المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية - الشرك في القديم والحديث - جـ ١

[أبو بكر محمد زكريا]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الشكر والتقدير:

- ‌التمهيد

- ‌المسألة الأولىمعنى التوحيد وأنواعه

- ‌المسألة الثانيةمعنى الشرك وأنواعه

- ‌المسألة الثالثةهل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك

- ‌الباب الأول في شرك الأمم السابقة

- ‌الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه

- ‌القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل

- ‌القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل

- ‌القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل

- ‌القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح

- ‌الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة

- ‌المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح

- ‌المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود

- ‌المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح عليه السلام

- ‌المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام

- ‌المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط عليه السلام

- ‌المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف عليه السلام

- ‌المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب عليه السلام

- ‌المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى عليه السلام وبيان شركهم بالله

- ‌المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى عليه السلام

- ‌المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس

- ‌المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى عليه السلام

- ‌الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها

- ‌المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية

- ‌المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة

- ‌الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك

- ‌الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية

- ‌الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه

- ‌المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية

- ‌المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله

- ‌المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية

- ‌المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم:

- ‌المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم

- ‌أولاً: البساطة والسذاجة:

- ‌ثانياً: وهن العقيدة:

- ‌ثالثاً: تعصبهم لمعبوداتهم:

- ‌رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات:

- ‌المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا

- ‌الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة

- ‌الفصل الأول خوف الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه

- ‌المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه

- ‌المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه

- ‌الفصل الثاني سده صلى الله عليه وسلم جميع أبواب الشرك

- ‌المبحث الأول سدّه جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله

- ‌المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل

- ‌المطلب الثاني: سده صلى الله عليه وسلم لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها:

- ‌المبحث الثاني في سدّه صلى الله عليه وسلم جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته

- ‌المبحث الثالث سدّه الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك ـ خصوصًا إلى الشرك الأصغر ـ وصدور التحذير منه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان:

- ‌المطلب الثاني: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي:

- ‌المطلب الثالث: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي:

- ‌المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها

- ‌الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه

- ‌المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة

- ‌المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك

- ‌المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية

- ‌الباب الرابع مظاهر الشرك في العصر الحديث

- ‌الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية

- ‌المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل

- ‌المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:

- ‌المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:

- ‌المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:

- ‌المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد

- ‌المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات:

- ‌المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه

الفصل: ‌المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية

‌المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية

؟

فَطَر الله جميع الخلائق على الإقرار بهذا التوحيد لا يمنع أن يكون الأمم قد وقع في شرك الربوبية، كالدهرية قديمًا، والشيوعية حديثًا ـ كما سيأتي في الباب الرابع ـ، فمن شذ من هؤلاء وأمثالهم، فادعاء إنكارهم له جل وعلا إنما هو عن استكبار وعناد، لا عن شك وارتياب.

وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الخالق جل وعلا وادعاؤه بأنه إله من دون الله (فرعون) عندما قصه الله علينا في قوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، والذي قال لنبي الله موسى صلى الله عليه وسلم على وجه الإنكار عندما أبلغه رسالة ربه:(فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).

ومع هذا فإنكاره لربوبية الله جل وعلا ما كان إلا عن مكابرة. قال تعالى بعد الآية الأولى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وأقام تعالى الحجة بعد الآية الثانية على لسان نبيه موسى صلى الله عليه وسلم بقوله:(قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ

ص: 377

كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).

وقد وجد إنكار الربوبية على وجه التكبر والعناد في أمم قبل فرعون، منهم: عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وكما وجد في ملك قوم إبراهيم عليه السلام عندما قال:(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، لما قال له إبراهيم عليه السلام:(رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ). ولكن مع هذا لم يكن التعطيل والجحود لربوبية الله جل وعلا غالباً في أمة من الأمم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جحود الصانع لم يكن غالباً على أمة من الأمم قط، وإنما كان على دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى

كان في الباطن عارفاً بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده

).

