الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصانع عن كماله الثابت له. والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك أهل الوحدة. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته،
…
ومنه شرك معطلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغلاة المعتزلة.
النوع الثاني: شرك التمثيل: وهو شرك من جعل معه إلهًا آخر كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية المجوسية مختصر منه
…
).
فعلمنا بهذا البيان: أن التعطيل شرك. وقد عده العلماء من شر أنواع الشرك، ونظرًا إلى جزئيات هذا الشرك ووجودها في العصر الحاضر فإنه سيكون الكلام عليها في المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل المصنوع عن صانعه.
المطلب الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
المطلب الثالث: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد.
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:
ذكرنا فيما سبق أن هذا النوع من الشرك لم يذهب إليه إلا شرذمة قليلة
من الناس من بني آدم قديمًا، وما كان إنكارهم لله وشركهم بالله في هذا الباب إلا مكابرة ومعاندة من غير حجة ولا برهان:(وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). وقد ذكرنا أشهر من عرف بهذا النوع من الشرك من بني آدم، ومن تأثر به من الجاهليين، فلم يكن يخطر ببال أحدٍ أن يوجد هذا النوع من الشرك في هذه الأمة مع وجود العلم الذي يدعو إلى الإيمان. ولكن مع الأسف قد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من أبناء المسلمين من هذه الأمة.
وسأذكر بعض الطوائف التي وجد فيها هذا النوع من الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه في الشيوعية:
وذلك، لأن من معتقداتهم:(إنكار وجود الله تعالى وكل المغيبات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء، وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الدين، الملكية الخالصة، ـ عليهم من الله ما يستحقون ـ).
مجمل شبهات الشيوعية والردود عليها:
إذا نظرنا إلى شبهات الشيوعية في الإلحاد نجدها ما يلي:
1 -
القول بأزلية المادة أو الطبيعة وأبديتها، والأشياء باختلاف صورها إنما هي من نتاج المادة.
2 -
القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.
3 -
القول بالمصادفة.
فهذه الشبهات هي التي تلجأ إليها الشيوعية في محاولة الإلحاد بالله جل شأنه. وفيما يلي استعراض لشبهاتهم واستدلالاتهم عليها، مع الردود المقنعة عليها إن شاء الله.
الشبهة الأولى: القول بأزلية المادة وأبديتها:
وقبل أن ندخل في الردود عليهم يحسن بنا أن نذكر مقصودهم بالمادة، وصفاتها لديهم، حتى يتسنى لنا الردّ على وجه لا تبقى معه فجوة فيها.
تعريف المادة لدى لينين:
يعرف لينين المادة بقوله: (هي مقولة فلسفية تخدم في تعيين الواقع الموضوعي المعطى للإنسان في إحساساته التي تنسخه، تصوره، تعكسه، والموجود بصورة مستقلة عن الإحساسات).
وبناء على هذا التعريف الذي يعتبر المادة شاملة لجميع مفاهيم الأشياء كالورد والشجر، والبيت ونحوها ـ إذ كلها مفاهيم ـ تكتسب المادة خاصية السبق على الإدراك والتأثير فيه، وبما أن الفلسفة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ، أطلق على هذه الدراسة مقولة فلسفية، وبما أن المادة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ فهي إذن على هذا الأساس مقولة فلسفلية، ووظيفتها: تعيين الواقع الموضوعي؛ أي: الواقع المادّي الموجود خارج الإدراك، وهو المؤثر في أعضاء حواس الإنسان وإثارة إحساساته.
إذن: فالفكر انعكاس للمادة الواقعة على الدماغ، وهو يفكر في المادة التي تعكس عليه. وقبل انعكاس المادة على الدماغ لا يوجد فكر. فالمادة إذن
تسبق الفكر عنده.
بعد أن عرفنا المادة وأنها سابقة ـ حسب قولهم ـ في الوجود على الفكر، أذكر هنا رأيهم في أزلية المادة وأبديتها.
يقول الماديون: (وبالتالي فليس للكون نهاي ولا حدود، العالم أبدي وليس له أي (بداية) ولن يكون له أيّ (نهاية)، ومن هنا، فأيَّ عالم غيبي، غير مادي، غير موجود، ولا يمكن أن يوجد.
في واقع الأمر أنه إذا لم يوجد شيء غير المادة، فلا يوجد غير عالم مادّي واحد، وهذا يعني أنه عند وجود الأشياء والظواهر المختلفة في العالم المحيط بناء هناك خاصية واحدة توحدها، هي: ماديتها).
إذن، فلا يوجد شيء ـ على حدّ تعبيرهم ـ غير العالم المادي، ولا يمكن أن يوجد عالم روحي أو يوم آخر، كما جاءت به الأديان، فالإنسان، في نظرهم نتاج المادة فقط، فالمادة هي الخالقة، ولها خصائص الخالق، وليس هناك عالم غيبي، لأن العالم محصور فيما تدركه الحواس، ولم يكتفوا بإنكار وجود الله سبحانه وتعالى بل صرّحوا بأن الله من إبداع الإنسان، وأن المشكلة ليست هي مشكلة وجوده سبحانه، بل هي مشكلة فكرة وجوده.
إذن، مبدؤهم الذي ينطلقون منه: أن الله لا نفع فيه، وإثارة النقاش حول وجوده لا طائل تحته، إذ لديهم فكرة لا تتغير؛ وهي: أن ما وراء الكون المادي
وهمٌ وهُراءٌ.
فهذه المادة هي كل شيء، ترد بمعنى الطبيعة، كما أن الطبيعة ترد بمعنى المادة.
وأما قولهم بأبدية المادة فيعللون لها بقولهم: (إن في الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء، ولا يختفي أبدًا بلا أثر، وإذا كان الأمر كذلك فإن المادة أو الطبيعة قد وجدت دائمًا، لأننا إذا سلمنا بأنه في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في العالم، أي لم تكن توجد مادة، فمن أين لها أن تنشأ؟ ولكن ما أن توجد المادة فهذا يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات بل وجدت دائمًا، وستوجد دائمًا فهي أبدية وخالدة، ولهذا لم يمكن أن تخلق، فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن فناؤه، وبذلك المادة لم تنشأ أبدًا، بل وجدت دائمًا وستوجد دائمًا فهي أبدية).
إذن، فالمادة أبدية خالدة، لم تنشأ من العدم لأنه لا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه؛ ولهذا لا يجوز السؤال عن بداية المادة ونهايتها لأن آثارها واضحة ومشاهدة، والحركة كذلك محال خلقها وإفناؤها، لأنه صنعة المادة.
يقول انجلز: (المادة بدون حركة أمر غير معقول، بقدر ما هي الحركة بدون المادة، وإذن فالحركة محال خلقها وإفناؤها قدر ما هو محال ذلك بالنسبة للمادة نفسها).
الردود على هذه الشبهة:
قبل البدء في الردّ عليهم أورد هنا الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية، فإن الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية التي نشأت منها الشيوعية هو حصر نطاق المعرفة في المادة وحدها.
وهذا الفكر وإن كان نشأ ونما في أوروبا فيما بعد القرن السابع عشر إلَاّ أنه قديم في البشرية قدم الآفات والانحرافات فيها، ويعتبر امتدادًا لفكرة هؤلاء الماديين أو الدهريين الذين أنكروا البعث قديمًا ونسبوا الموت للدهر بدلاً من الله
…
كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر).
كذلك أعداء الرسالات أغلبهم مادّيون، ولذلك تراهم يتطاولون بالمادة وينكرون البعث واليوم الآخر ويرون الجزاء للإنسان قاصرًا على متع الحياة الدنيا
…
يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
كما يحكي القرآن مقالة الماديين لدى ظهور الإسلام: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر
الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي الله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه).
وقد بين القرآن أن هذا الذي طلبه الماديون في شأن التصديق بالرسالة الخاتمة ليس غريباً ولا غير معهود في تاريخ البشرية، وإنما هو أمر تكرر على عهد الرسالات السابقة:(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا 2 يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)؛ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد.
(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). فتشابهت قلوبهم. وقال متأخروهم بما قال به متقدموهم.
فالظاهرة العامة لهم هي الركون إلى المادة، وإنكار ما وراء المحسوس المشاهد. ولا يعرفون غيرها في مجال الإقناع والاقتناع.
ولكنّ هناك فروقاً بين الإلحاد القديم والحديث. ومن أهمها ما يلي:
أولاً: أن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله أصلاً ـ وهو أبرز ما في الاتجاه المادي الحديث عمومًا ـ لم يكن ظاهرة منتشرة متفشية في القديم، وإنما الذي كان شائعًا هو الشرك بمعنى منح خصائص الألوهية لغير الله عز وجل، وإشراك آلهة مزعومة معه سبحانه.
صحيح أن الملاحدة الدهرية كان لهم وجود منذ القدم ـ كما أشير من قبل ـ ولكن هؤلاء كانوا شرذمة قليلين مع اختلاف آرائهم في هذا الباب. فإنهم كانوا على طائفتين:
الأولى: الفلاسفة الدهرية الإلهية. القائلون بقدم العالم، وكان من مقدمتهم أرسطو، وأتباعه. فهؤلاء لم يكونوا يقولون: بأن المادة هي الخالقة، بل كانوا يثبتون للعالم علة يتشبه بها.
الثانية: الفلاسفة الدهرية الملاحدة أو الطبيعية. القائلون بما ذكر الله عنهم بقولهم: (مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) فهؤلاء يشبهون في بعض الجواني الشيوعيين في العصر الحاضر، وقد ردّ الله عليهم في هذا القول بقوله:(مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)؛ أي: (يتوهمون ويتخيلون). فقولهم هذا ما كان مستندًا إلى علم أو يقين بل كان عن ظن
وتخمين.
ولكن الشيوعية الحديثة وإن كانت تشبه أفكارهم في جانب الإلحاد معهم إلَاّ أنها تختلف معها في بعض الجوانب ـ كما يأتي ـ.
ثانياً: الإلحاد في هذا الزمن هو إنكار وجود الله أصلاً، انتشر في العصور الحديثة انتشارًا واسعًا في دول أوروبا بصورة ملفتة للنظر، وأصبح له حكومات تحرسه، ودول تحميه، بل لقد غزا بلاد الإسلام حتى قام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته.
ثالثاً: إن إلحاد هذا الزمان يضرب بسيف من العلم، ويزعم بأنه يقوم على سند من العلم وتأييد من البحث، وذلك أن الصفة التي تتصف بها المادية قديمًا وحديثًا هي أن الماديين يتصورون أن المادة حقائق محسوسة ملموسة وليست فروضاً وراء الحس
…
والنظرة العلمية في تصورهم هي ما تخضع للبحث التجريبي، وما لا يخضع للبحث التجريبي لا يسمّى علميًا في نظرهم، ومن ثم أبعدوا مفاهيم الدين والغيب من مجال البحث العلمي حيث لا يقوم عليها دليل عندهم. ووصل الأمر أن أصبح الدين في حسّ كثير من العلماء الأوروبيين مثلاً للخرافة، وصاروا يدفعون عقيدة الإيمان بالله بحجة أن العلم يأباها،
…
وشنوا حملة ضد الإيمان عامة وضدّ الإسلام خاصة
…
بل بلغ الأمر إلى أن أصبحت هذه الآراء والأفكار الملحدة تدرس في كثير من جامعات العالم الإسلامي تارة باسم الفلسفة، وتارة باسم الجيولوجية، وتارة باسم الاقتصاد الحديث.
وهذه النظرية يمكن إبطالها بما يلي:
1 -
عدم استقرارهم على منهج معين. وذلك؛
أ- تراجعهم عن تعريف المادة:
سبق تعريف المادة كما عرفوها، وذلك ما قال به الشيوعية أخيرًا، حيث أعادوا صياغة تعريفها بقولهم: هي: (الوجود الموضوعي خارج الذهن). ولكن ماذا كانوا يقولون في تعريف المادة في أول أمرهم؟ كانوا يقولون: هي (كل ما تقع عليه الحواس)، وحصروا موادها في أمور أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، وكان المادّي يخبط المائدة بيده أو يضرب الأرض بقدمه ويقول لمن يجادله: هذه هي الحقيقة التي ألمسها بيدي وقدمي أو أراها بعيني وأسمعها بأذني.
ثم توالت الاكتشافات العلمية، وشاعت العلوم التجريبية في القرنين الأخيرين، وشاعت معها قوانين الحركة والضوء وسائر القوانين التي عرفت بالقوانين الوضعية، فتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة، فأعادوا صياغة تعريف المادة بأنها:(الوجود الموضوعي خارج الذهن).
ب- تراجعهم عن القول بأسبقية المادة على الفكر:
إن هؤلاء الشيوعيين كانوا في بداية أمرهم يقولون بأسبقية المادة على الفكر، وأرادوا بذلك إنكار المغيبات على أنها أفكار، والمادة سابقة لها، فلا يفكر فيها، بل الأصل هو المادة.
ولكنهم سرعان ما تراجعوا عن القول بأسبقية المادة في الوجود على
الفكر، يقول أصحاب أسس الماركسية اللينينية:(إن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة، ولكنها ليست شكلاً من أشكال المادة، وفي المسألة الأساسية في الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة والروح كضد للطبيعة، فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي: من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءًا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادية المنحطة).
إذن، لقد وصف الشيوعيون أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية والشيوعية على أساسه والذي يسوي بين المادة والفكر، ويعتبر الفكر شكلاً متطوراً من أشكال المادة يعكس الوسط المادّي، وصفوا هذا القول بأنه من المفاهيم المنحطة.
إذن، هؤلاء على اضطراب تام في تفسير الفكر، فبعضهم اعتبروا من المادة، وبعضهم اعتبروا التوحيد بين المادة والفكر كلاماً منحطًا، فلنتساءل: ما هو الحق لديكم في هذا الباب؟ هل هما شيء واحد، أم بينهما انفصال؟ .
ج- تراجعهم عن القول بالمادة بأنها هي أصل كل شيء. وذلك؛
أنه لما جاء القرن العشرين وجاء معه تفجير الذرة فتحولت المادة إلى طاقة وفتح ذلك الباب إلى تعريفات جديدة للمادة، منها: أنها صورة مختلفة من الطاقة فحسب، وقال آخر منهم: إن المادة مركبة من بروتونات وإليكترونات، أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء.
فلمّا تغير مفهوم المادة ورأوا عدم صحة القول بأنها هي وراء كل شيء، بل اكتشف أخيرًا أن المادة في نفسها طاقة تشكلت بوضع خاص فصارت مادة، قالوا: وماذا في الأمر؟ إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة. هكذا قال لينين.
