فإنه يكون قد أثبت هذه الأسماء والصفات والأفعال لغيره سبحانه وإن أنكر وادعى غير ذلك، وذلك؛ أن أسماء الله وصفاته وأفعاله كلها من لوازم ذاته، ومن مستلزمات العباد، فكون هذه الأسماء والصفات والأفعال ثابتة له تعني أن العباد محتاجون إلى دعائه بهذه الأسماء، ومحتاجون لمعرفة هذه الصفات، ومحتاجون إلى هذا الأفعال. فوجود هذه الأسماء والصفات والأفعال لدى الرب تقتضي أن يكون العبد محتاجًا إلى العبودية بها، ولهذا يقول الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.

ص: 792

فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.

وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ـ يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله ـ وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.

وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، تثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.

وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها).

وقال في موضع آخر: (فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب، فإنه الغفار التواب العفو الحليم، وهذه أسماء تطلب آثارها وموجباتها ولابد).

ص: 793

وقال أيضًا: (أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لابد من ترتبه عليه؛ كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير

ونظائر ذلك في جميع الأسماء

فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها، وهذا باب أوسع من أن يدرك، واللبيب يكتفي منه باليسير، وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد).

والمقصود من نقل كلام ابن القيم: بيان كون الله عز وجل لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات ولم يفعل أفعاله إلا لأن العباد محتاجون إليها لا محالة، ولا يستغنون أبدًا عن العبودية بها، بل كونه عبدًا يلزم أن يكون معبوده معه هذه الأشياء، وإلا لا فائدة في وجود هذه الأشياء لدى المعبود، فأسماء الله وصفاته وأفعاله تستلزم أن يكون وجودها ضروريًا للعباد، وإلا لا يمكن أن يعيش العبد مطلقاً، فإذا أنكر العبد هذه الأشياء للرب الحق فإنه لابد وأن يحتاج إلى هذه الأشياء ويصرفها إلى غير الحق سبحانه، وبهذا يقع في الشرك بالله جل شأنه. وإن كان هو ينكر ذلك عنادًا وتكبرًا.

فإذا كان هذا فيمن أنكر أسماءه وصفاته وأفعاله، فيقاس عليه من أنكر وعطل حقيقة ذاته ووجوده، وأنكر وعطل جميع أسماءه وصفاته.

فعرفنا بهذا البيان: كيف دخل المعطل في الشرك بالله، سواء كان معطلاً للمصنوع عن الصانع، أو كان معطلاً لكماله، أو كان معطلاً لكليهما، فإذا

ص: 794

علمنا هذا فلنبدأ بمقصودنا، وهو بيان شرك التعطيل بتعطيل كماله الصانع المقدس له سبحانه. فأقول:

إن هؤلاء على صنفين:

الصنف الأول: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات:

لقد وجدت في هذه الأمة عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أسمائه وصفاته، وبيان هذه الفرق وأقوالها، وشبهاتها، مع الردود عليها في الفروع التالية:

الفرع الأول: الجهمية:

وذلك؛ أن مذهبهم في التوحيد هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا، ويجعلون أسماء بالله من باب المجاز. قال الأشعري:(إنه ـ أي الجهم ـ كان يقول: لا أقول إن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء). وقال الشهرستاني: (الجهمية: أصحاب جهم

وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء، منها: قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلاً خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. ومنها إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان، أو لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم

ص: 795

يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم،

وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو إمّا أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلاً للحوادث، وإمّا أن يحدث في محل، فيكون المحل موصوفًا به لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علومًا حادثة بعدد المعلومات الموجودة).

فهؤلاء الجهمية أنكروا أسماء الله وصفاته واستندوا في إنكارها إلى أشياء زعموها أدلة عقلية، وهي:

1 -

أن إثباتها يستلزم التشبيه.

2 -

أن إثباتها يستلزم الجسم لله.

3 -

أن إثباتها يستلزم أن يكون الله محلاً للحوادث.

فهذا مجمل شبهاتهم في وقوعهم في شرك التعطيل. وقد تأثر بهم المعتزلة، وذلك؛ لأنهم جهمية في باب الصفات، إذ كل من أنكر الصفات أوبعضها فهو جهمي، كلٌ بقدر ما وافق فيه الجهم من مذهبه، ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية قسم الجهمية إلى ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته. وإن سمّوه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز.

الدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة، ونحوهم، والذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته.

الدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتين المخالفين للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة،

ص: 796

ولكنهم يردون طائفة من الصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها.

ومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة.

والمقصود: بيان كون الجهمية من المشركين بالله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهؤلاء وإن لم يكن لهم وجود بهذا الاسم في الحاضر، إلا أن هناك طوائف قد أخذت أقوالهم وشبهاتهم، كالمعتزلة العصريون ـ وهم بعض العقلانيين ـ والقاديانيون، وغيرهم.

الآثار المترتبة على أقوال الجهمية:

إن الذي يدقق النظر في مقالة الجهمية يعلم أنها تفضي إلى إنكار الخالق، ولذا رأى علماء أهل السنة؛ أن الذين ابتدعوا هذه المقالة هم من الزنادقة الذين ينكرون الخالق ويجحدونه، ولكنهم تستروا وراء فلسفات ونظريات ضالة توصل إلى مرادهم، وتخفي قصودهم على خصومهم.

فالذين يجحدون صفات الخالق قولهم كقول فرعون ونمرود الذين

ص: 797

يجحدون الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا تمكن معرفته.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (رؤساء الرافضة والجهمية كانوا زنادقة؛ وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهم أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم).

ويقول أيضًا: (المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات

).

ويقول: (وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق، وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق جل جلاله، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)

وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى، أو يكون لموسى إله فوق السموات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع. فلما كان قول الجهمية المعطلة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته، وإنكار كلامه، حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد، وخالق ومخلوق

ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم، ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات

).

ص: 798

تأثير الجهمية فيمن جاء بعدهم:

قد يظن بعض أهل العلم: أن مقالة الجهمية في نفي الصفات ـ الدرجة الأولى ـ قد غاضت وزالت بزوال قالتها ودعاتها، ولكن العالم بالفرق ومقالاتهم يعلم أن كثيرًا من الأصول التي أصّلها الجهمية والتأويلات التي ابتدعوها لم يزل لها وجود على مرّ التاريخ الإسلامي، وقد تبناها وذهب إليها من يدعي أنه من أهل الحق، وحسبنا أن نعلم أن المعتزلة كانت امتدادًا للجهمية وفرعًا من فروعها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه التأويلات الموجودة ـ اليوم ـ مثل التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سمّاه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي

ص: 799

حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها تأويلات بشر المريسي، التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء ردّ التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي.

ويدل على ذلك كتاب الردّ الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري،

حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره).

ويقول في موضع آخر: (أخذ هذا المذهب عن الجعد بن درهم، الجهم بن صفوان فأظهره، وناظر عليه، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون).

وقال في موضع آخر: (ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم، فأثبتوا أسماء الله تعالى، ولم يثبتوا صفاته

).

ص: 800

وقال أيضًا: (غلا جهم في النفي، ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوهم، والمعتزلة في الصفات دون الأسماء، والكلابية ومن وافقهم

في نفي الصفات الاختيارية، والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا إذا شاء، وفعالاً إذا يشاء، لامتناع حوادث لا أول لها

).