وقال في موضع آخر: (فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل، وإنما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعباداته، ونحو ذلك

). وسيأتي

ص: 378

بيان حقيقة مذهب الدهرية المعطلة فيما بعد.

وإنما قلنا إنما جحود الصانع لم يكن غالباً في أمة من الأمم، فإن الآيات دالة على منزلها، والمخلوق دال على الخالق سبحانه، كدلالة الأثر على المؤثر، فالفطرة هدت الأعرابي إلى أن يقول:((البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ ! )).

وأما ما نسب إلى بعض الطوائف من اعتقادهم (وجود إلهين كالثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، فإنهم متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة هل هي قديمة أم محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين). وسيأتي بيان مذهب الثنوية فيما بعد.

ص: 379

وأما النصارى القائلين بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطريين في فهمه وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! .

والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على إدراك فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال.

ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثمَّ خالقًا خلق العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورًا محدثة بدون

ص: 380

إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي الأمم قد يظن في آلهته شيئًا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك.

فلما كان هذا النوع من الشرك في الربوبية موجودًا بين الناس ـ حتى في مشركي العرب كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى:(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).

قال ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دون فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه؛ فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون. وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره، كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية، فكما

ص: 381

يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، يستحيل أن يكون لها إلهان معبودان).

والمقصود: أن الأمم السابقة قد وقع منهم الشرك في الربوبية، ولكن التعطيل المطلق لم يكن صفة عامة لأمم من الأمم، وإنما كان في شواذ من الناس، وهكذا ما وجد ي الأمم من أثبت صانعين وخالقين متماثلين في الذات والصفات، وإنما كان شركهم إما بالأنداد، أو بالتعطيل الذي يتمثل في تعطيل الصانع عن المصنوع مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، وفي تعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه أو صفاته، أو بإثباتها للغير، أو بتشبيهها بأسماء أو صفات أو أفعال غير الله سبحانه وتعالى.

أو التعطيل الذي يتمثل في تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وقد سبق معنا بيان أمثلة كل من وقع في هذه الأنواع من الشرك في الربوبية، وفيما يلي إشارة موجزة إلى كل من وقع في هذه الأنواع من مشركي الأمم السابقة:

إن المشركين في الربوبية من الأمم السابقة يمكن تصنيفهم بما يلي:

الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق:

أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، ويدخل تحت هذا شرك فرعون؛ إذ قال:(وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ). ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته،

ص: 382

وأنه لم يكن معدومًا أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، وهم الفلاسفة الصابئة الملاحدة الدهريون.

قال ابن القيم: (وهؤلاء فرقتان؛ فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.

وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء: مركباتها وبسائطها، من ذاتها، لا من شيء آخر، وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلاً يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه، وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة

).

وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم العالم أرسطو، والرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنه ولا معاد ولا رسول ولا كتاب، وبالجملة: ملاحدة الفلاسفة هم أهل التعطيل المحض، فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع.

ص: 383

ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وهذا القسم لا أعلم أن أحدًا من مشركي الأمم السابقة وقع فيه، فإن القول بوحدة الوجود ما عرف سابقًا، اللهم إلا أن يقال: إن قولهم هذا مستمد من قول فرعون، وأن حقيقة فرعون لا يختلف عن قولهم كثيرًا، كما أشار إليه شيخ الإسلام في بعض فتاويه. وأما بعد فرعون فمن الأمم التي وقعت في هذا النوع من الشرك: اليهود في دعواهم حلول الله في عزرا، والنصارى في دعواهم حلول الرب جل وعلا في المسيح عيسى. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. وقد وقع فيه جملة من الأقوام من الأمم الماضية: فمن ذلك شرك عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ بإنكارهم وتعطيلهم صفتي القدرة والقوة لله جل وعلا.

ومن ذلك: شرك اليهود والنصارى عندما عطلوا صفات الكمال لله جل وعلا ووصفوه بنقيض صفاته، بل بصفات مخلوقاته، وقد وصفوا بعض المخلوقات بصفات الله.