من العرض السابق لتعريف المادة وبيان أقوالهم حولها رأينا أن المادة التي قال بها الشيوعيون والماديون، وبنوا عليها مذهبهم قد تغير مفهومها تماماً، ولم يعد لها ذلك المفهوم السطحي الذي نشأت الشيوعية في ظلها. فالمادة في القرن العشرين تحولت إلى طاقة.
وقررت الحقائق العلمية أخيراً؛ أن الشيء الصلد الذي نلمسه فتراه ذا حجم ثابت ليس أكثر من شحنات كهربية وإلكترونية. بل العالم المادّي المكون من جبال وأنهار وأرض وأشجار ونحو ذلك مما تشهد به حواسنا، هو كتل من الإشعاعات الضوئية المتحركة.
وبهذا نكون قد قضينا على القول بأن المادة هي أصل كل شيء. وفيما يلي نقد أقوالهم في أزلية المادة وأبديتها.
2 -
عدم وجود دليل قاطع على أزلية المادة وأبديتها:
فإن هؤلاء الملاحدة عندما يوجه إليهم السؤال ـ الذي يقوم عليه التحدي ـ من خلق المادة؟ فإنهم يجيبون: إن العلم أثبت أنها وجدت دائمًا منذ الأزل، فنحن نطرح عليهم سؤالاً لابدّ من إجابته لإثبات هذا المدعى، وهو:
أين الدليل العلمي القاطع الذي يثبت صدق دعواكم أن المادة وجدت من الأزل؟ وكل ما ذكرتموه من الاستدلالات بأنها سابقة الفكر، وأنها لا تنشأ عن لا شيء، وما لا يمكن إفناؤه لا يمكن أن يخلق. هذه الشبهات الثلاثة السابقة الذكر ليست إلاّ تخمينات وظنون وليس عليها أيّ دليل علمي قاطع. فكيف تؤمنون بالنظريات هذه وأنتم ما أثبتموها إلاّ بالظنون الكاذبة، ولم تؤمنون بالخالق المبدع مع أنّ آثار وجوده ظاهرة وباهرة؟ .
3 -
مخالفة الشيوعية للمنهج العلمي: وذلك؛
أن فلسفتهم المادية هي ـ حسب زعمهم ـ الفلسفة العلمية الوحيدة التي تتفق وسائر العلوم، ومن شأن المنهج العلمي الطبيعي ـ كما هو معروف ـ الاقتصار على الكون المادّي، وعدم تجاوزه إلى ما وراءه، لأن وسائله التي يعتمدها هي الملاحظة والتجربة، وهذه الوسائل قاصرة عن إدراك ما وراء الكون المادّي، فهي لا تملك إزاءه أية وسيلة للنفي أو للإثبات. فكان الواجب على الماركسية والشيوعية أن تلتزم بموضوع هذا المنهج ولا تتجاوزه إلى غيره، فتركز همّها في دراسة الكون المادّي ولا تتعداه إلى غيره، ولكنها أقحمت نفسها بشيء خارج عن مجال خطته التي خطها لنفسه، فتقحمت عالم الغيب، وأنكرت وجود الله سبحانه.
4 -
مخالفة المادة ـ التي زعموا أنها أزلية ـ خصائص الأزلية المعترف بها لدى جميع العقلاء، والمعترف بها لدى الشيوعيين أيضًا لزاماً: وذلك:
أن الأزلي كما هو مجمع عليه عند العقلاء لابدّ أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
1 -
أن يكون وجوده من ذاته ومتوقفاً على ذاته، ومن ثم فإنه يكون مستغنياً في وجوده وفي بقاء هذا الوجود واستمراره عن غيره، ولا يستطيع غيره أن يؤثر
عليه في إيجاد أو تحويل أو إعدام.
2 -
أن يكون قديمًا لا بداية له؛ لأنه لو كانت له بداية لكان محدثاً من العدم، فلا يكون أزليًا.
3 -
أن يكون باقيًا لا نهاية له؛ لأنه لوكانت له نهاية لكان هناك من يستطيع إفناءَه.
والماديون عمومًا يسلّمون بهذه الشروط الواجب توافرها فيما هو أزلي، ولكنهم يحاولون تطبيقها على المادة، ويزعمون أنها أزلية، فهل المادة كذلك؟ هذا ما سيحقق فيما يأتي في الردّ الخامس وما بعده.
5 -
أدلة حدوث الكون أو المادة:
وهذه الأدلة يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: في بيان الأدلة العقلية الفلسفية القديمة:
وأصل هذه الأدلة: هو إثبات وجود العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه، وذلك؛ أن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لابدّ له من علة، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى سنصل حتمًا إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لابدّ أن نقرر أن هناك خالقًا أزليًا ـ لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضى حدوثه ـ وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأوجده بالصفات التي هو عليها. والذي يوضح ذلك ما يلي:
1 -
دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم:
قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد قيل: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ): من غير رب خلقهم، وقيل: من غير مادة، وقيل: من غير عاقبة وجزاء، والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابدّ له من خالق. ومعرفة الفطر أن المحدَث لابد له من محدِث أظهر فيها من أن كل محدَث لابدّ له من مادة خلق منها وغاية خلق لها، فإن كثيرًا من العقلاء نازع في هذا وهذا، ولم ينازع في الأول. طائفة قالت: إن هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه؛ بل من الطوائف من قال: إنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع، وأمّا أن يقول: إنه محدث حدث بنفسه بلا صانع، فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة، وإنما يحكى عمّا لا يعرف).
وقال في موضع آخر: (قوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فيها قولان: فالأكثرون على أن المراد: أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض؟ كما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، وكما قال تعالى:(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). وقال: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ). وقيل: أم خلقوا من غير مادة، وهذا ضعيف، لقوله بعد ذلك:(أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فدل ذلك على أن التقسيم
أم خلقوا من غير خالق، أم هم الخالقون؟ ولو كان المراد من غير مادة لقال: أم خلقوا من غير شيء، أم من ماء مهين؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم لا مادتهم. ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق، فلو ظنوا ذلك لم يقدح في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم، ولأنهم لم يظنوا ذلك، ولا يوسوس الشيطان لابن آدم ذلك، بل كلهم يعرفون أنهم خلقوا من آبائهم وأمهاتهم، ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم. والاستفهام استفهام إنكار، مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء، فإذا أقروا بأن خالقاً خلقهم نفعهم ذلك، وأمّا إذا أقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك عنهم من الله شيئًا).
والمقصود: بيان أن في هذه الآية، ذكر الله عز وجل شيئين في قضية الخلق، وهما:
أ- إمّا أنهم خلقوا من العدم، والعدم هو الأصل.
ب- وإما أنهم خلقوا من شيء، وخلقوا أنفسهم بأنفسهم، فالوجود هو الأصل.
فمعنى الآية: هل انتقلوا من العدم إلى الوجود من غير خالق؟ أم هل كانوا هم الخالقين لأنفسهم في هذا الانتقال؟ وكلاهما من الأمور المستحيلة بداهة.
والموجِد لا يكون عدمًا لأن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل لأنه هو النفي العام لكل ما يخطر ببال، ونفي صفاته، فلا ذات ولا قوة ولا إرادة ولا
علم ولا حياة ولا أي شيء، ولا يمكن أن يتحول هذا العدم إلى الوجود، ولا يمكن أن يأتي من هذا العدم العام: ذوات وصفات وقوى تنطلق بنفسها منه إلى الوجود فقد ثبت لنا أن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولم يذكر القرآن خلق شيء من لا شيء، بل ذكرأنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئًا، كما قال تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مع إخباره أنه خلقه من نطفة).
فإذا لم يكن العدم هو الأصل لابدّ أن يكون الوجود هو الأصل، لأنه نقيض العدم، ولذلك يستحيل عقلاً أن يطرأ العدم على وجود علِمنا أنه هو الأصل.
ولو نظرنا إلى الموجودات التي تقع تحت مجال إدراكنا الحسّي في هذا الكون العظيم لوجدنا أن هذه الموجودات ـ ومنها الإنسان ـ لم تكن ثم كانت، وأن أشكالاً كبيرة كانت معدومة في أشكالها وصورها ثم وجدت، كما هو مشاهد لنا باستمرار، كما تبدو لنا صورة التغيرات الكثيرة الدائمة في كل جزء من أجزاء هذه المواد الكونية التي نشاهدها، أو نحسّ بها، أو ندرك قواها وخصائصها، فمن موت إلى حياة، ومن حياة إلى موت، ومن تغييرات في الأشكال والصور إلى تغييرات في الصفات والقوى، وكل ذلك لا يعلّل في عقولنا ـ وفق قوانين هذا الكون الثابتة التي استفدناها من الكون نفسه ـ إلاّ
بالأسباب المؤثرة التي تحمل سرّ هذه التغيرات الكثيرة المتعاقبة في كل شيء من هذا الكون على اختلاف جواهره وصفاته، سواء منها المتناهي في الصغر أو المتناهي في الكبر.
وهنا نقول: لو كان الأصل في هذه الموجودات المعروفة على حواسنا (المادة) هو الوجود الأزلي، لم تكن عرضة للتحول والتغير والزيادة والنقص، والبناء والفناء، ولم يحتج صور وجوداتها وتغيراتها إلى أسباب ومؤثرات. وبما أنه عرضة للتغيير والتحويل، وبما أن قوانينها تفرض احتياجاتها إلى الأسباب والمؤثرات، لزم عقلاً ألا يكون الأصل فيها الوجود، وإنما يجب عقلاً أن يكون الأصل فيها هو العدم، ولابدّ لها من سبب أوجدها من العدم، وهو الله سبحانه وتعالى.
2 -
دليل الإمكان في الكون أو المادة.
بملاحظتنا لكل شيء في الكون، سواء كان من الأشياء المادية التي يمكن أن ندركها ببعض حواسنا كالأرض والكواكب والنجوم، أو صفة من الصفات القائمة في الأشياء المادية التي نستنبط وجودها بعقولنا كالجاذبية الخاصة الموجودة في حجر المغناطيس، وكخواص المركبات المادية التي لا حصر لها في الكون سواء في ذلك الظواهر الكيميائية أو الفيزيائية، من خلال ملاحظتنا لجميع هذه الأشياء الكونية، ندرك بداهة في كل واحد منها أنه كان من الممكن عقلاً أن يتخذ صورة وحالة غير ما هو عليه الآن. فما المانع من أن
يكون العقل في البهائم والنطق في العجماوات؟ وما المانع من أن يكون الأرض أدنى إلى الشمس والقمر من الوضع الذي هي عليه؟ أو غير ذلك من أشياء كثيرة.
فإن قيل: إن الحكمة تقتضي أن تكون هذه الأشياء كما هي عليه الآن. وإلاّ لاختل النظام وفسدت النتائج المرجوة من هذا الكون.
قلنا: إن الحكمة هي من صفات الحكيم ـ هو الله سبحانه ـ وما دام أن كل شيء في الكون يحتمل أن يكون على واحد من أوضاع كثيرة غير الوضع الذي هو عليه الآن، فإن العقول لابدّ أن تحكم بداهة بأن ما كان كذلك فلابدّ من مخصص قد خصصه باحتمال موافق للحكمة والإبداع والاتفاق من جملة احتمالات كثيرة، ولولا وجود المخصص للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، أو القول بأن موافقة الحكمة ـ فيما لا حصر له من الأعداد ـ كان على طريق التصادف، وكلاهما مستحيل عقلاً.
3 -
دليل الإتقان في الكون:
من أعظم ما يدهشنا في أنفسنا في الكون من حولنا ذلك الإتقان العجيب في التركيب والصنع، فما نصادف من شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ وهو
في غاية الإتقان، مركب أحكم تركيب يودّي به إلى غايته التي خلق من أجلها.
أليس من الإتقان هندسة الكون العجيبة، في مخطط كواكبه ونجومه، بحيث إن أيّ تغيير فيه يؤدّي به إلى الخلل والنقص أو الخراب والفناء. وكذلك، أليس من الإتقان المدهش هذا الإنسان في خلقه وتكوينه، وكذلك هذه الحيوانات المدهشة في تكوينها. نعم، في كل شيء نرى فيه الإتقان المدهش الذي لا يصدر إلاّ عن متقن بنفسه يتقن كل شيء صنعًا.
فهذه أدلة علمية عقلية كلها تدور على أن الكون بما فيه المادة، حادثة وموجودة بعد أن لم يكن لها وجود، فهي حادثة، والحادث لابدّ له من محدث، وبهذه يبطل قول الماديين بأزلية المادة كما أنها في حالة حدوث وتغيير دائمين، فحدوثها وتغييرها دليل على أن لها بداية، وهذا الدليل نفسه يقودنا إلى أن للمادة نهاية محتومة لابدّ أن تصير إليها، لأن كل شيء له بداية لابدّ أن يكون له نهاية.
وحين لا يسلم بهذه الأدلة المنطقية العقلية التي تدل على حدوث الكون (المادة) وبدايته ونهايته طائفة من المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها، ومنجزاتها، فإنني أعرض لهم أدلة من هذه العلوم وقوانينها التي تثبت حدوث الكون، وأنه لابدّ له من إله أوجده من العدم، كما أن له نهاية محتومة سيصير إليها.
المجموعة الثانية: في بيان الأدلة العلمية على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية:
وهذه الأدلة يمكن أن نقسمها قسمين:
الأول: الأدلة العلمية الحديثة الدالة على أن المادة ليست بأزلية:
وذلك بما يلي:
1 -
أثبتت الكشوفات العلمية في العصر الحديث أن للمادة بداية، حيث لاحظ العلماء أن حركة المادة في الكون كله حركة دائرية، فكل ذرة من ذرات الكون مؤلفة من جزئي كهربيّ موجب ويسمَّي (البروتون)، وجزئي كهربي سالب، ويسمَّي (إليكترون)، وبعض الذرات تحتوي على جزء ثالث معتدل ويسمَّي (النيترون). هذا، ويشكل البروتون والنيترون في حالة وجود كتلة النواة. أما الإليكترون فهو يدور بسرعة دائرية هائلة. ولولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإليكترون، ولم يكن هناك امتداد لأيّ مادة على الإطلاق، بل لولا هذا الدوران لكانت الأرض كلها ـ كما يقال ـ في حجم البيضة.
هذا الدوران هو سنة الله في الطبيعة، فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، وهكذا كل ذرة تدور في هذا الكون، والذي نريده هو: أن الشيء الدائر لابدّ أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية ابتدأ منها.