ويقول جمال الدين القاسمي: (قد يظن أن الجهمية أمست أثرًا بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وهي في الكثرة تعدّ بالملايين، على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية كما يدريه المتبحر في فن الكلام).

الفرع الثاني: المعتزلة (الغلاة).

وذلك: لتعطيلهم صفات الله جل وعلا، قال الرازي:(اعلم أن المعتزلة كلهم متفقون على نفي صفات الله تعالى)، قال الشهرستاني: (الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم لذاته، قادر لذاته، حي لذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، هي صفات قديمة ومعاني قائمة به، لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية

).

وقال الأشعري: (أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو

ص: 801

السميع البصير

ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم

).

وقال البغدادي: (إن المعتزلة افترقت فيما بينها عشرين فرقة

يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها: نفيها كلها عن الله عز وجل صفاته الأزلية، وقولها: بأنه ليس لله عز وجل علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة)، وقال الأشعري أيضًا:(ونفت المعتزلة صفات رب العالمين).

فهذه نصوص كتب مصنفي الفرق والملل والنحل كلها تدل على أن المعتزلة تنكر صفات الله عز وجل لا تثبتها، وهو نفس المنصوص في كتب القوم أيضًا حيث جاء في كتبهم (الأصل فيه: أن التوحيد في أصل اللغة عبارة. عما به يصير الشيء واحدًا

فأما في اصطلاح المتكلمين؛ فهو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به)، وقال آخر:(أما بعد: فقد اختلف أهل الصلاة في معنى التوحيد، وإن كانوا قد أجمعوا على انتحال اسمه، فليس يكون كل من انتحل اسم التوحيد موحدًا إذا جعل الواحد ذا أجزاء، وشبهه بشيء ذا أجزاء).

ولأهمية القول بنفي الصفات عند المعتزلة اعتبروه أحد أصولهم الخمسة.

فعلمنا بذلك: أن المعتزلة مع اختلاف فرقهم كلهم متفقون على تعطيل

ص: 802

صفات الله عز وجل، وبذلك وقعوا في الشرك بتعطيل الله سبحانه عن الكمال المقدس الثابت له.

شبهات المعتزلة في نفي الصفات والرد عليها إجمالاً:

للمعتزلة شبهات كثيرة في هذا الباب، ولكن هذه الشبهات كلها ترجع في الحقيقة إلى ما يلي:

الأولى: وهي أكبرها، وإليها ترجع بقية الشبهات في الحقيقة، وهي: استنادهم إلى ما يسمى بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.

الثانية: إن في إثبات الصفات تشبيهًا.

الثالثة: إن في إثبات الصفات تركيبًا.

الرابعة: إن القول بإثبات الصفات يؤدي إلى القول بحلول الحوادث بالله سبحانه، والتغيير في ذاته، والتغيير دليل الحدوث.

مجمل الردود على هذه الشبهة:

إن هؤلاء عندما قالوا: إن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه أو

ص: 803

التركيب، أو التجسيم والأعراض، أو حلول الحوادث بالله سبحانه، استخدموا ألفاظًا وكلمات مجملة كلها تحتوي في طياتها معاني باطلة ومعاني صحيحة، وإنما المشكلة عندهم في إنكار الصفات هو القول بالألفاظ المجملة، بدون تفصيل، وتقديم العقل على النصوص من غير دليل.

فيرد على هؤلاء بالإجمال بأن يقال: إنّ تسميتكم صفات الباري وأسماءه وأفعاله بأن هذا تجسيم أو تركيب أو حوادث تسمية خاطئة ما أنزل الله بها من سلطان، بل هذه من تسميتكم، فلترجعوا إلى مصطلحات القرآن والسنة حتى لا تقعوا في هذه المشاكل.

وجود المعتزلة في الحاضر:

قد يظن بعض أهل العلم أن المعتزلة قد انقرضوا وبادوا، وهذا خطأ، فإنه قد حمل آراءهم ومعتقداتهم كثير من الذين جاءوا من بعدهم، وكثير من المعاصرين، (فشيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول

كما هو في العلم الشامخ. وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين.

وبهذا يعلم أن الجهمية والمعتزلة ليسوا في قلة، فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة للمناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها).

ص: 804

وأكبر دليل على وجود هؤلاء ظهور العقلانيين في الساحة مع الأفكار التي كانت عند المعتزلة بحذافيرها.

الفرع الثالث: الخوارج:

وذلك لاعتقادهم في توحيد الأسماء والصفات اعتقادات المعتزلة في نفي الصفات.

فإن الخوارج وإن كانوا نصّيين في أغلب معتقداتهم ولكنهم ضلّوا في باب الصفات حتى وقعوا في شرك تعطيل صفات الله ـ جل وعلا ـ يقول الإمام الأشعري: (أما التوحيد فإن قول الخوارج فيه كقول المعتزلة). وقد سبق معنا بيان مذهب المعتزلة في التوحيد.

وقد انقرضت جميع فرق الخوارج القديمة ما عدا الإباضية، فلوجود هؤلاء الإباضية في العصر الحاضر سأذكر نبذة عنهم وعن شركهم في توحيد الأسماء والصفات بتعطيل صفات الله جل وعلا كالمعتزلة. وفيما يلي بيان ذلك:

ص: 805

التعريف بالإباضية:

هي إحدى الفرق الأربع الكبرى من فرقة الخوارج، سميت بذلك نسبة إلى عبد الله بن إباض أحد بني مرة بن عبيد من بني تميم، يعد من طبقة التابعين، ولم تذكر المصادر الموثوقة تاريخ وفاته وولادته، لكنها تكاد تجمع على أنه عاصر عبد الملك بن مروان الخيفة الأموي المتوفى سنة 86 هـ. وأنه أحد رؤوس الخوارج، وقد أجمعت الإباضية قديمًا وحديثاً على إمامته فيهم، وانتسابهم إليه.

شركهم بالله:

هؤلاء الإباضية وقعوا في شرك تعطيل الصفات كسلفهم الخوارج. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: (الإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط).

والصحيح: أن الإباضية انقسموا في صفات الله إلى فريقين:

1 -

فريق نفى الصفات نفيًا تامًا خوفاً من التشبيه بزعمهم.

2 -

وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا: صفات الله هي عين ذاته، وأن الاسم والصفة معنى واحد. قالوا: إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته، فالصفات عندهم عين الذات.

ص: 806

وهذا في حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق. وبذلك يخالفون أهل السنة والأشاعرة ويوافقون المعتزلة والشيعة والإمامية.

وهم يشنعون على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو ـ حسب زعمهم ـ تأويل الصفات، فاليد: النعمة، والقدرة، والوجه: الذات، ومجيء الله: مجيء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه كما يزعمون.

فهؤلاء يؤولون صفات الله الخبرية أيضًا، كاليد والمجيء والنزول، والعين والوجه والنفس، ونحوها، وهم بذلك يخالفون أهل السنة ويوافقون المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية.

وجود الخوارج (الإباضية) في العصر الحاضر:

أول ما نشأت الإباضية بصفتها فرقة متميزة في عمان وما حولها وذلك في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، بعد سنة 64 هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تعدّ عمان من معاقل الإباضية؛ يحكمها حكام أو سلاطين أو ولاة إباضيون، ولا يزال لهم وجود في حضرموت واليمن، ولإباضية عمان امتداد في الساحل الشرقي للخليج (جهة إيران حاليًا)، والساحل الشرقي لأفريقيا في زنجبار أو تنزانيا كما تسمّى حاليًا، حيث إن سلاطينها إباضيون

ص: 807

حتى بعد وجود الاستعمار.