ومن ذلك: شرك منكري الرسالة، وهذا كثير في الأمم، فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله عز وجل وحكمته في خلقه.

ومن ذلك: شرك منكري القدر؛ ولا أدري هل أنكرته الأمم السابقة أم لا؟

ص: 384

ولكن يفهم من قوله تعالى رادًا على المحتجين بالقدر: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم) أنهم وقعوا فيه.

ومن ذلك أيضًا: شرك إثبات التشريع والتحليل والتحريم لغير الله، فهم وقعوا في هذا النوع من الشرك كالنصارى في رهبانهم، واليهود في أحبارهم، ويدل عليه ما مضى معنا من حديث عدي بن حاتم، وقوله تعالى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).

ولعل منكري البعث من الأمم يدخلون تحت هذا النوع من التعطيل، فإن البعث من فعل الله عز وجل وحكمته، فمن عطله فقد أشرك فيه غير الله، فإنه ـ كما سبق ـ إن كل معطل مشرك.

الصنف الثاني: أصحاب الأنداد الذين كانوا يشركون بالله من غير تعطيل: وهم الذين اتخذوا مع الله آلهة أو إلهًا آخر، ولم يعطلوا أسماءه وصفاته وربوبيته، فهؤلاء أقروا بالربوبية لله جل وعلا، ولكن جحدوا ما يترتب عليه، وهؤلاء آمنوا بالله ربًا وخالقًا، ولكنهم لم يفردوه بالعبادة، ولم يتحمل عقلهم المريض أن يكون الله وحده هو المعبود دون من سواه، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم ـ وفيمن كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي

ص: 385

في الباب الثاني بمشيئة الله ـ.

(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).

وقد نعى الله عليهم هذا المسلك في آيات كثيرة تناقشهم وتوضح لهم أن الإيمان بربوبية الله تعالى مستلزم للإيمان بألوهيته وحده دون من سواه.

وهؤلاء في الأمم السابقة هم الأكثرون، فمن هذا النوع:

1 -

شرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا آخر.

2 -

شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.

3 -

شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت ـ بزعمه ـ كما يحيي الله ويميت.

4 -

شرك قوم فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقوله تعالى حكاية عن قول الملأ له:(وَيَذَرَكَ وإلاهَتِكَ) كما هو في بعض القراءات.

ص: 386

5 -

وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما كان شرك قوم نوح على قول، وشرك مشركي الصابئة من قوم إبراهيم باتفاق العلماء.

6 -

وأيضًا يدخل في هذا النوع شرك عباد الشمس وعباد الناس وغيرهم؛ الذين عبدوا غير الله معه، وزعموا في الله أنه إله من جملة الآلهة، أو أنه أكبر الآلهة.

7 -

ومن هذا الصنف: الثنوية من المجوس الذين قالوا: الصانع اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان، لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فالنور فاضل حسن نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه خيره كريمة، حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر.

والظلمة ضد ذلك؛ من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة مضرة، منها الشر والفساد.

ثم اختلفوا: فقالت طائفة: إن النور لم يزل فوق الظلمة.

وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر.

وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.

ص: 387

وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر على الشر، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجيء منها، ولهم مذاهب سخيفة جدًا.

واختلفوا هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ فقالت فرقة منهم: هي قديمة لم تزل مع النور، وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة خبيثة رديئة حدثت منها الظلمة، فدار مذهبهم على أصلين هما من أبطل الباطل.

أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها: كفو لخير الموجودات، وضد له، ومناوئ له، ويعارضه ويضاده، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيع دفعه، وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، بخلاف هؤلاء.

والأصل الثاني: أنهم نزهوا النور أن يصدره شر، ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده ـ بزعمهم أنه فكرة خبيثة حدثت منها الظلمة ـ فأثبتوا ربين وإلهين ـ وإن لم يكونا متماثلين ـ وأثبتوا خالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك.

قال ابن القيم: (ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالاً أسخف من هذا وأبطل لاستحى العاقل من حكاية هذا).

فهذا مذهب الثنوية، وقد أطلت فيه؛ لأني أراهم من شرك الأمم السابقة الذي نحن بصدد ذكره.

ص: 388