2 -
يقول إدوارد لوثر كيسيل في معرض ردّه على القائلين بأزلية الكون: (ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي
الأخير، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك؛ أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام وينضب منها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة؛ ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود. وهكذا توصلت العلوم ـ دون قصد ـ إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله، لأن ماله بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولابدّ من مبدئٍ أو من محرك أول، أو من خالق هو الإله).
فهذه الأدلة العلمية القاطعة تثبت أن المادة غير أزلية، والآن أعرض فيما يلي الأدلة العلمية على أن المادة ليست أبدية.
الثاني: الأدلة العلمية الدالة على أن المادة ليست أبدية:
من أشهر هذه الأدلة:
1 -
ما سبق معنا من قانون الديناميكا الحرارية، فإنه قد جاء فيه: أنّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيًا، وأنها سائرة حتمًا إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة، ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت
…
ولا شك أنه يدل على أن للمادة نهاية محتومة ستصير إليها.
2 -
ومنها قانون تحطم الشموس، وفحواه: أن ذرات الشموس تتحطم في قلبها المرتفع الحرارة جدًا، وبواسطة هذا التحطم الهائل المستمر تتولد هذه الطاقة الحرارية التي لا مثيل لها، وكما هو معلوم فإن الذرة عندما تتحطم تفقد جزءًا من كتلتها حيث يتحول هذا الجزء إلى طاقة، فكل يوم يمر بل كل لحظة تمر على أيّ شمس فإنّها تفقد جزءًا ولو يسيرًا من كتلتها، ومعنى هذا بالضرورة أن سيأتي الوقت الذي تستنفد الشموس كتلتها نهائيًا. أي: أنها تفنى.
3 -
(جون كليفلاند كوتران) عالم الكيمياء والرياضيات يقول: (تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد على سبيل الزوال والفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية
…
).
فهذه الأدلة كلها تدل على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية، بل إنها مخلوقة وفانية، وبهذا يسقط دعوى الشيوعية في كون المادة هي الأصل، والحياة هي المادة.
وفيما يلي بيان شبهتهم الثانية وردّها.
الشبهة الثانية: القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.
وذلك؛ في قولهم إن الحياة إنما هي من نتاج المادة دون أن يكون وراءها شيء، بل تطورت ذاتيًا، ونشأت تلقائيًا حسب قوانين المادة التطورية، هذا ما يسمونه أيضًا بالقوانين الطبيعية.
هذه الشبهة مؤلفة من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: القول بالتطور الذاتي. وهذا ما كان يقول به الشيوعيون في بداية أمرهم.
الجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء، هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول كالفرضية أو النظرية، دعمًا لمواقفهم السابقة.
الجانب الثالث: القول بنسبة الخلق والحياة إلى الطبيعة، فهذا وإن كانوا في حقيقة أمرهم لا يبالون بجانب البحث عن الخالق أو المسبب، إلا أنهم قالوا بهذا القول رغم إنكارهم لذلك في كتاباتهم هروبًا من الكنيسة وإله الكنيسة.
الجانب الأول: القول بالتطور الذاتي:
الرد عليه بما يلي:
إن هذا القول إنما هو محاولة تفسيرهم لظاهرة الحياة في المادة، فإنهم لما أنكروا وجود الخالق ـ جل وعلا ـ لزمهم أن يقولون: إن المادة الأولى للكون التي هي عديمة الحياة والإحساس والإدراك والفكر، قد ارتقت بالتطور الذاتي حتى نشأت الحياة، التي هي أكمل وأرقى من مادة الكون الأولى، ثم نشأت بعد ذلك في الحياة: الإحساسات الراقية، حتى مستوى الفكر، ووعي
ما في الكون عن طريقه، وبذلك استطاعت المادة أن تعي ذاتها، متمثلاً ذلك في الجهاز الراقي الذي أبدعته بالتطور الذاتي، وهو الدماغ.
قبل مناقشة هذه المسألة: لابدّ من طرح سؤال وهو: ما هو الدليل العلمي على أن الروح والفكر والإحساس ثمرة من ثمرات المادة؟ .
إن أدق ما قدمته الشيوعية من برهان على هذه الدعوى إلى الآن هو: أن الحياة تنشأ عن الحرارة، والحرارة بدورها تنشأ من الحركة، أي أن الحركة + حرارة = حياة.
ونحن نلجأ إلى نفس الأسلوب الذي تسير عليه الماركسية لضبط سلامة معارفنا وهو التطبيق العلمي لنرى هل الحركة + الحرارة = الحياة؟ .
ولنتساءل من الذي جمع هاتين الظاهرتين إلى بعضهما (بجهد من تطبيقه الخاص) بهذه البساطة أو بما شاء من التعقيد الكيميائي فاستخرج منها حقيقة الحياة؟
…
وهنا لابدّ أن يُعاد إلى الأذهان خبر المؤتمر الذي عقده ستة من علماء الحياة في كل من الشرق والغرب في نيويورك 1959 م. وكان فيهم العالم الروسي (أوبارين) أستاذ الكيمياء الحيوية في أكاديمية العلوم السوفياتية، أملاً في فهم شيء عن أصل الحياة ومنشأها على ظهر الأرض، وإلى معرفة مدى إمكان إيجاد الحياة عن طريق التفاعل الكيميائي.
لقد قرر المجتمعون في نهاية بحوثهم بالإجماع (أن أمر الحياة لا يزال مجهولاً، ولا مطمع في أن يصل إليه العلم يومًا ما، وأن هذا السرّ أبعد من أن
يكون من مجرد بناء مواد عضوية معينة وظواهر طبيعية خاصة).
ثم إن الحقيقة التي أجمع عليها العلماء حتى الآن ـ مسلمهم وكافرهم ـ أن العلم لا يدري إلى اليوم شيئًا عن الحياة والروح، فهل تجميع الحرارة والحركة ينتج حياة بهذه البساطة؟ إن مما لا شك فيه أن كلاً من الحركة والحرارة من أبرز خصائص الحياة، ولكن من المفروغ منه في قواعد المنطق أن خواص شيءٍ ما ليست تعبيراً عن الجوهر الذاتي الذي يقوم به؛ فالماء مثلاً في حالة الغليان يتصف بكل من الحركة والحرارة، ولكن من الواضح أن جوهر الماء شيء آخر غير الحركة والحرارة، وهكذا أن الحركة والحرارة خصيصتان من خصائص الحياة الدالة عليها كالأيدروجين والكربون والأوزون والأوكسجين وغير ذلك من عناصر الحياة الأساسية، أما جوهر الحياة ذاته فشيء آخر لا يقف عليه إنسان.
ولهذا قال انجلز: (ليس في مكنة العلم الطبيعي حتى الوقت الراهن أن يؤكد شيئًا بخصوص أصل الحياة). فهذا اعتراف منهم على أنهم ما وصلوا في خصوص الحياة إلى نتيجة علمية ثابتة، وإنما هذه الأقوال دعاوى كاذبة، وأحاجي فارغة تناقض حتى المبادئ العقلية.
فالإنسان ليس من صنع المادة؛ لأن المصنوع لا يحيط بصانعه، والإنسان قد أحاط بصورة المادة وخرج بها إلى دائرة الأثير، بل إلى عمليات رياضية فكرية في قدرة الإنسان أن يحتويها، وهذا لا يأتي إلا إذا كان في طبيعة الإنسان
شيء يعلو على مكونات المادة، شيء مفارق لكل خصائصها المعروفة.
فمادة الكون الأولى، التي ليس فيها مركبات متقنة، وليس فيها حياة ولا إحساس ولا وعي، لا تستطيع أن ترقى إلى الكمال ارتقاءً ذاتيًا، ولا تستطيع أيضًا أن تصنع أجزاءً فيها هي أكمل منها وأرقى. وذلك: لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وصنع الناقص لما هو أرقى منه نظير تحول العدم إلى الوجود تحولاً ذاتيًا، لأن القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضًا، والعدم المحض لا يخرجه إلى الوجود إلا قوة مكافئة له، أو أقوى منه، والمادة العمياء الصماء الجاهلة لم تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حية مريدة ذات وعي وإحساس، بل هي أقل قيمة منها، فهي إذن عاجزة بداهة عن إنتاج ما هو خير منها.
فهذه الدعوى ـ دعوى وجود الحياة نتيجة التطور الذاتي ـ كانت تقول بها الشيوعية في بداية أمرها، وكانت تقول: إن المادة تتطور من كمية إلى كيفية، ومصادفة يحدث في المادة شيء آخر، والحياة ما هي إلا نتيجة من نتائج هذه المصادفة في المادة في بعض مراحل تطورها، وتمثل الشيوعية لها بالماء إذا زاد في غليانه يزيد في الحرارة، ولكن لما تصل الحرارة إلى 100% فإنه يصبح بخارًا، فأخذ شكلاً آخر في بعض تطورها، فيقال لهم: إن التطور في مثل هذه الأشياء أحدث شيئًا آخر ولكن ليس بذاتها، بل بفعل فاعل، ثم إن حدوث البخار من الماء شيء يمكن إثباته بالتجربة، فهل الحياة مثل هذا؟ هل
يمكن إثبات الحياة في مادة ميت ما على سبيل التجربة؟
ثم إن هذا المبدأ من مبادئ الماركسية، لا يمكن أن يعتبر قانونًا عامًا ينطبق على كل حركة تطور في الطبيعة، فالعلوم المادية الإنسانية لا تقرر به، وهو وإن صدق ببعض الأمثلة، فإنه لا يصدق بآلاف الأمثلة الأخرى.
إن التراكم في الكم لا يقتضي دائمًا التطور في الكيف، ما لم يكن نظام ذلك الشيء يقتضي ذلك، إن الملاحظة تثبت أن لكل حالة تطور في الكون شروطًا معينة في أنظمته وسننه الثابتة، فمتى استوفيت هذه الشروط تحقق التطور. فمثلاً:
أ- بيضة الدجاجة الملقحة إذا وجدت ضمن حرارة ذات مقدار معين، ورطوبة ذات مقدار معين، بدأ جنينها يتكون تدريجيًا حتى يتكامل داخل القشرة، وفي نهاية ثلاثة أسابيع يكون قد تكامل، وبدأ ينقر القشرة من الداخل حتى يكسرها، وعندئذ يخرج من غلافه إلى الهواء، ليبدأ رحلة حياته إلى الأرض.
لقد حصل التطور، ولكن على خلاف المدعى في المبدأ الماركسي، فلا تراكم الحرارة هو الذي أحدث ظاهرة التغير، ولا تراكم الرطوبة، بل ثبات درجة الحرارة، وثبات درجة الرطوبة، قد ساعدا على تكون جنين البيضة تكونًا تدريجيًا، ضمن الوقت المخصص في نظام الكون لتكامل تكوينه، ولو أن الحرارة تراكمت أكثر من المقدار المحدّد في نظام التكوين لسلقت البيضة، ولهلكت نواة جنينها، ولو زاد هذا التراكم لاحترقت البيضة.
فنظام الكون هو نظام تحديد مقادير لكل شيء، ضمن خطط ثابتة، وليست تغيراته ثمرة تراكمات، هذه هي الحقيقة التي تدل عليها الملاحظات والتجارب العلمية، وهي التي أعلنها الله عز وجل بقوله:(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ).
إن هذا المثال كافٍ لنقض فكرة التراكم المدعاة في المبدأ الشيوعي، الذي يعتبرونه قانونًا شاملاً لكل تطور في الوجود، وهو أيضًا كافٍ لنقض فكرة التطور السريع المفاجئ، إذ الأمور تتطور في الغالب تطورًا تدريجياً.
ب- والكائنات الحية تبدأ حركة بنائها منذ لحظة التقاء خلية لقاح الذكر بخلية بيضة الأنثى، ويسير بناء الكائن في نمو متدرج، حتى إذا استوفى الشروط اللازمة لظهور الحياة فيه دبت الحياة فيه، ثم يسير ضمن نظام نمو متدرج، حتى إذا استكمل نموه الجنيني، تمخضت عنه أمه فولدته، ثم يسير في نمو تدريجي أيضًا حتى يبلغ، ويندرج في النماء حتى يكون شاباً، فكهلاً، ثم يعود إلى طور الانحدار، فيصير شيخًا، فهرمًا، ثم يقضي أجله المقدر له، فيموت، فيتفسّح جسمه، ويعود تراباً كما بدأ من التراب، وقد يموت في أيّ مرحلة من المراحل السابقة، فينحدر ويعود إلى مثل مرحلة البدء دون أن يمرّ في المراحل المعتادة للأحياء، وتخضع كل المراحل لنظام المقادير المحددة في كل شيء؛ في العناصر، وفي الصفات، وفي الزمان، وفي درجة الحرارة، وفي سائر ما يلزم لتكوين الحي، وإعداده لأداء وظائفه.
هذا المثال الثاني كاف أيضًا لنقض كل ما قالوا في مبدأ التطور، ففكرة التراكم المقررة في المبدأ فكرة منقوضة؛ ذلك لأن الأحياء تخضع لنظام
المقادير المحددة سواء في جواهرها وأعراضها، ولا تخضع لفكرة التراكم الكمي، وفكرة التطور السريع المفاجئ المقررة في المبدأ الشيوعي منقوضة أيضًا؛ لأن الأحياء تسير وفق نظام البناء المتدرج، لا وفق التطور السريع المفاجئ. (أو الصدفة ـ كما يقولون ـ).
فهذان المثالان من آلاف الأمثلة في نقض أقوال الشيوعية في القول بالتطور ـ على التفسير الذي يريدونه ـ وبنقض مبدأ التطور ينقض أيضًا مبدؤهم القائل بأن الحياة وظيفة من وظائف المادة، متى وصل تركيبها إلى وضع خاص بالتطور، فإن آخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية التي قام بها الغربيون والشرقيون الماركسيون، والتي أنفقوا في سبيلها ألوف الملايين، وعشرات السنين، قد انتهت إلى قرار علمي جازم هو أنه لا تتولد الحياة إلاّ من الحياة، وأن وسائل العلوم الإنسانية لا تملك تحويل المادة التي لا حياة فيها، إلى أدنى وأبسط خلية حية.
وبما أن الوعي مرتبط بالحياة فهو مظهر من مظاهرها، وصفة من صفاتها، فلا سبيل للمادة الميتة أن يكون الوعي أحد وظائفها، مهما كانت عالية التنظيم.
فالعلوم الإنسانية، قد كفتنا مهمة إبطال هذا المبدأ من مبادئ الماركسية وسائر الماديين الملحدين.