كما توجد الإباضية في المغرب العربي، خصوصًا بعض الأماكن في ليبيا، وجنوب الجزائر، وتونس، وفي واحات الصحراء المغربية، كما أن لهم امتداد فكري وعقدي غرب السودان ومالي وغيرها، ولكنه قليل.

الفرع الرابع: الباطنية:

فرقة لقّبوا بها (لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة).

فالباطن في لغة القوم قيل معناه: علم السرائر والخفيات، وقيل أيضًا: هو العالم بكل ما بطن، يقال: بطنت الأمر: إذا عرفت باطنه.

والباطني عند القوم: هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، وقيل: هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره إلا لمن يثق به، وقيل: هو الذي يحكم بأن لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، وهذه المعاني الثلاثة متقاربة في الحقيقة.

النشأة التأريخية للباطنية:

هناك عدة آراء في الأصل التاريخي للباطنية، فبعضهم يقول: إنه يرجع

ص: 808

إلى المجوس، وقيل: إلى الصابئة، وقيل: الإغريق أو اليونان، ولعلّ الراجح ـ تاريخيًا ـ أن اليهودية الموتورة التي لا تستطيع الانتقام بحدّ الحسام، لجأت إلى الحيلة والمؤامرة لإيجاد الفرقة بين المسلمين ليضربوا بعضهم ببعض؛ حيث تقدم عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ذلك الحبر اليهودي بإشعال الفتن والاضطرابات التي حاقت المجتمع الإسلامي وذلك عن طريق ابتداع مناهج الباطنية في تأويل الشريعة على نحو يفضي إلى نسخها، والاستعاضة عنها بخليط عجيب من الحكمة، يجمع بين خرافات الفرس ووثنية الإغريق وعقائد اليهود الذي حرفوا دينهم من قبل.

ولهذا لم تلبث أن ظهرت تلك العقائد اليهودية المطعمة بالوثنية الفارسية والإغريقية، بعد صبغها بصبغة إسلامية خادعة، كفكرة النور المحمدي، وعصمة الأئمة ومعجزاتهم، وتقديس الأئمة، والغيبة والرجعة والحلول، وتجسيد الألوهية، والتأويل وغير ذلك من الأفكار والعقائد.

وهذه الأفكار كانت في الحقيقة قبل هذا لدى علماء اليهود لأنهم أولوا التوراة على أسس الأفلاطونية الحديثة، وقالت بها أيضًا طائفة يهودية معروفة. والتي شوهت التوراة وحرفتها عن طريق التأويل وادعت الجمع بين التأويل الباطني وادعاء الكشف عن الغيب وأسرار الحروف وغير ذلك من التلفيق الواضح بين فلسفة

ص: 809

الإغريق والأفلاطونية الحديثة ورواسب من عقائد الفرس.

إذن نستطيع أن نقول: إن الباطنية دسيسة يهودية، خليطة بالعقائد الوثنية الإغريقية والفارسية، وغيرهما.

تاريخ ظهور الباطنية في الإسلام:

يرى كثير من العلماء أن الباطنية إنما نشأت كفرقة لها آراؤها الاعتقادية بعد مائتين من الهجرة، في زمن المأمون، وانتشرت في عهد المعتصم.

فرق الباطنية وألوان الشرك فيها:

فيما يلي بيان أهم هذه الفرق ووقوعها في الشرك بالله سبحانه وخروجها من الإسلام.

1 -

القرامطة. 2 - الإسماعيلية. 3 - النصيرية. 4 - الدرزية. 5 - البهائية والبابية. 6 - الواقفة من الإسماعيلية.

أمّا البهائية والبابية: فسيأتي ذكرهم في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد. وأمّا الواقفة: فلا وجود لهم الآن حسب ما أعلم. وبقية الفرق سأستعرض نبذة عنهم مع بيان شركهم بالله جل شأنه، مع العلم أن بعض هذه الفرق اجتمعت لديهم أنواع من الشرك بالله، فربما يتكرر ذكرهم فيما بعد من المباحث والمطالب.

1 -

القرامطة:

وهي حركة باطنية هدامة، اعتمدت التنظيم السري العسكري، ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة

ص: 810

الإسلامية، سميت بهذا الاسم نسبة إلى حمدان قرمط بن الأشعث الذي نشرها في سواد الكوفة سنة 278 هـ، وكان لهم في تاريخ الإسلام مواقف رهيبة مع المسلمين بالقتل والتشريد للحجاج الأبرياء في مكة وقلع الحجر الأسود وهدم البيت وغيرها. ويقال لهم الإسماعيلية أيضاً.

شركهم بالله جل شأنه:

ينسب إليهم الإلحاد في الله جل شأنه. بأنهم ينفون وجود الله، ويقولون بتأثير الكواكب، هكذا ذكر بعض العلماء، ولكن الذي يظهر: أن هذا الإنكار كان نتيجة اعتقادهم في الصفات حيث وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجود الله.

وقد ذكرهم الإمام ابن القيم من المشركين بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسمائه وصفاته.

إلا أن لديهم ألواناً أخرى من الشرك تخرجهم عن دين الإسلام جملة وتفصيلاً ـ كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.

2 -

الإسماعيلية:

وهي الحركة الإسماعيلية الأصلية. وقد مرّت بعدة أدوار:

1 -

دور الستر: من موت إسماعيل بن جعفر سنة: 143 هـ إلى ظهور عبيد الله

ص: 811

المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرّية.

2 -

بداية الظهور: يبدأ بظهور الدولة الإسماعيلية في اليمن سنة: 266 هـ، وامتد نشاطها إلى شمال أفريقيا، واكتسبت شيوخًا كتامة، يلي ذلك ظهور علي بن الفضل الذي ادعى النبوة وأعفى أنصاره من الصوم والصلاة.

3 -

دور الظهور: يبدأ بظهور عبيد الله المهدي الذي كان مقيمًا في سلمية بسوية ثم هرب إلى شمال أفريقيا واعتمد على أنصاره هناك من الكتامين، وأسس أول دولة إسماعيلية في المهدية بأفريقيا (تونس)، واستولى على بعض ضواحي مصر سنة 297 هـ، وتتبع بعده الفاطميون إلى أن كان آخرهم المستنصر بالله (أبو تميم) المتوفى سنة 487 هـ.

وبوفاته انقسمت الإسماعيلية قسمين: نزارية شرقية، ومستعلية غربية، والسبب في هذا الانقسام أن إمامهم المستنصر قد نص على أن يليه ابنه نزار لأنه الابن الأكبر. ولكن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي نحى نزاراً وأعلن إمامه المستعلي، وهو الابن الأصغر، كما أنه في نفس الوقت ابن أخت الوزير. وقام بإلقاء القبض على نزار ووضعه في سجن وسدّ عليه الجدران حتى مات. وبموته تم الانقسام فعليًا في صفوف الإسماعيلية إلى إسماعيلية نزارية وإسماعيلية مستعلية:

أمّا الإسماعيلية المستعلية: فهم حكام مصر من سنة 487 إلى سنة 555 هـ، حتى أزال الله دولتهم على يدي صلاح الدين الأيوبي.

ومن بقاياهم في العصر الحاضر: البهرة. فهم إسماعيلية مستعلية، يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب، ولذا يسمّون بالطيبية، وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة

ص: 812

فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر.