على أن مبدأهم هذا هو الأساس ادعاء غير مقترن بأيّ دليل عقلي أو علمي، وهو من لوازم مبدئهم الأول الباطل الذي يرون فيه أن المادة هي أساس الوجود وجوهره.
الجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء:
وكما سبق أن هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول. فوجدوا فيه غايتهم المنشودة. فقالوا بها دعمًا لمواقفهم السابقة، وقالوا: انتصرت المادة.
يقول: (جون لويس): (لقد حول داروين ما كان يجول بخاطر العديد من المفكرين إلى فكرة ممكنة مقنعة، وهي أن عالم الحيوان لم يوجد نتيجة خلق واحدة، بل هو ثمرة تغيرات ارتقائية عملت على تحويل الأنواع التي ظهرت في عصور مبكرة إلى الأشكال الأكثر تعقيدًا، والتي ظهرت في عصور متأخرة
…
والإنسان نفسه لم يخلق بفعل خاص منفصل، بل هو ثمرة الارتقاء، ونظرية الارتقاء لا تستبعد قوى ما فوق الطبيعة من عملية الخلق فحسب، بل تضع بدل هذه القوى: تطور الحياة الطبيعي، وقد كان هذا تجديدًا مدهشاً).
فهذا القول يُظهر لنا مدى تأثر الماديين بهذه النظرية الخبيثة. وسيأتي بيان مجمل لهذه النظرية مع الرد عليها فيما بعد.
الجانب الثالث: القول بوجود الخلق من الطبيعة:
سبق أن ذكرنا: أن المادة والطبيعة عندهم شيء واحد، ولكنهم لما وجدوا ضغوطًا من الكنائس البابوية المنحرفة قالوا: الخلق إنما هو من الطبيعة. فلينظر مدى صحة هذا القول، وهل الطبيعة تصلح أن تكون خالقاً؟ .
في الحقيقة: إن هذه فرية راجت في عصرنا هذا، راجت حتى على الذين ـ يظنون أنهم ـ نبغوا في العلوم المادية، وعللوا كثيرون وجود الأشياء وحدوثها بها، فقالوا: الطبيعة هي التي تُوجد وتحدثُ.
وهؤلاء نوجه إليهم هذا السؤال: ماذا تريديون بالطبيعة؟ هل تعنون بالطبيعة ذوات الأشياء؟ أم تريدون بها السنن والقوانين والضوابط التي تحكم الكون؟ أم تريدون بها قوة أخرى وراء هذا الكون أوجدته وأبدعته؟ .
فإننا نرى: أن الطبيعة في اللغة: السجية.
أمّا في عقول الناس اليوم فلها مفاهيم:
المفهوم الأول: أنها عبارة عن الأشياء بذاتها، (الكون نفسه)، فالجماد والنبات والحيوان كل هذه الكائنات هي الطبيعة.
وهو مفهوم غير دقيق وحكم غير سديد، فإن هذا القول يصبح ترديدًا للقول السابق بأن الشيء يوجد نفسه ـ بأسلوب آخر، أي أنهم يقولون: الكون خلق الكون، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، والكون خلق الإنسان والحيوان، هذا القول لا يخرج بالطبيعة بالنسبة لخلق الوجود من تفسير الماء بالماء، والأشياء أوجدت ذاتها، فهي الحادث والمحدث، وهي الخالق والمخلوق في الوقت ذاته، وقد سبق بيان كون العقل الإنسان يرفض التسليم بأن الشيء يوجد نفسه، كما أن الشيء لا يخلق شيئًا أرقى منه، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلاً ولا سمعًا ولا بصرًا، فكيف تخلق إنسانًا سميعًا بصيرًا عليمًا؟ هذا لا يكون، فبطلان هذا القول بيّن، فهو لا يخلو عن أمرين:
1 -
إمّا ادعاء بأن الشيء وجد بذاته من غير سبب.
2 -
وإمّا ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب، وهو مستحيل، بل هو من التهافت والتناقض بحيث لا يحتاج إلى الوقوف والشرح.
فإن قالوا: خلق كل ذلك مصادفة، يقال: ثبت لدينا يقينًا أن لا مصادفة من خلق الكون ـ كما سيأتي ـ.
وكان مما ساعد على انتشار هذا القول: نظرية التولد الذاتي. وكان من أدلتها: ما شاهده العلماء الطبيعيون من تكوّن (دود) على براز الإنسان أو الحيوان، وتكون بكتيريا تأكل الطعام فتفسده، فقالوا: ها هي ذي حيوانات تتولد من الطبيعة وحدها، وراجت هذه النظرية التي مكنت للوثن الجديد (الطبيعة) في قلوب الضالين والتائهين بعيدًا عن هدي الله الحق، لكن الحق ما لبث أن كشف باطل هذه النظرية على يد العالم الفرنسي المشهور (باستير) الذي أثبت أن الدود المتكون والبكتيريا المتكونة المشار إليها لم تتولد ذاتياً من الطبيعة، وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تتمكن العين من مشاهدتها، وقام بتقديم الأدلة التي أقنعت العلماء بصدق قوله، فوضع غداء وعزله عن الهواء وأمات البكتيريا بالغليان. فما تكونت بكتيريا جديدة ولم يفسد الطعام، وهذه هي النظرية التي قامت عليها الأغذية المحفوظة (المعلبات).
وبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم للطبيعة جليًا وبينًا.
المفهوم الثاني: أن الطبيعة عبارة عن القوانين التي تحكم الكون، بمعنى أنها تعني صفات الأشياء وخصائصها، فهذه الصفات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، وملاسة وخشونة، وهذه القابليات: من حركة وسكون، ونمو واغتذاء، وتزاوج وتوالد، كل هذه الصفات والقابليات: هي الطبيعة.
إن هذا تفسير الذين يدّعون العلم والمعرفة من القائلين بأن الطبيعة هي الخالقة، فهم يقولون: إن هذا الكون يسير على سنن وقوانين تسيّره وتنظم أموره في كل جزئية، والأحداث التي تحدث فيه تقع وفق هذه القوانين، مثله كمثل الساعة التي تسير بدقة وانتظام دهرًا طويلاً، فإنها تسير بذاتها دون مسيّر.
الردود:
1 -
إن هذا القول ليس جواباً، وإنما هو انقطاع عن الجواب، وذلك:
أن هؤلاء في واقع الأمر لا يجيبون عن السؤال المطروح: من خلق الكون؟ ولكنهم يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها، هم يكشفون لنا كيف يعمل القوانين في الأشياء، ونحن نريد إجابة عن موجد الكون وموجد القوانين التي تحكمه.
(كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرًا لها، فالعلم لا يكشف لنا
كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء في هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى إن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ .
إن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة).
2 -
الطبيعة لا تفسّر شيئًا (من الكون)، وإنما هي نفسها بحاجةٍ إلى تفسير. وذلك؛ (لو أنك سألت طبيبًا: ما السبب وراء إحمرار الدم؟ .
لأجاب: لأن في الدم خلايا حمراء، حجم كل خلية منها 1/ 700 من البوصة.
- حسناً، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟
- في هذه الخلايا مادة تسمّى (الهيموجلوبين). وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين في القلب.
- هذا جميل، ولكن من أين تأتي هذه الخلايا التي تحمل (الهيموجلوبين)؟ .
- إنها تصنع في كبدك.
- عجب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها، بعضها ببعض ارتباطًا كليًا وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟ .
- هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.
- ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا يا سيادة الطبيب؟
- المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية
والكيماوية.
- ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائماً إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد إنسان في الدنيا، بجميع ما لديه من الإمكانيات والكفاءات العجيبة المثيرة؟
- لا تسألني عن هذا، فإن علمي لا يتكلم إلاّ عن (ما يحدث)، وليس له أن يجيب:(لماذا يحدث).
هكذا يتضح من هذه الأسئلة عدم صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون، وأن من أمعن النظر في تعبير الطبيعيين يجد أنها جميعها أفعال مبنية للمجهول؛ لجهلهم أو تجاهلهم الفاعل الحقيقي.
3 -
إن مبدأ السببيةم تفق عليه بين المؤمنين والملحدين نظرياً فأين تطبيقه عمليًا؟ والمراد بالسببية هنا: أن الإنسان الذي أنعم الله عز وجل عليه بالعقل، منذ أن أشرقت أشعة عقله على الوجود بدأ يتساءل ولا يزال وسيبقى يتساءل من بداية نشأته، وأين سينتهي مصيره؟ ويتساءل عن هذه الموجودات، والكائنات، كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ وما هي الأسباب الكامنة وراءها؟ .
هذا المبدأ من المبادئ الثابتة التي لم تتغير على مدى التاريخ، وهو محل اتفاق بين المؤمنين والملحدين. أما المؤمنون فيقولون به نظريًا وعمليًا، وهذا أشهر من أن يقام عليه دليل، أمّا الملحدون؛ فهؤلاء أيضًا قالوا به نظرياً،
والدليل عليه ما يلي:
يقول سبركين وياخوت: (نوجه دائمًا في نشاطنا سؤالاً عن علل هذه الظواهر أو تلك، وهو أحد الأسئلة التي تساعد على تبيّن الطبيعة الداخلية للظواهر التي تجري حولنا والتوصل إلى جوهرها، ولم يكن عبثًا؛ أن كتب الفيلسوف اليوناني ديمقريطس يقول: (لأفضّل أن أجد السبب الحقيقي ولو لظاهرة واحدة من أن أصبح قيصرًا على بلاد فارس). فإذن، ماذا تعني مقولتنا (السبب) و (النتيجة)؟ تعرف من الخبرة أنه (لا شيء) لا ينتج شيئًا، وكل ظاهرة لها ما يولدها، وهو الذي يسمّونه (السبب). السبب هو ما يخلق وينتج ويولد ظاهرة أخرى. وما ينتج تحت تأثير السبب يسمّى نتيجة أو فعلاً).
فهذا المبدأ العام الذي اعترف به الماديون الملحدون وأخذوا به من الناحيةا لنظرية هل طبقوه من الناحية العلمية؟ .
هذا ما سيتضح لنا عندنا يطرح سؤال ـ وهو مثال خلاف جذري بين المؤمنين من جهة، وبين الماديين الملحدين من جهة أخرى ـ وهو:
ما هوا لسبب الكامن وراء هذا الوجود من أرض وسموات ونبات وحيوانات وإنسان وغيره من المخلوقات؟ .
هذا السؤال نجد الإجابة عليه جاهزة وميسرة ومتوفرة عند الماديين، وهي أن هذا من الأمور الميتافيزيقية التي لا تهمنا بحال من الأحوال، ولا نشغل عقولنا بها؛ لأنها أمور تافهة، والبحث عنها مضيعة للوقت، فكل شيء
يخالف نظريتهم ـ ولو كان صحيحًا ـ لا يأخذون به ويصمونه بوصمة عار عندهم وهي إرجاعه إلى الميتافيزيقية، أو المثالية التي هي في عرفهم عدوة للعلم، فهم لا يعرفون إلا العالم المادّي، هذا العالم وجد، ولا خالق له، وبالتالي فليس له سبب أول أوجده.
وقد كتب لينين بصدد المفهوم المادّي عند فيلسوف العهد القديم (هيراكليت) يقول في ترجمة حرفية: (العالم، وحدة الكل، لم يخلقه أي إله ولا إيّ إنسان، ولكنه كان وسيبقى نارًا حية أزليًا تشتعل وتنطفئ بموجب قوانين
…
هذا عرض جيد جدًا لمبادئ المادية الجدلية).
في هذا النص نرى أن لينين نفى السبب الأول في إيجاد العالم المادّي، وهذا نفي صريح للقانون الذي قرره هم أنفسهم، حين وقفوا في تفسيره عند حدود معينة لم يتجاوزوها. لأن تجاوز هذه الحدود يؤدّي بهم إلى الاعتراف بخالق الكون، ومن ثم الاعتراف بالأديان، وهذا ما لا يرضونه.
والمقصود: بيان كون تفسيرهم لمظاهر الكون في وجوده وتغيره للطبيعة وعدم تفسيرهم للطبيعة إنما هو هروب منهم لقانون السببية ـ المعترف به لديهم ـ فإن تطبيقهم العملي لهذا القانون سيؤديهم حتمًا إلى الاعتراف بخالق للكون. وهذا ما لا يستسيغونه مطلقاً.
وبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم (الثاني) أيضًا للطبيعة، فما بقي إلاّ أن يقولوا بالمفهوم الثالث حتماً، وإن كانوا ينكرونه بشدة لما يترتب على الاعتراف به من إثبات وجود الله وبالتالي بمستلزمات هذا الإثبات التي هي
عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا المفهوم الثالث بيانه ما يلي:
المفهوم الثالث: أن يقول: إن الطبيعة قوة أوجدت الكون، وهي قوة حية سميعة بصيرة حكيمة قادرة
…
فإننا نقول لهم: هذا صواب وحق، وخطؤكم في أنكم سمّيتم هذه القوة (الطبيعة)، وقد دلتنا هذه القوة المبدعة الخالقة على الاسم الذي تستحقه وهو (الله)، وهو عرفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فعلينا أن نسمّي بما سمّى به نفسه سبحانه وتعالى.
قال ابن القيم: (وكأنّي بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار! فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبرني عن هذه الطبيعة، أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك؟ بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ .
فإن قالت لك: بل من ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة، فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلم تسمّيه طبيعة؟ ! .
وباللهِ عن ذكرا لطبائع يرغب فيها! فهلاّ سميتَه بما سمّى به نفسه على ألسن رسله ودخلتَ في جملة العقلاء والسعداء، فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.
وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قوة ولا شعور أصلاً، وقد شوهد من آثارها ما شوهد! .
فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة
والحكم الدقيق التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممّن لا فعل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بمثل هذا إلاّ دخول في سلك المجانبين والمبرسمين.
ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أنّ مثل هذه الصفة ليست بخالقة نفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومُبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجلبها تفعل ذلك؟ فهي إذن من أدل الدليل على بارئها وفاطرها وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِئْكَ تعطيلك ربّ العالم جحدك لصفاته وأفعاله إلاّ مخالفتك العقل والفطرة.
ولو حاكمناك إلى الطبيعة لأريناك أنك خارج عن موجبها، فلا أنت مع موجب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانية أصلاً، وكفى بذلك جهلاً وضلالاً، فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلاّ من صانع قادر مدبّر عليم بما يريد قادر عليه، لا يُعجزه ولا يصعب عليه ولا يؤوده.
قيل لك: فإذن أقررت ـ ويحك ـ بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه، فدَع تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجباً بذاته، وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصوّر ربّ العالمين، وقيوم السموات والأرضين، وربّ المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خَلَقَه، وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته ـ بل وذاته ـ وأضفت صُنعه إلى غيره وخلقَه إلى سواه؟
مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابدّ، فالحمد لله رب العالمين.
على أنك لو تأمّلت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلّك على الخالق الباري لفظها كما دلّ العقولَ عليه معناها؛ لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا ألبتة، لأنها على بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة، والبحيرة والسليقة، والطبيعة؛ فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه.
ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال، فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دل معناها عليه.
والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنة في خليقتهه التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد، ويقلب تأثيرها إلى ضدّه إذا شاء؛ ليُريَ عباده أنه وحده البارئ المصوّر، وأنه يخلق ما يشاء، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته
…
).
الشبهة الثالثة: القول بالمصادفة:
وهو القول بأن وجود الكون بما فيه من أرض وسموات وشموس وأقمار وغيرها والإنسان والحياة وكل هذه الأشياء إنما وجدت مصادفة واتفاقًا بدون أيّ خطة سابقة، أو عمل أيّ حكيم.
هذا القول قد تضمن الردّ عليه ما سبق معنا من الردود على القول بأبدية المادة وأزليتها، وعلى تطور الحياة والمادة، وعلى القول بالطبيعة، وسيأتي الردّ عليه تفصيلاً عند الرد على شرك الوجودية.
فهذه الفكرة قائمة على الإلحاد وإنكار الخالق جل شأنه، وتعطيل هذا المصنوع عن صانعه الحكيم مكابرة ومعاندة لما تقتضيه الفطر السليمة وشهدت به العقول الصحيحة الصريحة من عدم خلو المصنوع عن الصانع ـ كما هو معلوم ـ، وقد نادى بهذه الفكرة الخبيثة كثير من أبناء المسلمين في كثير من الدول ـ حتى في بعض دول العالم الإسلامي ـ جهلاً بحقيقته واغتراراً بكلام الدعاة إليها المعسول.
الفرع الثاني: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه عند الوجودية:
وذلك؛ أن من أفكارهم واعتقاداتهم: (الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل المغيبات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ، ووصلوا إلى ذلك من نتائج مدمرة).
والوجودية بالمعنى العام: إبراز قيمة الوجود الفردي، ولم يكن هذا الرأي ملازماً للإلحاد بالله، ولكن ظهر فيما بعد بعض الملحدين الذين رأوا في مذهب الوجودية أفكاراً يمكن أن تنسجم مع إلحادهم، فهذه هي الوجودية المعاصرة التي نعنيها ها هنا، ورائدهم في ذلك (هيدجر)، و (جان بول
سارتر).
وهي التي شاعت بين الشباب، واشتهرت من كتابات سارتر وتلامذته، حتى اقترنت باسمه، والأساس الذي قام عليه فكرتهم هو: أن الوجود الإنساني هو المشكلة الكبرى، فالعقل وحده عاجز عن تفسير الكون ومشكلاته، وأن الإنسان يستبد به القلق عند مواجهته مشكلات الحياة، وأساس الأخلاق قيام الإنسان بفعل إيجابي، وبأفعاله تتحدد ما هيته، وإذن فوجوده الفعلي يسبق ما هيته.
أقوال الوجوديين في الإله والخالق:
1 -
قالوا: (لا يصح أن نقول: الله موجود؛ لأن الموجود هو الإنسان، والذي يتغير هو الإنسان، فله زمان، أما الله؛ فلا زمان له، فهو غير موجود، لأنه لا زمان له، بل هو كائن).
مناقشة هذا القول:
التغير ومرور الزمن يدلان على الحدوث الذي هو أخص من الوجود، إذ الوجود يعم القديم والحادث.
ثم إن العقلاء استدلوا بعدم تغير الله سبحانه وعدم مرور الزمن عليه على أنه أزلي، إذ أنه موجود قبل الزمان فلا يقاس وجوده بالزمان إذن، ومن كان هذا شأنه كان موجودًا قديمًا، وهذا الاستدلال يتمشى مع العقل السليم، والتفكير السديد، لكن لما فسد العقل بدأوا يستدلون بما يثبت القدم على العدم.
ثم بعد أن حكموا على الله: بأنه غير موجود، قالوا:(هو كائن). فهل الكائن شيء غير الموجود؟ فإن الذي يعرف من معنى الكائن: أنه موجود أو ثابت أو واقع أو حادث أو غير ذلك.
ولكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن أصحاب هذه المقالة لم تكن تنكر فكرة الإله أو الخالق للكون، وإن كانوا يتحرجون من إطلاق اسم (الوجود) عليه، لما أن الوجود يحتاج إلى أشياء عندهم، وهم لا يرونها في الله، فلهذا وصفوه بالكائن. فهذا من منقديهم الذين لم يقولوا بالإلحاد المطلق. ولننظر الآن إلى متأخريهم.
آراء هيدجر وسارتر:
قال هيدجر: (لا نرى فوقنا أيَّة قوة عليا تعيننا على التحكم في مصيرنا).
هذا القول صريح في إنكار وجود الله، ومعلوم: أنه دعوى، وتقرير، حيث إنهم لم يستدلوا بشيء، فلا داعي للرد عليه.
أما سارتر ـ أبو الوجوديين الملحدين ـ فمن جملة أقواله في إنكار وجود الله:
1 -
(أنا موجوود؛ معناه: أنني حر، وقولي: أنا حر معناه: أنه لم يعد موجودًا).
2 -
(أن تكون إنسانًا: هذا معناه: أن تنزع إلى أن تكون إلهًا).
3 -
(أما نحن، فإننا قد قوضنا ـ الله ـ، لكننا قلنا باستمرار وجود تلك القيم
بالرغم من اعتقادنا بعدم وجود الله).
فهذه ادعاءات تقريرية على إنكار وجود الله بدون إبداء أي دليل أو برهان على ذلك، ولكن سرعان ما جاء بشبه، هي:
قوله عن العالم ووجوده: (كل موجود يوجد بلا سبب ويحيا عن ضعف ويموت بمحض المصادفة). فاجتمع بهذا العرض الشريع لمعتقداتهم شبهات يتشبثون بها في إنكار وجود الله، وهي كما يلي:
الشبهة الأولى:
كل موجود يوجد بلا سبب، أي سبب حقيقي، فلا يعلل، وقد سبق الرد عليهم عند الرد على الشيوعية.
الشبهة الثانية:
القول بالمصادفة، وأن الكون أو الإنسان لا يحتاج إلى موجد أوجده، بل وجد صدفة دون تقدير ولا تدبير، فلا خالق ولا موجد له.
الرد على هذه الشبهة:
القول بالصدفة هو المخرج الثاني للقائلين بنظرية النشوء والارتقاء لأصل الإنسان، فإنهم لمّا قالوا بنظرية الارتقاء والتطور، والنشوء سئلوا عن أساس التطور، فأجابوا بأنه حدث فعلاً بالصدفة، وأن الحياة والكون إنما هما نتيجتا الصدفة. وقد سبق معنا الرد على نظرية التطور والنشوء والارتقاء. وأما
القول بالصدفة فيقال في الرد عليها:
إن القول بالصدفة من الافتراءات الآثمة التي قال بها الغافلون عن الإبداع الكوني، وما في العالم من أسرار ونواميس هي أكبر شاهد على مدبر حكيم، إن ما يحدث في الكون من تقدير في الأرزاق والآجال، وما عليه الكون من إبداع، وما يحتوي عليه من أسرار لا مرد له إلى العشوائية والارتجال. فهي قضية من المسلَّمات التي اتفقت عليها الدلائل العلمية المادية، والبراهين العقلية المنطقية.
فالدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالمصادفة، وترفض المصادفة في أية ظاهرة كونية ذات إتقان دقيق معقد، والباحثون العلميون سواء أكانوا مثاليين أو ماديين، يبحثون باستمرار عن سبب أية ظاهرة كونية يشاهدونها، ويرفضون ادعاء المصادفة فيها رفضًا قاطعًا، لأن المناهج العلمية الاستقرائية قد أثبتت للعلماء أنه ما من ظاهرة تحدث في الكون دون أن تكون مسبوقة بسبب مكافئ لحدوثها، وإذا كانت هذه الظاهرة من الظواهر التي تحتاج إلى علم ومهارة حتى يكون قادرًا على إنتاجها، قرروا أن منتجها صاحب علم ومهارة، وهكذا. فكيف بالكون كله وما فيه من متقنات لا حصر لها، أصغرها الذرة وأكثرها المجرة ـ في نظرنا ـ، وأدناها في الأحياء التي اكتشفناها الفيروس، وأعلاها فيما نشاهد: الإنسان؟ .
وللرد عليهم علميًا يُذكر ما يلي:
1 -
إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر، هي: الكربون والأيدروجين، والنيتروجين،
والأكسجين، والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزء الواحد (40) ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة (92) عنصراً موزعة بقدر معلوم، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزئيًا واحدًا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كميات المادة التي ينبغي أن تخلط خلطًا مستمراً لكي تُؤلِّف هذا الجزئي، وقد حاول أحد العلماء حساب الفترة الزمنية التي يجب أن تستغرقها عملية خلط العناصر المذكورة هي (10) 243 سنة
…
معنى ذلك أنه قبل وجود الكون وما بعد أيامنا هذه بمليون سنة أمامه (239) صفر مرة، فهل هذا معقول؟ كل تلك الأرقام المستحيلة يطلبها قانون الصدفة لتكوين جزئي، واحدة من جزئيات الخلية الحية،
…
ألا يكفي خلق الإنسان من بلايين الخلايا [الحية] التي تحركها إشعاعه الحياة (تلك النفخة الإلهية العظمى في المادة)، ألا يكفي هذا لكي يؤمن الملحدون بالخالق الواحد الأحد الفرد الصمد؟ ).
2 -
يقول أحد الباحثين المعاصرين: إن (معظم الحيوانات والنباتات تتكون من عدد هائل من تلك الوحدات الدقيقة الحجم التي نسمِّيها (الخلايا)، كما يتكون المبنى من مجموعة من الأحجار المرصوصة).
وخلايا أجسامنا وأجسام غيرنا من الحيوانات دائمة الانقسام، وذلك الانقسام قد يكون لنمو الجسم أو لتعويض ما يفقد أو يموت من الخلايا
لأسباب عديدة، وكل خلية من هذه الخلايا تتكون أساسًا من مادة عجيبة نطلق عليها اسم (البروتوبلازم).
وتوجد بداخل كل خلية محتويات عديدة ذات وظائف محددة. ومن هذه المحتويات أجسام دقيقة تحمل عوامل وراثية هي التي نطلق عليها اسم (الكروموسومات). وعدد هذه الكروموسومات ثابت في خلايا كل نوع من أنواع الحيوانات والنباتات المختلفة، فعددها في خلايا القط ـ مثلاً ـ يختلف عن عددها في خلايا الكلب أو الفيل أو الأرنب أو نبات الجزر أو الفول. وفي كل خلية من الخلايا التي يتكون منها جسم الإنسان يوجد ستة وأربعون من هذه الكروموسومات.
وعندما تنقسم الخلية إلى خليتين داخل أجسامنا، فإن كل خلية جديدة لابد أن تحتوي على العدد نفسه من (الكروموسومات). وهي ستة وأربعون، إذ لو اختل هذا العدد لما أصبح الإنسان إنسانًا.
والخلايا ـ كما ذكرت ـ دائمة الانقسام. يحدث هذا في جميع ساعات اليوم حتى في أثناء نومنا، ونحن حتى الآن ما ندرك حقيقة القوى المهيمنة على هذه العملية المذهلة ـ عملية انقسام الخلايا ـ بل يكتفي العلم بوصف خطوات العملية التي يمكن ملاحظتها تحت عدسات (الميكروسكوب) العادي، أو عن طريق (الميكروسكوب الإلكتروني) الذي يكبر الأشياء تكبيرًا أكثر بكثير من تكبير الميكروسكوب العادي.
إن جميع الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام في جسم الإنسان لابد أن تحتوي ـ كما ذكرت ـ على ستة وأربعين كروموسومًا، فيما عدا نوعين من الخلايا؛ هما الخلايا التناسلية، أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في
الأنثى، إذ عندما تنقسم خلايا الأنسجة لتكوين هذه الخلايا التناسلية فإنها تنتج خلايا لا تحتوي على الستة والأربعين كروموسومًا، بل تحتوي على نصف هذا العدد؛ أي يصبح في كل خلية تناسلية ذكرية أو أنثوية ثلاثة وعشرين كروموسومًا فقط.
لماذا يحدث ذلك؟ يحدث هذا لحكمة بالغة ولهدف عظيم، إذ أن الخلية الذكرية (الحيوان المنوي) لابد أن تندمج مع الخلية الأنثوية (البويضة) لتكوين أول خلية في جسم الجنين، وهي التي نطلق عليها اسم (الخلية الملقحة). وبهذا الاندماج يعود عدد الكروموسومات في الخلية الجديدة إلى العدد الأصلي وهو ستة وأربعون (كروموسومًا).
وهذه الخلية الملحقة التي أصبحت تحتوي على ستة وأربعين (كروموسومًا) توالي انقسامها فتصبح خليتين ثم أربع خلايا ثم ثمان خلايا، وهكذا حتى يتم تكوين الجنين الذي يخرج من بطن أمه ويستمر نموه عن طريق انقسام الخلايا حتى يصبح إنسانًا كامل النمو في كل خلية من خلاياه ستة وأربعون (كروموسومًا) كما هو الحال في خلايا جسد أبيه وأمه وأجداده وجميع أفراد الجنس البشري.
إن اختزال عدد الكروموسومات إلى النصف عند تكوين الخلايا التناسلية بالذات لكي تندمج فيعود العدد الأصلي (للكروموسومات) في الخلايا التي يمكن مطلقاً نتيجة مصادفة عمياء. بل لابد أن يكون نتيجة تخطيط دقيق من قوة عليا تعرف ماذا تفعل، وهي في الوقت نفسه لا يمكن أن تخضع للتجربة واحتمال الخطأ، إذ لو حدث خطأ مرة واحدة عند بدء الخلق لقضى على الكائن الحي قبل تكوين الجيل الثاني؛ أي أن هذا الترتيب لابد أن يكون قد تم منذ تكوين أول جنين ظهر في الوجود. ألا يكفي هذا وحده دليلاً على وجود
قوة عليا مدبرة مقدرة حكيمة؟ بل لا يمكن أبدًا أن يكون هذا المبدأ أو القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء تتخبط في الظلام، إذ إن المصادفة لا يمكن أن تتخذ مظهر قانون عام تخضع له جميع الكائنات.