وهم يقولون بوجود أئمة مستورين من نسل الطيب بن الآخر بن المستعلي، لا يعرف عنهم شيء، حتى إن أسماءهم غير معروفة، وعلماء البهرة أنفسهم لا يعرفون. والإمام الحالي المستور عندهم يسمّونه ميرزا طاهر سيف الدين ـ كما هو مسطور في كتاب الأنساك للبهرة الذين يأتون إلى المدينة ـ ثم هؤلاء البهرة انقسموا فرقتين:

1 -

البهرة الداودية: نسبة إلى الداعي قطب شاه داود: وهم في الهند وباكستان منذ القرن العاشر الهجري، وداعيتهم يقيم في بومباي. وقد وجد في الآونة الأخيرة في دولة بنغلاديش أتباع وأنصار له يسمّون أنفسهم طاهريون. وهم أثرياء الناس في بنغلاديش.

2 -

البهرة السليمانية: نسبة إلى الداعي سليمان بن حسن، وهؤلاء مركزهم في اليمن حتى اليوم.

وأمّا الاسماعيلية النزارية: فمن فرقهم:

1 -

الحشاشون: وهم إسماعيلية نزارية بالشام وفارس وبلاد الشرق، وكان في مصر وقت حرمان نزار شخص فارسي هو الحسن بن الصباح الذي كان حاجًا إلى الإمام المستنصر، ولما شاهد ما حدث من الانقسام عاد إلى بلاد فارس داعيًا إلى الإمام المستور، واستولى على قلعة الموت سنة 483 هـ، وأسس الدولة الإسماعيلية النزارية الشرقية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين (لكثرة أكلهم الحشيش)، وانتهت دولتهم، وسقطعت قلاعهم أما جيش هولاكو المغولي الذي قتل آخر زعمائهم ركن الدين خورشاه سنة

ص: 813

1255 م. ولهم أتباع إلى الآن في إيران وسوريا والهند، وفي أجزاء من أواسط روسيا السوفيتية. كما أن أسرة أغاخان تدعي كونها من نسل الحشاشين.

2 -

إسماعيلية الشام: لقد ظلوا خلال هذه الفترات الطويلة في سوريا، ولا يزالون في بعض أماكن من الشام، وهؤلاء يعرفون أيضًا بالسنانية.

3 -

الإسماعيلية الآغاخانية: ظهرت هذه الفرقة في إيران في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وأول دعاتهم يسمّى بحسن علي شاه، وهو آغاخان الأول الملقب من قبل الحكومة البريطانية المستعمرة. وآخر دعاتهم الموجود حاليًا هو كريم الآغاخان الرابع، وقد درس في إحدى الجامعات الأمريكية. ولا يزال له أتباع في بومباي وإيران، وفي بعض الدول الأوروبية والأميريكية.

فهؤلاء كلهم على اختلاف فرقهم ونحلهم من الإسماعيلة الباطنية، وفيما يلي بيان شركهم بالله في الربوبية بتعطيل أسمائه وصفاته.

شرك الإسماعيلية الباطنية في الربوبية بالتعطيل:

هؤلاء الإسماعيلية على اختلاف فرقهم ونحلهم كلهم يرون: النفي المطلق للصفات عن الله، وإنكار أية صفةٍ له سبحانه من التي وصف بها نفسه في القرآن الكريم، لأنه ـ تعالى ـ كما يزعمون ـ فوق متناول العقل، والعقل عاجز عن إدراك كنهه، فنفي الصفات عند الله اعتقاد أساسي في التوحيد عند الإسماعيلية، لأن إثباتها ـ حسب زعمهم ـ يعني عدم التوحيد، ولهذا نرى

ص: 814

الحامدي ينفي جميع الصفات الإلهية عن الله سبحانه، بقوله:(فلا يقال عليه حي، ولا قادر، ولا عالم، ولا عاقل، ولا كامل، ولا فاعل؛ لأنه المبدع الحيّ القادر العالم التام الكامل الفاعل، ولا يقال له ذات؛ لأن كل ذات حاملة للصفات).

ويقول الآخر منهم: (الحمد لله الذي ليس بمرئي فيكيف، ولا بموصوف فيوصف

). فهؤلاء يزعمون أن جميع الأسماء والصفات الإلهية، إنما تليق بمبدعاته التي هي الأعيان الروحانية، ومخلوقاته التي هي الصور الجسمانية، فأسماء الله الحسنى التي ذكرت في القرآن الكريم ما هي إلا إشارة إلى حدود الروحانية العلوية والجسمانية السلفية، ويؤولون قوله تعالى:(وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) بأن المقصود بالأسماء هي الحدود، أي يطلبون الوصول إلى توحيد الله من جهتهم، وذلك أن الإسماعيلية تزعم أن الله لم يخلق العالم خلقًا مباشرًا، وإنما أبدع الله تعالى (الكاف) واخترع (النون)، وأن من الكاف والنون أقام الله العالم العلوي والعالم السفلي.

فتوحيد الله الصحيح عندهم ـ كما يزعمون ـ هو معرفة حدوده، وسلب

ص: 815

الإلهية عنه له تجريده، وسلب الأسماء والصفات عنه له تنزيهه. لأن الإثبات الحقيقي لهذه الصفات والأسماء على الله يعني شركة بينه وبين سائر الموجودات.

واستنادًا: إلى ما سبق، فإن معرفة الله عندهم تقوم على اعتبارين:

الأول: تجريد الله وتنزيهه عن أسمائه وصفاته.

والثاني: أن توحيده يعني معرفة حدوده.

وأمّا قولهم: (إنما أبدع الله تعالى الكاف) واخترع (النون)، فهذه نظرية الإبداع التي تقول بها الإسماعيلية، وهي تتفق مع الفلسفة الأفلوطونية الحديثة، وبالذات مع نظرية الفيض عند أفلوطين، مع أن بعض كتّاب الإسماعيلية، يحلو لهم أن يبدلوا كلمة الفيض بكلمة الإبداع، بتعليلات فلسفية لا تغير في جوهر المعنى شيئًا.

والإسماعيلية بعد أن تجرد الله عز وجل من جميع أسمائه وصفاته تحولها إلى أول مبدع أبدعه الله تعالى ـ وهو كما يزعمون ـ (العقل الأول)، ويقولون: إذا كان الله عريًا عن كل صفةٍ، فإن صفات الكمال موجودة في أول مبدع أبدعه، فهو ـ أي المبدع ـ الحق والحقيقة، وهو الوجود الأول، وهو الوحدة، وهو الواحد، وهو الأزل وهو الأزلي، وهو العقل الأول، وهو الحياة، وهو الحيّ الأول.

فالواحد ـ كما يزعمون ـ أبدع بأمر من مشيئته أول سابق، فهو إذن: العقل

ص: 816

الأول والحجاب المفضل، وظهر عنه التالي مخترعًا من نوره، ثم ظهرت جميع الموجودات منها وبهما، فالفيض الأول هو أصل الإيجاد، وهو المبدأ وإليه المعاد.

ويقولون: العقل الأول أو المبدع الأول هو الذي رمز إليه تعالى بـ (القلم) في الآية الكريمة: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، وعلى هذا، فالقلم هو الخالق المصور، وهو الذي أبدع النفس الكلية التي رمز إليها القرآن بـ (اللوح المحفوظ)، ووصفت بجميع الصفات التي هي للعقل الكلي، إلا أن العقل كان أسبق إلى توحيد الله وأفضل، فسمّي بـ (السابق) وسميت النفس بـ (التالي) وبواسطة العقل والنفس وجدت جميع المبدعات الروحانية والمخلوقات الجسمانية.