فهذه بعض الأمثلة من جملة عشرات الأمثلة للدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية، تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة.
وأما البراهين العقلية المنطقية فهي أيضًا تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة. وفيما يلي استعراض سريع لبعض هذه الأدلة.
1 -
إن الأرض هي الكوكب الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه الحياة على الوجه الذي نعرفه (إن حركة دوران الأرض حول نفسها إن أسرعت أو أبطأت عما هي عليه؛ لطالت الأيام أو قصرت، ولتوقفت الحياة بسبب برودة الليل أو قيظ النهار، والشمس في نفس الموقع بالضبط الذي يمكنها من حفظ الحياة على الأرض، ودرجة حرارتها البالغة (6500) درجة مئوية هي على وجه التحديد درجة الحرارة اللازمة لكوكبنا. فلو انحرف متوسط درجة الحرارة صعودًا أو هبوطًا على الهامش الصغير الذي لا يتجاوز (28) درجة لانعدمت أمواج المد فغمرت السهول والجبال وغطت كل شيء على ظهر الأرض تحت طبقة من الماء عمقها (2500) متر.
أما محور الأرض فإنه لم يكن على زاوية (23) درجة كما هو فلن تكون هناك فصول، ولتحركت أبخرة المحيطات نحو القطبين: الشمالي والجنوبي، مكونة تراكمات هائلة من الثلج عند القطبين، تاركة وسط الأرض خاليًا تمامًا من الماء، لن تكون هناك عندئذٍ أمطار، وستخلو المحيطات من مياهها، وستنبعج الأرض عند خط الاستواء تحت ضغوط الثلوج المتراكمة عند القطبين، وسيترتب على ذلك آثار هائلة.
أما الغازات التي يتكون منها الغلاف الجوي فإنها إن اختلفت عمَّا هي عليه فلن يستطيع أي شيء أن يبقى حيًا، واحتمال أن يكون كل هذا وليد الصدفة احتمال متناهي الضاآلة، ولا يعدو أن يكون واحدًا في المليار، ولذلك يقول آينشتين:(لا أستطيع أن أصدق أن الكون قد نتج عن رمية زهر).
2 -
لقد وجد من يقول: (لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها بلايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبتها قصيدة من قصائد شكسبير ـ فكذلك الكون الموجود الآن، نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في المادة لبلايين السنين).
هذا قول أحد الملاحدة من المنكرين لوجود الله، ويجاب عن هذه الفرية؛ بأن أي كلام من هذا القبيل (لغو مثير)، بكل ما تحويه هذه الكلمة من معانٍ، فإن جميع علومنا تجهل ـ إلى يوم الناس هذا ـ أية مصادفة أنتجت واقعًا عظيمًا ذا روح عجيبة، في روعة الكون.
ثم إن الرياضيات التي تعطينا نكتة (المصادفة) هي نفسها التي تنفي أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون المصادفة، ولهذا ردَّ على هذه الفرية عالم آخر من الغرب بقوله:(لو تناولت عشرة دراهم وكتبت عليها الأعداد من واحد إلى عشرة ثم رميتها في جيبك، وخلطتها جيدًا، ثم حاولت أن تخرج من الواحد إلى العشرة بالترتيب العددي بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن تتناول الدرهم المكتوب عليه واحد في المحاولة الأولى هو واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (1، 2، 3، 4) بالترتيب هو واحد في عشرة آلاف
…
حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من (1 - 10) بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات). وعلى ذلك فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة والاتفاق؟ إن حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خاليًا يصعب حسابه فضلاً عن تصوره.
إن كل ما في الكون يحكي أنه إيجاد موحد حكيم عليم خبير، ولكن الإنسان ظلوم جهول:(قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا). كيف يمكن أن تتأتي المصادفة في كذلك كله؛ في خلق الإنسان وتكوينه، وفي صنع طعامه على هذا النحو المقدَّر الذي تشارك فيه الأرض والسماء. (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ).
وصدق الله في وصفه للإنسان: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً).
قال الإمام ابن القيم: سل المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته، وأحكم ترتيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللاً في مادته ولا في صورته. وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلِمُّ شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا تتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منها ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام
…
أترى هذا اتفاقاً بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ ! بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقاً من غير فاعل ولا قيِّم ولا مدبر
…
أفترى ما يقول عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ .
ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبًا عميًا لا بصائر لها ـ فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمة ـ كما خلق أعينًا عميًا لا أبصار لها، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وهي لا تراها، فما ذنبها إن أنكرتها وجحدتها! فهي تقول في ضوء النهار: هذا ليل! ولكن أصحاب الأعين لا يعرفون شيئًا.
ولقد أحسن القائل:
وَهَيْنِي قلت هذا الصبح ليل
…
أَيَعْمَى العالمون عن الضياء
أخيرًا ما أقول، وهو ما اعترف به كبار علماء الكون المعاصرين، من تراجع العلم المعاصر عن اعتبار الكون عن طريق المصادفة إلى إدراك أنه مظهر لخطة عليم حكيم قدير مهيمن على كل شيء.
يقول العلامة الفلكي الرياضي البريطاني السيد (جيمس جينز): (لقد كان قبل ثلاثين سنة ـ ونحن ننظر إلى الكون ـ نظن أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي، وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة، وقد اجتمعت أجزاؤه بالمصادفة، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصًا لا معنى له، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها، وأنها بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت، وأن الحياة قد وجدت مصادفة خلال عمل هذه القوى العمياء، وأن بقعة صغيرة جدًا من الكون قد نعمت بهذه الحياة، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى، وأن كل هذه ستنتهي يومًا ما، وسيبقى الكون فاقد الروح.
ولكن توجد اليوم أدلة قوية، تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة: بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية.
إن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة. إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجبني عنه، ونحن نصل الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه.
إن هذا الذهن ـ بلا شك ـ ليس كأذهاننا البشرية، بل هو ذهن خلق الذهن الإنساني من (الذرة، المادة). وهذا كله كان موجودًا في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد سابقًا.
إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك
التي أقمناها على عجل، لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة
…
).
فهذا التراجع يدلنا على أن مواقفهم غير ثابتة بل هي واهية البنيان والأساس، وما الاستدلالات التي استدلوا بها على أفكارهم إلا ظنونًا وتخمينًا. فالعالم من خلق خالق مبدع حكيم مريد خلقه على خطة مسبقة معدٍّ، وهو يهيمن عليه ويحيط به في جميع أجزائه.
الشبهة الثالثة:
(إن الله لكي يكون علة نفسه يجب أن يوجد أولاً
…
).
ومنشأ الخطأ لدى سارتر وغيره من الوجوديين ممن تشبث بهذه الشبهة:
أنه اعتقد أن كل موجود مفتقر في وجوده لآخر حتى وجود الله. فتصور وجوده كوجود الإنسان. ولذلك لم يتصور أنه أصل الوجود الذي ليس وراءه أصل، والوجود لا يكون إلا هكذا، إذ إنه لابد ـ في الوجود ـ من موجد أوجد غيره ولم يوجده الغير، هو الأول للوجود، كما عبر عنه فيثاغورس بأنه كالعدد واحد، أصل الأعداد، ولا يوجد أصل له.
ولذلك قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنت الأول فليس قبلك شيء)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله)).
ولكي يتضح هذا التقدير يستدل بما يلي:
إن التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، حجة يوسوس بها الشيطان للإنسان، منذ أن بدأ الفكر الإلحادي يدب إلى أذهان بعض الناس. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:((الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله))، وفي رواية:((فعند ذلك يضلون)).
فهذه الحجة الشيطانية تزعم أن الإيمان بأن الله هو المصدر الأول للأشياء، والوقوف عنده، يساوي نظريًا وقوف الملحدين عند المادة الأولى للكون، التي يطلقون عليها اسم السديم، وتزعم أن كلا الفريقين لا يجد جواباً على هذا التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، إلا أن يقول: لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول، وتزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة، وبعد هذه المزاعم يخادع مطلقوها (بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية، حين لا توجد أدلة وشواهد
وبراهين كافيات).
ولدى البحث المنطقي الهادئ يتبين لكل ذي فكر صحيح، أن هذه الحجة ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تباينًا كليًا، ولا يصح التسوية بينهما في الحكم، وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي سترت بها.
سبق إثبات كون الله عز وجل أزليًا، كما سبق إثبات كون المادة حدثت بعد أن لم يكن لها وجود. واستنادًا على هذا الإثبات إننا إذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كان كما يلي:
ما دام الموجود الأزلي الذي هو واجب الوجود عقلاً، ولا يصح في حكم العقل عدمه بحال من الأحوال غير معلول الوجود، فلم لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضًا؟ .
إن كل ذي فكر سليم صحيح من الخلل يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له، فلا يصح أن يشتركا بناء على ذلك في حكم هو من خصائص أحدهما.
وعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنعت هذه المغالطة الجدلية، والتورط في هذه المغالطة راجع إلى علة نفسية، غفلة منا وانصياعاً للتصور الغالب، شأن رجل يشتغل عمرة بكيمياء النحاس، فعرض له الذهب فجأة، فراح يطبق عليه قوانين النحاس، أفتراه يصيب، أم يخطئ؟ لا جرم أن خطأ نشأ من انهماكه الدائم في قانون معين، وغفلته عن التفريق بين القوانين حينما اختلفت مجالات التطبيق، ولقد عرفنا أن خالق الحوادث لا يتصف
بالحدوث قطعًا، فكيف نطبق عليه قانون الحوادث؟ ! .
ذكروا: (أن رجلاً جاء إلى عالم من علماء الأمة فقال: إذا أقررنا بالخالق فمن ذا خلقه؟ قال: عُدَّ من الواحد صعودًا، ففعل الرجل، قال: عُدَّ قبل الواحد، قال: ليس قبل الواحد شيء. قال: كذلك ليس قبل الواحد شيء! ).
والخلاصة: إن الخالق ليس بحادث، فنطبق عليه قانون الحوادث في السؤال عن خالقه، فذلك غير سائغ، وأنه كامل مطلق، والكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره، وبذلك ينهدم آخر صرح من صروح الشك، فنقول: الكامل المطلق لا يمكن أن يفتقر إلى الموجد.
وأما أزلية الخالق، وعدم احتياج وجوده إلى علة، فبرهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي:
إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل؛ لأنه لوكان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيء مَّا.
إذن: فلابد أن يكون وجود موجد مَّا هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلاً لأية علة، بل وجوده واجب عقلاً، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون
العدم العام الشامل هو الأصل الكلي.
ومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لاي مكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم تستلزم أن يكون حادثاً.
أما ادعاء أصلية الوجود للكون بصفاته المتغيرة فهو ادعاء باطل، وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزليًا.
إن هذا الكون يحمل دائمًا وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة: النظريات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها البحوث العلمية المختلفة في كل مجال من مجالات المعرفة، والقوانين العملية التي توصل إليها العلماء الماديون.
وإذ قد ثبت أن هذا الكون عالم حادث، له بداية ونهاية، فلابد له حتمًا من علة تسبب له هذا الحدوث، وتخرجه من العدم إلى الوجود، وذلك؛ لاستحالة تحول العدم بنفسه إلى الوجود.
أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقًا، وتقضي الضرورة العقلية بوجوده، فوجوده هو الأصل، لذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل بالحتمية العقلية، لأنه أزلي واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلاً، وليس حادثًا حتى يتسائل الفكر عن سبب وجوده.
وهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه أيضًا كذلك، لكن صفات الكون المشاهدة المدروسة تثبت حدوثه.
يضاف إلى هذا: أن مادة الكون الأولى عاجزة بطبيعتها عن المسيرة
الارتقائية التي ترتقي بها ذاتيًا إلى ظاهر الحياة، فالحياة الراقية في الإنسان.
وبهذا تنكشف للبصير المنصف: المغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان، وتخطر على أذهان بعض الناس، بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الموضوع وزواياه، فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علة وجود الله؟ .
إنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثًا، وأن تجعل واجب الوجوب عقلاً ممكن الوجود عقلاً، وأن الأصل فيه العدم، ليتساءل الفكر عن علة وجوده.
أو تريد أن توهم بأن ما قامت الأدلة على حدوثه فهو أزلي، أو هو واجب الوجود لذاته؛ لتسوي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إلى علة لوجوده.
وتريد هذه المغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقتضي بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلاً بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلاً أن يسأل عن علة لوجوده مطلقاً؛ لتنافي هذا السؤال مع منطق العقل، وهذا الموجد الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه.
أما الكون فصفاته تستلزم بالبراهين العقلية والأدلة العلمية المختلفة ـ حدوثه، لذلك كان لابد من السؤال عن علة لوجوده، ولا تكون هذه العلة إلا من قبل الموجد الأزلي، الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده، خارجًا عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية، وخلاف ذلك مستحيل عقلاً.
والحدوث من العدم العام الشامل، دون سبب من موجد سابق له مستحيل عقلاً.
الشبهة الرابعة:
هي قولهم: (إن حرية الإنسان تقوم على أنقاض حرية الله).
ومقصودهم بهذا القول: أن الإنسان لا يكون حرًا إلا إذا أنكر وجود الله، فإنه ما دام يثبت وجود الله فإنه لابد من اتباع أوامره واجتناب نواهيه. وهذا مخالف للحرية التامة، فإذا قضي على فكرة وجود الله فقد ثبتت الحرية، وإلا فلا.
الرد على هذه الشبهة:
إن دعوى الحرية التامة المطلقة ـ التي أسس عليها الوجوديون إنكار الله الخالق الرازق المحيي والمميت ـ لا وجود لها إلا في خيالهم المريض؛ إذ لو كان الإنسان حرًا حرية مطلقة لتحكم في مسيره ومجريات أحداثه، وكان عالمًا بكل ما يحيط به من أحداث، بل لكان من المتحكم والمخطط لمسيرها في الحياة، ولما كان هناك ما يقع على الإنسان غير ما يبتغيه أو يرغب فيه، بل يتمنى ألا يقع، تأكد كذب ما ترتب على دعوى الوجودية من استغناء الإنسان من خالق أوجده أو قدره. وبيان ذلك: أن الإنسان وهو بطريق الحياة تنتابه الأقدار:
1 -
أحداث يقع به فيفجؤه بل يفجعه نزولها به دون أن يدور بخلده ـ قط ـ أنها ستصبه أو ستلم به، مثل النوازل والكوارث التي قد تصيب الإنسان وهو بطريق الحياة دون سابق إنذار، وما يستطيع عاقل أن يقول: إن الإنسان هو الذي وضعها بنفسه أو أنزلها بساحته بناء على حريته المطلقة.
2 -
تنوبه أحداث أخرى ما يتمناها لنفسه ـ قط ـ لكنها تقع به؛ مثل ضعف البصر، انحناء الظهر، عجز القدمين عن حمل الجسم، تجاعيد الوجه،
ابيضاض الشعر، فلو كان الإنسان سيد أفعاله لما أوقع بنفسه ما تكرهه نفسه.
3 -
لو كان الإنسان هو الخالق لنفسه لكان عالمًا بتفاصيل حياته وأسباب وجوده، أو الغاية التي تصير إليها بعد رحيله، وهذا يتناقض مع ما تنادي به الوجودية في أضل مبادئها، فهي ترى أن الإنسان قد قذف به في الحياة دون قصد وهدف، وسيرحل عن الحياة دون إرادة أو غاية، وتوضيح ذلك وبيانه أوضح من أن يثار.
4 -
هل يعقل أن يلغي الإنسان وجود الله لمجرد إثبات حريته الكاملة، وهل هذه إلا حرية بهيمة شيطانية لنيل مقصوده والتسلط على حقوق الآخرين؟
الشبهة الخامسة:
حصر إيمانهم بالمحسوسات فقط. حيث قالوا: إذا كان الله موجودًا فلماذا لا نراه بأعيننا ولا ندركه بحواسنا كما ندرك ونرى الموجودات؟ وهل يسوغ لنا أن نؤمن بما لا نراه؟ .
الرد على هذه الشبهة:
1 -
إن الإيمان بالمحسوسات والموجودات فقط مسخ للإنسان، وتغليب لجانب من شخصيته على الجانب الآخر مما ينتج عنه القلق والفزع الذي يعاني منه الوجودي، وإلا فالإنسان جسد وروح، وحصر الموجودات فيما يرى
ويحس غير صحيح، فكم من موجودات لا تحس ولا ترى، كما أن حصر وسائل المعرفة في الإدراك الحسي غير صحيح كذلك، فالإنسان يعرف ويدرك عن طريق البداهة والفطرة، وعن طريق العقل والفكر، وعن طريق البصيرة والإلهام.
كما يدرك، ويدرك عن طريق الحس والرؤية، فعلماء الفلك يقدرون وجود كواكب بيننا وبينها ملايين السنين الضوئية، وقدروا مواقعها والأبعاد بين بعضها، لأن وجودها في المواقع التي حددوها، يفسر لهم آثارًا وظواهر معينة، في حركة الكواكب التي رصدوها، ويستدلون بما رأوه على ما لم يروه، ويتبين بالملاحظات العلمية صحة الفرض الذي فرضوه، فهل يلام هؤلاء العلماء على إيمانهم بما لم يروه ولم يحسوه مع أنهم اهتدوا إليه بالمنطق الرياضي الذي يعتمد على الأرقام لا على الأوهام؟ .
إن هؤلاء العلماء قد اعتمدوا على منطق بسيط ولكنه صادق -هو الاستدلال بالأثر على المؤثر-، فهم قد عرفوا الكواكب البعيدة بآثارها لا بذاتها، وعلى هذا النهج نفسه درس العلماء الطبيعيون (الذرة)، واستخدموا قوانين الكتلة والطاقة، مع أنهم لم يروا الذرة حتى الآن، كل ما انتهوا إليه بوسائلهم الإلكترونية الجبارة أنهم استطاعوا أن يروا ظلها أو خيالها بعد تكبيره وتضخيمه، فكيف نسلم بهذا المنطق -منطق الاستدلال بالآثار- ونستخدمه في علوم الطبيعة والفلك ثم ننكره في معرفة الخالق؟ .
2 -
إن هذا الزعم لا دليل عليه مطلقا، إنه مجرد إنكار ورجم بالغيب، لقد كان الماديون ينكرون ما لا تصل إليه الحواس الإنسانية قبل أن يتوصل البحث
العلمي إلى اكتشاف أجهزة تستطيع أن تحس بأشياء كونية كانت بالنسبة إلى الحواس البشرية أمورا من أمور الغيب، ولمَّا اكتشفت هذه الأجهزة، وكشفت للعلماء الباحثين ما كشفت من خفايا داخل الكون تراجع الفكر المادي عن تعنته قليلا، فاعترف بوجود أشياء يمكن أن تدركها الأجهزة التي توصل العلماء الباحثون إلى اكتشافها.
ومنها أجهزة الإحساس بالأشعة التي لا تدركها حواس الناس، وأجهزة الإحساس بالذبذبات الصوتية التي تنطلق في الأجواء، وأجهزة الإحساس بالطاقات الكهربائية والمغناطيسية والحرارية وغيرها.
وكلما تقدم العلم تطورت أجهزة الإحساس بالموجودات كانت غيبا على الناس قبل التوصل إليها، تراجع الفكر المادي الوجودي عن بعض تعنتاته، ولكن ظل منكرا ما وراءه مما لا يزال غيبا.
لقد كان الاستنتاج العقلي يثبت أمورًا، وكان الفكر المادي الوجودي ينكر بتعنت وعناد، وحين كشفت الأجهزة المستحدثة ما كان يثبته العقل، تجاهل الماديون الوجوديون إنكارهم الأول، وأخذوا يراوغون، ويوسعون مذهبهم المادي، حتى يشمل ما أثبتته الأجهزة المستحدثة وأحست به، وقدمت للعلماء شهادة بما شاهدت من خفايا كانت قبلها غيبًا عن حواس الناس.
أما الماديون المعاصرون الذين يعترفون بقوانين العلوم، وما توصلت إليه استناجًا عقليًا، فإنهم يتناقضون مع أنفسهم حين يسلمون بمقررات علمية لم يتوصل إليها العلم إلا عن طريق الاستنتاج العقلي، ويرفضون مع ذلك الاستناجات العقلية التي توصل إلى ضرورة الإيمان بالخالق.
ما أعجب أمر هؤلاء الوجوديين والماديين! ! .
إنهم يرفضون الاستنتاج العقلي، حينما يلزمهم ويلزم جميع العقلاء بضرورة الإيمان بالخالق الذي هو غيب عن الحواس بذاته، لكن ضرورة وجوده تعلم حتمًا بآثار صنعته المتقنة، ثم هم يقبلون بمقررات علمية كونية كثيرة ما زالت غيباً عن الحواس، وغيباً عن الأجهزة العلمية المتقدمة جدًا، مثل صفات الذرة، وحركاتها، وصفات الخلية وتطورها، مع أن هذه المقررات يوجد في بعضها ما دل عليه الاستنتاج العقلي بأمارات ظنية، لا بأدلة قطعية.
أليس هذا منهم تناقضًا مع أنفسهم؟ !
إنهم لو كانوا منسجمين مع الأدلة العلمية انسجامًا سويًا لم يتدخل معه الهوى لما كانوا متناقضين في مناهجهم، ولقبلوا على طول خط المعرفة ومكتسباتها كل الاستناجات العقلية القطعية، أو التي تعطي ظنًا قويًا راجحًا، ولما فرقوا بين أفرادها وهي متماثلة في قوة دلالتها.
لكنهم متعصبون أصحاب هوى ضد قضية الإيمان بالرب الخالق، فهم يرفضون كل دليل يثبت وجوده عز وجل، مهما كان دليلاً برهانيًا قويًا، وحينما يكون لهم هوى في أن ينتفعوا من طاقات الكون وخصائصه يقبلون ما يقدمه لهم الاستناج العقلي حول هذه الطاقات والخصائص، ولو كان استنتاجًا ظنيًا أو وهميًا أحيانًا، ويخادعون بأن هذا مما تثبه الوسائل العلمية.
3 -
يضاف إلى ذلك: أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقاً بالانغلاق في حدود المادة والوجود.
إن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير
ممكن الوجود، فعدم الوجود فعلاً لا يدل على استحالة الوجود. فما بالك بالحكم على الخالق بأنه غير موجود، وبأنه متناقض وجوده، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جدًا؟ .
4 -
إن وسائل العلم ثلاثة:
الأولى: المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.
الثانية: الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج البرهانية أو المقبولة.
الثالثة: الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبي من أنبياء الله مؤيد بالمعجزات الباهرات، ومن الخبر الصادق قطعًا ما يبلغه عن الوحي هذا النبي.
فهؤلاء الملحدون حصروا العلوم المدركة في دوائر ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه، وهذا باطل، بل قصور في العلم، فمن ليس عنده علم بشيء مَّا يجب أن يتعلم من الآخر، وليس عليه أن ينكر ذلك الشيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أخبرت به الرسل من الغيب فهي: أمور موجودة ثابتة أكمل وأعظم مما نشهده نحن في هذه الدار، وتلك أمور
محسوسة تشاهد وتحس ولكن بعد الموت في الدار الآخرة، ويمكن أن يشهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك، ليست عقلية قائمة بالعقل كما تقوله الفلاسفة، ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات التي نشهدها أن تلك غيب وهذه شهادة، وكون الشيء غائبًا أو شاهدًا أمر إضافي بالنسبة إلينا، فإذا غاب عنا كان غيبًا، وإذا شهدناه كان شهادة، وليس هو فرقاً يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس، بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يحس بحال فإنما يكون في الذهن، والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا، والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار، والمؤمون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص).
وبهذا يبطل أصل الملاحدة الذين يحضرون المعلومات بمدركاتهم الخاصة القاصرة، فإن هؤلاء قصروا معرفتهم في شيء ولم يعرفوا غيره، ومن عرف له حجة على من لم يعرف، فليس كل من لم يعرف شيئًا ينكره على حجة عدم علمه ومعرفته.
ولنضرب لذلك مثلاً: لو أن عالمًا من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان برِّيٍّ غريب رآه بعينه، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له، ثم جاء سمَّاك فقال: لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم، فإنا لم نشاهد في البحر نظيره. لما كان كلامه أكثر سقوطًا من ناحية الاستدلال العلمي من كلام هؤلاء الوجوديين، فقد جاءتنا الأخبار الصادقة من
قبل الرسل الكرام الصدِّيقون في أخبارهم بأن هناك إله ورب خالق له الصفات العلي كذا، وكذا، ثم جاء بعض من أعمى الله بصره وحجب عنه بصيرته، فيقول: لا أحسُّ به، ليس كلامه هذا أقل سقوطًا من كلام هذا السمَّاك.
ولهذا قال ابن القيم: (المعلومات المعاينة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحسِّ والعقل، بل لا نسبة بينها بوجه من الوجوه، ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والمعلومات التي لا تدرك بالحسِّ والأمور الغائبة عن الحسِّ نسبة المحسوس إليها كقطرة من بحر، ولا سبيل بها إلى العلم بها إلا بالخبر الصادق).
فإذا أبطلنا هذه العلوم فإننا قد أبطلنا علومًا جمة، ومعارف كثيرة، وليس هذا الإنداء إلى الجهل والطيش.
الفرع الثالث: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه في الداروينية:
وذلك؛ حينما رأوا أن الحياة إنما هي نتيجة النشوء والارتقاء، وأن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارج للطبيعة، في وضع ميكانيكي بحت.
خلاصة أفكارهم في إنكار الخالق سبحانه:
1 -
تقوم فكرة التطور الداروينية على أن الكائنات الحية تسير في تطورها
مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها.
2 -
وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل، وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر، ثم يضمحل، ثم ينقرض. وهو ما يسمى بالانتقاء الطبيعي.
3 -
والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد، يضمر شيئًا فشيئًا، حتى يضمحل، ولا يبقى منه إلا أثر يدل عليه، وقد لا يبقى له أثر.
كانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء، ثم عممت حتى شملت الوجود المادي كله، من الغاز السديمي الأول ـ كما يسمونه ـ حتى المجرات فالكواكب، فالمواد الصالحة لظهور الحياة، فالنبات، فالحيوان، وأمسى التطور مذهبًا.
وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد يرجع كلها إلى العناصر الثلاثة السابقة.
1 -
تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (داروين) من الحفريات الأرضية، فقد وجدوا: أن الطبقات القديمة تحتوي على كائنات أولية، وأن الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى. فقال (داروين): إن تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى.
ثم وجد الداروينية من هذه الحفريات ما يسمونه بإنسان بلتداون بجمجمة إنسان وفك قرد.
2 -
وتعتمد أيضًا على ما كان معروفاً في زمن (داروين) من تشابه جميع أجنة الحيوانات في أدوارها الأولى، فهو يوحي بأن أصل الكائنات واحد، كما أن الجنين واحد، وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحية.
3 -
كما تعتمد النظرية على وجود الزائدات الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات، وليس لها الآن عمل في الإنسان، مما يوحي بأنها أثر بقي من القرود لم يتطور، لأنها تقوم بدورها في حياة القرود الآن.
4 -
تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض.
وقالوا في كيفية عملية التطور: أن هناك ثلاث وسائل في إكمال عملية التطور، وهي:
أ- الانتخاب الطبيعي: تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء على الكائنات القوية، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون (البقاء للأصلح)، فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن مكونة صفة جديدة في الكائن، وذلك هو (النشوء) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى، وهكذا يستمر التطور وذلك هو الارتقاء.
ب- الانتخاب الجنسي: وذلك بواسطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح، فتورث بهذا صفات الأصلح، وتنعدم صفات الحيوان
الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره.
ج- كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل.
هذا آخر ما تخيلوا من الشبه، والتي يتشبثون بها في محاولة الإنكار للخلق المباشر، ولننظر فيما يلي مدى واقعية هذه الفكرة، ومدى صحتها لدى العلماء الغربيين أيضًا، فضلاً عن كونها من الأساطير والخرافات لدى أصحاب المل الثلاث.
تفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية:
1 -
أما استدلالهم بالحفريات:
فيقال: إن علم الحفريات لا يزال ناقصًا، فلا يدعي أحد أنه قد أكمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار فلم يجد شيئًا جديدًا ينقض المقررات السابقة.
وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإن وجود الكائنات الأولى البدائية أولاً، ثم الأرقى، ليس دليلاً على تطور الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن داروين تقول: إن أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة، فإن الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدَّرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين.