فالخالق عند الإسماعيلية إذن هو العقل الكلي والنفس الكلية، وإذا ذكر الله عندهم فالمقصود هو العقل الكلّي.

وممّا لا شك فيه: أن هذا المنهج الباطني سلاح ذو حدين، فهو إمّا أن يتجه إلى تثبيت المذهب الإسماعيلي، وإمّا إلى محاولة القضاء على الإسلام كله، ومعتقدهم في الألوهية والتوحيد من هذا القبيل، (فظاهره التوحيد .. وباطنه الكفر المحض والانسلال عن ربقة الدين).

ص: 817

وقد تبين لنا: أن الإسماعيلية تعتقد بوجود إلهين اثنين صانعين لهذا العالم، أحدهما علة لوجود الآخر، وهما السابق والتالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي.

وهذا الاعتقاد شرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد ـ كما سيأتي ـ، يقول الغزالي: (أما القول بإلهين فكفر صريح لا يتوقف فيه، لأنهم عرفوا أننا نعتقد أن للعالم صانعًا واحدًا قادرًا عالمًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا حيًا، ليس كمثله شيء

فمن رآها كفرًا فهو كافر لا محالة). وكما نعلم فإن الدعوة الأولى التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التوحيد وعدم الإشراك مع الله إلهًا آخر، ولا شك أن اعتقاد الإسماعيلية يعني إشراك آلهة أخرى مع الله، وهذا يدل على هدم الركن الأساسي في الإسلام.

فهؤلاء الإسماعيلية مشركون بالله في الربوبية بالتعطيل، بتعطيل أسمائه وصفاته، وبتعطيل أفعاله ـ كما سيأتي بيانه ـ، ومشركون بالله في الربوبية بالأنداد أيضًا، كما سيأتي بيانه بمشيئة الله جل وعلا.

فهذه الفرق الباطنية هي التي أشركت بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسماء الله وصفاته، ولهذا جرى بيانهم، وأمّا الفرق الباطنية الأخرى كالدروز والنصيرية والبابية والبهائية فهؤلاء شركهم ألصق بالشرك في الربوبية بالأنداد، فآثرت تأجيل بيانه إلى أوانه.

أمّا بالنسبة للردود على أفكارهم، فقد رأينا من خلال استعراض آرائهم

ص: 818

أنهم يعتقدون هذه الأمور وينكرون صفات الله جل وعلا دون إبداء أي دليل أو شبهة قوية يوقف عندها، وإنما هي ادعاءات تقريرية غير برهانية، ولا ينبغي الاشتغال بالردود عليها. وإنما ينفع معهم سلطان القوة لا سلطان الحجة.

الصنف الثاني: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا:

لقد وجدت في هذا العصر عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أفعاله. وبيان هذه الفرق والطوائف مع بيان ما عندهم من الشرك في الفروع التالية:

الفرع الأول: الباطنية:

والفرق التي وقعت منها في هذا النوع من الشرك ما يلي:

أ- الإسماعيلية: مع اختلاف نحلهم وفرقهم كلهم وقعوا في هذا النوع من الشرك، ويتمثل ذلك في أشياء: من أبرزها:

الأول: إنكارهم للبعث واليوم الآخر.

الثاني: اعتقادهم إرسال الرسل، حيث زعموا أن النبوة فيض خاص من العقل الأول على التالي، وليست من عند الله جل شأنه.

الثالث: إنكارهم الشريعة والقول بنسخها.

أما إنكارهم البعث واليوم الآخر: فيظهر ذلك جليًا في اعتقادهم بالتناسخ، حيث يزعمون أن الإنسان إذا مات ينتقل روحه إلى رجل آخر وهكذا دواليك، فمما قالوا في البعث والنشور: أنه (قيام النفوس الجزئية المفارقة للمدركات الحسية والآلات الجسدانية، وقيام الشرائع والأديان، بظهور صاحب الزمان

ص: 819

ـ الإمام ـ، وقيام الدور ببروز النفس الكلية لمحاسبة النفس الجزئية، وقيام القيامة كمال الإخلاص والنجاة واستراحة النفوس بأجمعها من الإيراد والإصدار).

والقيامة عندهم نوعان: قيامة صغرى، وقيامة كبرى.

فالقيامة الصغرى هي عند ما تفارق النفس الجسد بعد الموت. والقيامة الكبرى هي ما تفارق كل النفوس الجزئية الموجودة في علم الكلام وفساد أجسادها، وتعود النفس الكلية إلى مبدعها وخالقها فيبطل الوجود كله ما عدا الله سبحانه.

وأما الحشر: فهو انحطاط النفوس في سلك انقيادها وانجبارها إلى ما فيه ذاتها. وهي حقيقة يوم تدعي كل أناس بإمامهم. وأما النشر: فهو ظهور النفس في عالم بعد عالم على وفق مكتسباتها. وأما الحساب: فهو أن توقف النفس الكلية النفوس الجزئية على ما صدر منها من الأقوال والأفعال والأعمال. وأما الجنة: فهي العوالم الثمانية أولها جنة الميراث وهي رتبة الإنسانية

وثامنها: جنة الماء وهي عالم الأمر الذي بدت منه العوالم وإليه معادها.

وأما الناس: فهي العوالم السبعة المتوالدة من الثلاثة الأركان، أولاً: لظى نزاعة وهي كرة الأثير، ثم الجحم مركز الهواء والزمهرير،

وأما العذاب والعقاب، فيؤولونه إلى ما تجده النفوس من الآلام والأوجاع، والأسقام ومفارقات المألوفات بهجوم الحوادث والنكبات.

ص: 820

وتابع الإسماعيلية المعاصرون منهج أسلافهم في تأويل هذه العقائد ـ التي هي أفعال الله جل وعلا ـ ومقابلتها بالسخرية والاستهزاء حيث يقولون: (إن القول بالبعث مهزأة

وأن المؤمن الحقيقي هو من يؤول الوحي الإلهي على طريقتهم، وأما من يتبع الشرائع المنزلة وأحكامها على ظواهرها فليس هو إلا كافرًا وحمارًا).

وقصروا البعث على (انتباه النفوس من غفلتها لتتلقى العلوم والمعارف التي تهذبها وتنقيها من أدران عالم الكون والفساد؛ لتتمكن من اللحاق بالنفس الكلية التي حيث السعادة والهناء السرمدية).

كما يؤكد الإسماعيلية المعاصرون ما ذهب إليه أسلافهم من إنكار للمعاد، فهذا مصطفى غالب يقول بصراحةٍ:(إن الإنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي (جسمه) إلى ما يجانسه من التراب، وينتقل عنصره الروحي (الروح) إلى الملأ الأعلى، فإن كان الإنسان في حياته مؤمناً بالإمام فهي تحشر في زمرة الصالحين وتصبح ملكًا مدبرًا، وإن كان شريرًا عاصيًا لإمامه حشرت مع الأبالسة والشياطين. وهم أعداء الإمام).

وقد بين الغزالي عقيدتهم في المعاد، فقال: (وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ولا الجنة والنار، ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله

).

وتبعًا لإنكارهم للمعاد أنكروا الثواب والعقاب، يقول مصطفى غالب:

ص: 821

إن الثواب ليس حسيًا وإنما هو العلم فقط. كما أنه يذهب إلى أن العذاب للنفوس المخالفة؛ تتعذب وترتاع بمجرد مفارقتها للجسد، وهذا عذابها وشقاؤها وتعاستها في عالمها الظلماني المخيف.

وهذا آغا خان الثالث يسخر من الجنة ويعتبرها من معتقدات الطبقة الجاهلة إذ يقول: (إن الروح والمادة دائمًا تتعاون مع النفس، ولا يمكن لهذين المبدأين اللذين يؤلفانها أن يصلا بهما إلى ما يسميه شركاؤنا في الاعتقاد (الطبقة الجاهلة منهم) الجنة. والتي هي في الحقيقة وفي (رأي العقلاء المدركين) حالة النفس البالغة كمال المعرفة الحقيقية).

هكذا نرى معتقد الإسماعيلية في المعاد يقود في النهاية إلى إنكار هذا المعتقد كما عبر عنه الإسلام. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري سبحانه عز وجل.

أما اعتقادهم في إنكار إرسال الرسل: فإن هذا ناتج عن تصورهم للألوهية على نظرية الفيض. فإنهم استنبطوا أيضاً من نفس النظرية آراءهم حول النبوات، إذ جعلوا النبوة فيضًا من أحد العقول العشرة التي اعتقدوها، وقالوا بها، فالنبوة باعتقادهم مكتسبة اكتسابًا، ليست هبة من الله سبحانه وتعالى لأحد من خلقه اختصه واختاره لها، فالإنسان باعتقاد الإسماعيلية يستطيع أن يصبح نبيًا بعد الارتياض والمجاهدة.

وهم بهذا ينكرون ما خص الله به من إرسال الرسل، بل كل واحد يستطيع

ص: 822

أن يصبح نبيًا بعد المجاهدة، وليس من عمل الله عز وجل عندهم إرسال الرسل، بل هذا فيض من السابق بواسطة التالي لمن يجاهد مجاهدة جادة. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري جل وعلا.

أما اعتقادهم بنسخ الشريعة الإسلامية وتعطيل أحكامها: فما زالت محاولة الإسماعيلة مستمرة حيال العمل على إسقاط الأوامر والنواهي الشرعية التي وضعها الله سبحانه وتعالى دستورًا لهذه الحياة، يكفل للأفراد والجماعات والأمم حياتها السعيدة. فنجد أصوات المعاصرين منهم تنعق مدعية أن الشريعة الإسلامية قد نسخت تارة، وتطالب بإسقاط التكاليف الشرعية تارة أخرى.

تتجلى تلك الأصوات من خلال مقولاتهم وأشعارهم التي ساروا بها على خطى أسلافهم الذين اتخذوهم معينًا يستقون منه هذه الشعارات.

وسعيًا إلى الخروج على الدين حاول الإسماعيلية أن يساووا بينه وبين الديانات التي دخلها التحريف والعبث بها بأيدي الناس، فنادوا بوحدة الأديان. وهذه الأمور لا شك في كونها تعطيلاً لأفعال الله جل وعلا، ومن ثم وقعوا في شرك التعطيل بالله سبحانه في أفعاله.

ب- القرامطة: حيث وقع هؤلاء القرامطة في شرك تعطيل الباري عن

ص: 823

أفعاله، وذلك في عدة أمور، من أبرزها:

1 -

إنكارهم الأنبياء والرسل وتلقيبهم بالأبالسة.

2 -

إنكارهم اليوم الآخر أو البعث والحشر، والنشر، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار.

3 -

إنكارهم شرع الله واتباع المزدكية في القول بشيوعية المال والنساء.

ومعلوم: أن هذه الاعتقادات فيها تعطيل الله جل وعلا في أفعاله. وهو شرك في الربوبية بالتعطيل في أفعاله سبحانه.

وهؤلاء القرامطة ومن قبلهم من الإسماعيلية ليس لهم أي شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون أن يهدموا بها قواعد دين الإسلام الحنيف، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

ج- الدروز:

إن هذه الفرقة من الفرق الباطنية، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، ينسبون إلى رجل يقال له: نشتكين الدرزي. نشأت في مصر، لكنها لم

ص: 824

تلبث أن هاجرت إلى الشام، عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها. فلا تنشرها بين الناس، ولا تعلمها حتى لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين. ولا يسمح لأحدٍ أن يدخل في مجتمعهم، إلا لليهود خاصة.

أصل الدروز ونشأتهم:

محور العقيدة الدرزية هو الخليفة (الفاطمي): أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله (الفاطمي) الملقب بالحاكم بأمر الله. ولد سنة 375 هـ، وقتل سنة 411 هـ. كان شاذًا في أفكاره، وسلوكه، وتصرفاته، شديد القسوة والتناقض، والحقد على الناس، أكثر من القتل والتعذيب دون أسباب تدعو إلى ذلك. والمؤسس الفعلي لهذه العقيدة هو: حمزة بن علي ابن محمد الزوزني (375 - 430 هـ): وهو الذي أعلن ألوهية الحاكم سنة 408 هـ، ودعا بها، وألف كتب العقائد الدرزية، وهو مقدس عندهم بمثابة النبي صلى الله عليه وسلم عند المسلمين.

والشخصية الثابتة في تأسيس المذهب الدرزي هو: محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، كان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز، إلا أنه

ص: 825

تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة 407 هـ، مما أغضب حمزة عليه وأثار الناس ضدّه حيث فرّ إلى الشام، وهناك دعا إلى مذهبه وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه على الرغم من أنهم يلعنونه لأنه خرج عن تعاليم حمزة الذي دبّر لقتله سنة 411 هـ.

اعتقاداتهم:

أهم المعتقدات التي أوقعتهم في الشرك بالله جل شأنه هي ما يلي:

1 -

يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع. فبقولهم هذا وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيان ذلك فيما بعد.

2 -

ينكرون الأنبياء والرسل جميعًا ويلقبونهم بالأبالسة.

فباعتقادهم هذا وقعوا في شرك تعطيل الله عز وجل عن أفعاله.

3 -

ينكرون اليوم الآخر، وبالتالي الجنة والنار.

فهذا الاعتقاد أيضًا أوقعهم في شرك تعطيل الباري في الربوبية عن أفعاله الحكيمة.

ص: 826

4 -

ينكرون الشرائع.

وهذا أيضًا من الشرك بالله جل شأنه في أفعاله بتعطيل أفعاله سبحانه.

فهذه بعض معتقداتهم التي أوقعتهم في الشرك مع ما يعتقدون من العقائد الباطنية الأخرى من أن إلههم خلق العقل الكلي وبواسطته وجدت النفس الكلية، وعنها تفرعت المخلوقات. وسيأتي ذكر هذه العقيدة عند بيان الشرك في الربوبية في هذه الأمة. وإنما جرى ذكرهم هنا لوجود الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أفعاله جل وعلا، وذلك بإنكار اليوم الآخر، والثواب، والعقاب، والبعث، والجنة، والنار، وبإنكار الشرائع.

د- البابية والبهائية:

هي: حركة باطنية من الحركات الباطنية الخبيثة التي تحاول هدم الإسلام وإخراج أهله منه بأساليب وطرق شتى قديمًا وحديثًا. نشأت هذه الفرقة سنة 1260 هـ تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.

وهذه الفرقة في الحقيقة نشأت عن الشيخية الإمامية، الذين أثاروا أشواق الناس وهيجوها إلى قرب ظهور المنتظر الموعود (الموهوم)، كما

ص: 827

كانت هناك أحوال سيئة في إيران حيث إن اليأس، والقنوط، والجهل ثبت سمومها وترمي النفوس إلى أوهام تتشبث بأذيالها للنجاة. ففي مثل هذا الظروف السيئة والمعتقدات الفاسدة ولد مؤسسها المرزا علي محمد رضا الشيرازي سنة 1235 هـ، وشبّ فيها حتى أعلن أنه الباب إلى المهدي المنتظر الملقب بالبهاء، وسمى الحركة بالحركة البهائية، وله كتاب وضعه وسماه (الأقدس)، وقد هلك سنة 1892 م - 1266 هـ.

اعتقاداتهم:

لهم اعتقادات كثيرة، من أبرزها:

1 -

أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته، وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء.

2 -

يقولون بالحلول والاتحاد، خصوصًا في المرزا حسين علي المازندراي الملقب بالبهاء.

3 -

إنكار البعث واليوم الآخر، والجنة، والنار، الحساب، والميزان، وغيرها.

4 -

إنكار الشرائع بدعوى نسخها بظهور الباب.

والمقصود: أن هؤلاء البابية والبهائية وقعوا في الشرك بأنواعه،

ص: 828

فاعتقادهم أن الباب هو الذي كل شيء شرك بالله في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيانه.

واعتقادهم أن ذات الرب جلّ في البهاء هو شرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل ما يتعلق بحقيقة التوحيد. كما سيأتي بيان ذلك.

واعتقادهم عدم وجود القيامة والبعث، واليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب، والعقاب أوقعهم في الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله عز وجل عن أفعاله. ومثل هذا اعتقادهم في إنكار الشرائع؛ فإنه تعطيل لأفعال الله جل شأنه. فلوجود هذين الاعتقادين الأخيرين أوردتهم في هذا الموضع.

وهؤلاء البابية والبهائية في إنكارهم هذين الشيئين ليس لهم أي مستند لا شرعي ولا عقلي، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون من ورائها هدم الدين الإسلامي من أساسه، ولكن الله عز وجل يحفظ هذا الدين من كيد أعدائه الكافرين ولوكره المشركون.

الفرع الثاني: المعتزلة قديمًا وحديثًا:

لقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من القدرية من المعتزلة، وذلك لإنكارهم القدر، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا وتعطيلاً لأفعال الله في الباب الثاني. وإنما المقصود هنا بيان وقوع بعض الناس في هذا النوع من الشرك، فالمعتزلة القدرية هم الرواد في إنكار القدر في الإسلام، وهو أول شرك على رواية منصوصة عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ص: 829

والمعتزلة ليست فرقة منقرضة كما يزعمه البعض، بل آراؤهم حية في الفرق الأخرى، ولهذا ترى جحود القدر من المسائل التي لا تزال موجودة، فإن من أهل الضلال من يجحده كلية، ويدعو غيره إلى الكفر به، كما فعل ذلك القصيمي حين زعم أن الإيمان بالقدر سبب تأخر المسلمين عن مواكبة الحضارة الدنيوية، وأنه كان سببًا ـ بزعمه ـ في إلقاء الوهن بين الناس.

ومثله: حسين أمين الذي يرى أن عقيدة الإيمان بالقدر عقيدة بدوية، لا تناسب المدنية والتطور الذي يشهدهما العالم اليوم.

ومن أهل الضلال من يجحد مراتبه، كالإرادة والخلق، وهؤلاء هم المعتزلة ومن اعتقد معتقدهم من الرافضة، وبعض الماتريدية وبعض الأشاعرة مثل محمود شلتوت، وغيرهم.

فهؤلاء يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه، وليس الله ـ تعالى ـ والخلق أحد مراتب القدر، كما أنهم ينفون إرادة الله ـ تعالى ـ، والإرادة أيضًا من مراتب القدر. وقد سبق الرد على منكري القدر في الباب الثاني فلا نعيده هنا.

الفرع الثالث: الروحية الحديثة:

هي دعوة هدامة، وحركة مغرضة، مبنية على الشعوذة، تدّعي استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية، تهدف إلى التشكيك في الأديان والعقائد،

ص: 830

وتبشر بدين جديد وتلبس لكل حالة لباسها.

ظهرت في بداية هذا القرن في أمريكا، ومن ورائها اليهود، ثم انتشرت في العالمين العربي والإسلامي.

أصل هذه الفكرة ونشأتها:

الروحية الحديثة أو تحضير الأرواح شيء واحد، فقد تأسست بلندن عام 1882 م جمعية المباحث الروحية وامتد علمها في إنجلترا وأمريكا. ومن أعضائها أعلام في الفلسفة والعلوم الطبيعية. وتقبل في عضويتها المؤمنين بوجود الأرواح والمناهضين لها، وكل ما تشترطه الإلمام بالروح كظاهرة طبيعية.

وتقوم هذه الجمعية ببحوث ودراسات عن الروح وعن عالم ما وراء الطبيعة بواسطة التجربة ـ كما يدعون ـ، وتقيم المؤتمرات وتؤلف الكتب.

وبداية فكرة الروح عندهم قصة حدثت مع رجل يدعى (فيكمان) كان يسكن في قرية (هيدسفيل) في نواحي ولاية (نيويورك) حيث سمع طرقات متكررة في منزله فدب الرعب في أسرته فهجروا البيت، ثم سكنت في البيت أسرة أخرى هي أسرة (جون فوكس)، وعادت الطرقات من جديد، وتجاسرت ربة البيت؛ فقالت للطارق: إن كنت روحًا فأحدث طرقتين، ففعل، فسألته عن سن ابنتها، فطرق طرقات بعدد سني ابنتها. ولم تزل تسأله حتى علمت أنها روح رجل كان ساكنًا في ذلك البيت فقتله جاره وسرق ماله، وهكذا ضبطت الجريمة.

هكذا يروي أدعياء الروحية الحديثة بداية فكرتهم، وبعد هذا بدأ

ص: 831

أصحاب هذا المذهب يحضرون الأرواح ويقومون بالتجارب إلى أن توصلوا إلى تثبيت معالم مذهبهم، والذي يتلخص فيما يلي:

1 -

يقولون: إن الإنسان مكون من جسم مادي ومن آخر أثيري يتخلله ويطابقه، وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا هذا. ولا يزالون كذلك مدة تختلف باختلاف درجتهم الروحية.

وبناء عليه فيمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسمة بواسطة شخص يسمّونه الوسيط الذي لا يشترطون فيه الصلاح، والدين، بل المهم أن يكون لديه استعداد فطري لهذا الأمر، وأن يتمتع بقوة البصر أو الشم، أو الذكاء، أو قوة الأعصاب، وأن يقع في خدر عال عند إرادته تحضير الروح فتستفيد الروح من استعداده فتكلم الناس بفمه وتنبئ عن أمور الحاضرين وتكشف أسرار العلم والفلسفة وتصف العلاجات.

أما أسلوب تحضير الأرواح فيتم تجهيز غرفة مظلمة فيها نور أحمر خافت ـ حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يميز ما حوله ـ ويجلس فيها الذين يريدون مشاهدة الروح أو ما يسمّونهم (بشهود الجلسة)، وهناك حجرة صغيرة متصلة بالغرفة السابقة. وتسمّى هذه الغرفة الصغيرة بالخباء أو الخدر وهي معدة لجلوس الوسيط. فإذا تم الاتصال بين الوسيط والأرواح فإنه يخرج عبر الوسيط إشعاعات من الحجرة الصغيرة باتجاه الحجرة الكبيرة، وتسمع أصوات الروح في تلك اللحظة بل إنها تطلب الطعام والشراب.

ويؤكد أصحاب المذهب على صحة مذهبهم بأنهم التقطوا صورًا لتلك الأشباح بواسطة الأشعة تحت الحمراء، وأن مذهبهم علمي بدليل وجود العلماء من مختلف الحقول في صفوفهم.

ص: 832

2 -

ويقولون: إن هذه الأرواح تفتيهم في مشكلات الغيب ومعضلاته ويستعان بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس، والإرشاد على المجرمين، والكشف عن الغيب، والتنبؤ بالمستقبل.

3 -

يعتقدون أن هذه الأرواح التي يستحضرونها مرسلة من الله إلى البشر كالرسل.

4 -

يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح، ويقولون: إن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء.

5 -

يعرضون أفكارهم لكل شخص وفق ما يناسبه، ولذلك تجدهم أحيانًا يدعمون تلك الدعاوى بنصوص من الكتب السماوية بعد أن يلووا أعناقها كما يريدون، وفي بعض الأحيان يقولون لهم:(أنصح الحاضرين بقراءة القرآن والأدعية). وفي الحقيقة: تظهر بعد أيام من الدخول فيها: إنهم يرفضون الوحي، والرسل، ويقولون: إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه، ويسخرون من المتدينين.

6 -

يقولون: بأن إلههم أظهر من إله الرسل وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية.

وفيه تصريح بأن الروحية دين جديد يدعو إلى العالمية ونبذ كل الأديان.

7 -

ينكرون شرع الله، وينادون بترك العبادات.

8 -

يدعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة، ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء، وأن الجنة والنار حالة عقلية

ص: 833

يجسمها ويصنعها الخيال.

9 -

يقولون بحلول الإله في الحاضرين في المجلس واتحاده بهم.

فهذه أغلب اعتقادات الروحية الحديثة. فقد وقعوا بهذه الاعتقادات الفاسدة في أنواع من الكفر كما وقعوا في ألوان من الشرك. أما وقوعهم في أنواع من الكفر بالله جل شأنه فهذا واضح، فإن أغلب هذه الأقوال كفر. وأما وقوعهم في ألوان من الشرك بالله؛ فيمكن بيانه فيما يلي:

أ- قولهم إن هذه الأرواح تحل المشكلات، والمعضلات، وتخبر عن الغيب، هذا كله شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفات الله جل شأنه. وسيأتي شبهاتهم والردود عليها ـ بمشيئة الله ـ فيما بعد.

ب- قولهم بالحلول والاتحاد: شرك بالله في الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد. وسيأتي ذكر هذا القول عند بيان شرك الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد بعد هذا الباب ـ بمشيئة الله ـ.

ج- قولهم: بإنكار الشرائع، وهكذا قولهم بإنكار عقيدة البعث، والجزاء، والجنة والنار، والحساب، شرك بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا.

ولما كان هذا النوع من الشرك ـ الذي نحن في بيانه ـ وجد لدى هؤلاء ـ أصحاب الروحية الحديثة ـ جرى ذكرهم في هذا الموضع.

ولكن هل عندهم شبهة عقلية أو شرعية في إنكارهم البعث واليوم الآخر،

ص: 834

وإنكارهم الشرع؟ يبدو لمن يتفصح أقوالهم وآراءهم أنهم لا يذكرون أي شبهة لا عقلية ولا شرعية، في رد هذين الشيئين. وإنما هذا من الادعاءات التقريرية التي لا نشغل بالنا بالرد عليه.

ومع تفاهة دعاوى هذه الفرقة أو الطائفة نرى أن هذه الدعاوى منتشرة في جميع العالم الإسلامي، وقد تأثر بها كثير من الناس الذين عرفوا بالعلم والفضل، ووجد من يرى أن الأرواح تحضر حقيقة، وتستطيع أن تخبر عن المغيبات وتحل المشاكل. فمن هؤلاء: الشيخ طنطاوي جوهري، والأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، والأستاذ محمد فريد وجدي، والدكتور رؤوف عبيد الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، والشيخ محمد حسنين مخلوف كما ذكر عنه الدكتور رؤوف عبيد، والأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر سابقًا، وغيرهم.

الفرع الرابع: العلمانية: (غير الملحدة):

وهي العلمانية التي لا تنكر وجود الله، بل تؤمن به إيمانًا نظريًا، ولكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة. بل تنكر شرع الله ولزومه إمّا صراحةً وإمّا ضمنًا.

ص: 835

فهذا الاعتقاد لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية بتعطيل أفعاله سبحانه وتعالى.

من مظاهر هذه العلمنة:

1 -

تطبيق العلمنة في التعليم ومناهجه، فأبعد الدين عنه.

2 -

تطبيقها في السياسة والحكم، فعزل الدين عنها.

3 -

تطبيقها في الاقتصاد ونظم الأموال فعزل الدين عن هذا المجال.

4 -

تطبيقها في القوانين المدنية، فوضع العلمانيون قوانينهم.

5 -

تطبيقها في الاجتماع والأخلاق، فأبعد الدين عنهما.

6 -

تطبيقها في الفنون، فانطلق هواة الفن ينتجون إنتاجاتهم المختلفة مستهينين بالدين وبفضائل الأخلاق وبفضائل السلوك.

وجملة الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب ما يلي:

1 -

إن العلمانية هي أساس الوحي، والوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه.

2 -

إن الشريعة مطبقة بالفعل.

3 -

التناقض بين العلم والدين.

4 -

دعوى ضرورة الدولة القومية وانقضاء عصر الدولة الدينية.

5 -

دعوى جمود الشريعة وقعودها عن ملاحقة الحياة التطورية.

6 -

دعوى الاستبداد السياسي.

7 -

دعوى الكبت واضطهاد حرية الفكر ومعاداة التقدم.

ص: 836

8 -

دعوى الموانع الطائفية.

9 -

دعوى القسوة في العقوبات الشرعية.

هذا مجمل الدعاوى التي يتشبثون بها في تعطيل شرع الله عز وجل.

مجمل الردود على هذه الدعاوى:

أولاً: نقول: هل تؤمنون بالله ربًا؟ فإن آمنتم بهذا المبدأ فالأمر هين، فإن من المستحيل أن يكون الرب غير عالم بمصالح العباد ومشاكلهم، أنتم عالمون بهذه المصالح والمشاكل التي تذكرونها! ، هل الله جل وعلا لا يعلم ما تذكرونه؟ .

ثانياً: هل تؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم بأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشريعة؟ وأنها ناسخة لما قبلها؟ وأن هذه الشريعة مكملة؟ أم ترون أن شريعته ناقصة، وهناك شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعده؟ فإن قلتم بالأول الذي يدل عليه القرآن والسنة فقد اعترفتم بتفاهة هذه الدعوى، وإن قلتم بالثاني فقد خرجتم من دين الإسلام.

ومع الردود على هذه الشبهات يكون قد استعرضنا معظم الشرك في الربوبية بتعطيل أفعاله جل وعلا. وإن كان هناك فرق وطوائف أخرى وجد عندهم هذا النوع من الشرك؛ كالقومية، والوطنية، وبعض نوادي

ص: 837