أليس هذا أكبر دليل على أن علم الحفريات متغير لا يبنى عليه دليل قطعي؟
وأنه قد ينكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنا نأمل؟
يقول الدكتور (جمال الدين الفندي) أستاذ الفلك في كلية العلوم بجامعة القاهرة: إن من الأدلة التي تنفي نظرية داروين أن عمر الأرض كما قدره الفلكيون والطبيعيون لا يربو على ثلاثة بلايين سنة، بينما يقدر علماء الحياة أن المدة اللازمة لتطور الأحياء على الأرض إلى حين عصر الحياة القديمة تزيد على سبعة بلايين سنة، بمعنى أن عمر الأرض لابد أن يكون عشرة بلايين سنة؛ أي ضعف عمر الشمس.
ويقول أحد علماء الغرب في كتابه (الإنسان الأول): (من المؤسف أنه لا يوجد لدينا إلا وثائق غير تامة من الحفريات عن أصل قرد الإنسان، ولا نعلم في أي وقت ولا في أي مكان بدأ شكل الإنسان يختلف عن شكل القرد).
فالحفريات لا تعتبر دليلاً أبدًا، حتى إن الرأي الأخير من الحفريات هو يناقض تمامًا ما قالته الداروينية، وذلك لما وجدوا من الجماجم الإنسانية التي تدل على وجود هذا النوع من مدة سحيقة موغلة أكثر مما يثبته الداروينيون لعمر الإنسان.
وأما ما قيل من أنهم عثروا على إنسان بلتداون بجمجة إنسان وفك قرد، مما يدل على أن الإنسان تطور من القرد، وأن إنسان بلتداون صورة من صور الحلقات المفقودة في عملية التطور، فيقال في الرد عليهم:
إن التجارب الأخيرة على إنسان بلتداون أثبتت أنه ليس قديمًا كما
تصوروا، بل إن هناك من قام بإحداث عدة تغييرات في هذه الجثة للإيهام بأنها تعود إلى أزمان غائرة جدًا، وليس هذا فحسب، بل تبين أن الأسنان المغروسة في عظم الفلك بردت بمبردة للتمويه وللإيهام بأنها تآكلت على مر الزمن، وكانت علامات البرد ظاهرة لكل عين متفحصة، وأخيرًا أعلنت النتيجة في تشرين الثاني سنة 1953 م، وكانت كما يلي:
(إن (إنسان بلتداون) ليس إلا قضية تزوير وخداع، تمت بمهارة من قبل أناس محترفين، فالجمجمة تعود إلى إنسان معاصر، وأما عظام الفك فهي لقرد أورنج بعمر عشر سنوات، والأسنان هي أسنان إنسان غرست بشكل اصطناعي وركبت على عظام الفلك، وظهر ذلك، إن العظام عوملت بمحلول ديكرومايت البوتاسيوم لإحداث آثار بقع للتمويه وإعطاء شكل تاريخي قديم لها).
2 -
وأما الاستدلال بتشابه أجنة الحيوانات:
فذلك خطأ كبير وقع فيه بعض العلماء نتيجة عدم تقدم الآلات المكبرة التبي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنة المتشابهة العالم الألماني (أرنيست هيكل)، فإنه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له: أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانين في المائة من صور الأجنة لنقص الرسم المنقول.
ثم لما تقدمت الآلات المكبرة في العصر الحاضر بينت هذه الآلات تفاصيل دقيقة بين أجنة الحيوانات، وظهر أنه لا تشابه بين أجنة الحيوانات أبدًا، وأن أجنة
الإنسان تختلف عن أجنة القردة من عدة جوانب.
3 -
أما الاستدلال بوجود الزائدة الدودية على نظرية النشوء الذاتي:
فيقال: إن وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلاً قاطعًا على تطور الإنسان من القرد، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجد الذي كان اعتماده على النباتات، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات.
ثم القول بأن الزائدة الدودية ليست لها وظيفة خاليًا في جسم الإنسان قول غير صحيح، فإنه أثبت الطب حديثاً: أن الزائدة الدودية ذات وظيفة في جسم الإنسان، وهي جهاز لمفاوي مناعي في البطن كغيره من أجهزة المناعة في جسم الإنسان، لذلك تدعى باسم (لوزات البطن).
كما أن العلم قد يكشف لها حقيقة أخرى لا تزال غائبة عنا حتى اليوم، فالعلم كل يوم في ازدياد، وإذا كانت الخنوثة من صفات الكائنات الأولية الدنيا، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية، فإن الثدي من أمارات الأنوثة، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان، في حين ذكور ذوات الحافر كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها، فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان، ولم يبق فيما هو أدنى منه؟ مع أن داروين يزعم أن الإنسان تطور مما هو أدنى منه.
4 -
أما الاستدلال بتأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض على إثبات نظرية التطور:
فيقال: إن تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود لا يقتضي أن السابق أب أو جد لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثم أبدع أخيرًا الإنسان.
وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات، فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عملية فكرية، ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءً جديدًا.
ومهما يكن من أمر، فالاحتمالان أمران متكافئان إمكانًا، بشرط ربط كل منهما بأنه مظهر لاختيار مدبر خالق حكيم عليم قدير خالق، فهو أمر مستحيل عقلاً، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطة ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود. وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الخلق الكبرى. كما سبق بيانه.
تفنيد شرح داروين لعملية التطور:
أما القول بالانتخاب الطبيعي: بأن هناك ناموسًا أو قانونًا يعمل على إفناء الكائنات الحية فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه فتتراكم
الصفات القوية حتى تكون حيوانًا جديدًا.
فيقال: حقاً هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها، لأن الله قدر الموت على كل حي، إلا أن نظامًا وناموسًا يعمل بمقابلة هذا النظام؛ ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن، لأن الله قدر الحياة فهيأ أسبابها؛ فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنباتات والجاذبية كل هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات، فالنظر إلى عوامل الفناء وغض النظر عن عوامل البقاء يحدث خللاً في التفكير، فإذا كانت هناك سنة للهلاك فهناك سنة للحياة، ولكل دور في الحياة، وإذا كانت الظروف الطبيعية: من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعة، كطمس عين أو تهديم بناء، فإنه من غير المعقول أن تقرر هذه الظروف الطبيعة الميتة الجامدة والبليدة أن تنشئ عينًا، لمن لا يملك عينًا أو تصلح بناء فيه نقص.
ولكن للأسف، إن التطوريين يقولون بمثل هذا القول. فالانتخاب الطبيعي معبود التطوريين المحروم من الشعور، هكذا وبهذه البساطة يعتقد داروين أنه استطاع أن يشرح كيفية تحول عضو من شكل إلى آخر، أما العلم المعاصر فإنه يرفض هذا الشرح وهذا التفسير، بل يعتبره مضحكًا، فكما يصعب على الإنسان الاعتقاد بأن سيارة تسير بالبنزين قد تحولت ـ نتيجة سلسلة حوادث المرور ـ إلى سيارة تعمل بالغاز السائل، وأنها في فترات من فترات التحول كانت
تسير بالبنزين والغاز معًا من باب الاحتياط! ! كذلك يصعب عليه تصديق كل هذه الحكايات حول خروج الأحياء من الماء إلى اليابسة.
إذ لا مبرر هناك للاعتقاد بأن كل هذه المزاعم صحيحة من دون تحقيق وتمحيص، حتى وإن قدمها البعض تحت لبوس العلم، لأن قليلاً من العلم وقليلاً من التفكير، يكفيان لرؤية كيف أن اللوحة التي تقدمها نظرية التطور في حاجة إلى عقل وشعور خارقين.
ويمثل هنا بمثال واحد، فمثلاً قبل كل شيء يحتاج جهاز التنفس لكل يتعرض لمثل هذا التبدل والتحول إلى تعيين هدفه أمامه
…
وهذا الهدف هنا هو (الخروج من الماء إلى اليابسة)، فمن الذي يعطي هذا القرار ويعين هذا الهدف؟ أهو الكائن نفسه؟ أهي جزئيات جسمه؟ أهو الماء؟ أهو الهواء؟ .
ثم يجب تعيين الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف، ووضع خطة تحتوي على تفاصيل كثيرة جدًا تشمل أجهزة الجسم كله، فمن الذي يضع هذه الخطة؟ أهو الكائن الحي؟ أهي ذرات جسمه؟ أم الهواء؟ .
ثم يجب الأخذ بنظر الاعتبار جميع العوائق والمشاكل التي قد تظهر أثناء خطوات التقدم نحو الهدف، وأخذ التدابير والاحتياطات اللازمة تجاهها، وإدراج جميع هذه التدابير في الخطة بشكل مناسب، بحيث لا تتعارض مع الخط العام للخطة. فمن الذي يرى المشاكل والعوائق والصعوبات قبل أوانها، ويفكر بالتدابير اللازمة فيؤمن التنسيق بين الأعضاء؟ أما القول بأن (الأعضاء تقوم من نفسها بتأمين نظام للتعاون والمساعدة فيما بينها) فهو قول لا يقره أي
عقل وأي منطق.
ثم تأتي مرحلة التنفيذ، والتطوريون يرون أنها تحقق نتيجة ملايين الحوادث التي تصيب شفرات الجينات. والغريب أن هذه الحوادث تكون وكأنها مرتبة ضمن خطة معينة! ! ثم إن حادثة معينة تأتي لتكمل (التقدم) الذي حققته الحادثة السابقة، ولتدفع خطوة أخرى إلى الأمام، ولتقرب الكائن خطوة أخرى نحو الهدف! ! ، وهكذا يتخلص هذا الكائن من غضبة الانتخاب الطبيعي (الذي يجول في الدنيا في كل ساعة من ليل ونهار دون أن يحس به أحد)! .
وأخيرًا بعملية تشبه عملية تحول دراجة أطفال ذات ثلاث عجلات، إلى طائرة فانتوم، إثر تعرضها لسلسلة من الحوادث العشوائية! ! تظهر أمامنا المعجزة وتتكامل.
ثم إنه من الغريب جدًا، أن لا يؤدي عبث الصدفة بشفرات الجينات إلى كوارث، ونحن نفس عدم فهم داروين ومعاصريه هذا الأمر إلى قلة معلوماتهم، أما الإصرار ممن جاء بعدهم عليه، فلا يفسر إلا بالعناد والتعصب، ذلك؛ لأن مدَّيد العبث إليها أو تدخل الصدفة، لا تؤدي إلا إلى كارثة.
واليوم يحاول الذكاء الإنساني ـ وليست الصدفة ـ أن ينفذ إلى أعماق علوم الجينات بدراسات شاقة، فمن المستحيل قبول الادعاء بأن الصدفة والانتخاب الطبيعي استطاعا القيام بحل كل هذه الألغاز التي استعصى حلها على الذكاء الإنساني بالرغم من جميع الجهور المبذولة في هذا المجال. من المستحيل قبول هذا الادعاء وإن بذلت المحاولات لوضع قناع العلم عليه. وبالرغم من مرور قرن
على وفاة داروين، فإن التطوريين لم يتعبوا بعد من محاولة جعل هذا المستحيل ممكنًا.
أما شرحه الثاني لقانون التطور بأنه يحصل (التطور) أيضاً بالانتخاب الجنسي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القوية مما سبب اندثارًا لأفراد الضعاف، وبقاء الأقوى:
فيقال: إن ذلك ليس دليلاً على حدوث تطور في النوع، بل يفهم منه بقاء النوع القوي من نفس النوع، واندثار النوع الضعيف.
ثم إنه ليس بصحيح أن الصفات الحسنة في فرد من الأفراد تنقل بواسطة الوراثة. فمثلاً: هذا الحداد القوي العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته كما أن العالم الغزير العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه.
أما القول الأخير له في شرحه لعملية التطور كيف تمت هي: بأنه (كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل):
فيقال في الجواب عليه: إن القول بحدوث النشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة تم توريثها في النسل فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث. فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة.
وإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية داروين)، فإن التجربة تنقضه؛ فهاهم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ولكن ذلك كله لم يسبب أن
ولد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين، وهكذا، فكما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية داروين.
النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:
1 -
لو كانت النظرية حقًا لشاهدنا كثيراً من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور، لا عن طريق التناسل فقط، وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية كل سنة، أو كل عشر سنوات، أو كل مائة سنة.
2 -
لو سلمنا جدلاً: أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي، قد طورت قردًا إلى رجل ـ مثلاً ـ فإنا لن نسلم أبدًا بأن الظروف قد قررت أيضًا أن تكون امرأة لذلك الرجل ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما.
3 -
إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات ـ كالحرباء ـ مثلاً تتلون بحسب المكان هي مقدرة كائنة في تلك المخلوقات تولد معها، وهي عند بعضها وافرة وعند البعض الآخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوزحدودها، فالقدرة على التكيف صفة كامنة، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من الجمادات.
4 -
تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة على الطيران والانتقال السريع، وذلك بدون آلة، كما أن
أنف الكلب أشد حساسية من أنف الإنسان، فهل أنف الكلب أكثر رقيًا من أنف الإنسان؟ وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب؟ فهذه النظرية يخالفها الواقع المشاهد مخالفة تامة.
النظرية تعجز عن الإجابة المقنعة لكثير من الأسئلة عبر الظواهر الموجودة:
إن نظرية التطور تحسب أنها استطاعت تفسير نشوء الكائنات الحية وتكاملها، وكل شيء بـ (الانتخاب الطبيعي)، ولكن الحياة هي أشمل وأعقد من مجرد أجساد الكائنات الحية، فعلاوة على وجود الأجهزة العضوية في أجساد الكائنات، هناك علاقات متداخلة ومتشعبة ومعقدة وحساسية بين هذه الكائنات والكائنات الأخرى من جهة، وبينها وبين بيئتها، وهذا موضوع مهم لا يمكن لأية نظرية تدعي تفسير الحياة أن تهمل إيضاحها وتفسيرها، غير أننا نرى أن الظلمات تحيط بهذا الموضوع في نظرية التطور، ولا نرى أي بصيص من نور.
فمثلاً: لا تستطيع نظرية التطور تفسير كيف أن البعوضة ما أن تفتح عيونها على الحياة حتى تحاول الوصول إلى هدفها ورزق أبرتها ـ كأي ممرضة متمرسة ـ والقيام بامتصاص الدم؟
كما لا تستطيع هذه النظرية تفسير كيف تستطيع النحلة التجول بين الأزهار، وامتصاص رحيقها لعمل غذاء من أنقى الأغذية، وليس هناك من معلم أو مدرب لها؟ وكيف تستطيع بإشاراتها ورقصاتها الخاصة من التخاطب مع أفرادها مجموعتها، ثم القيام بإنشاء خلاياها بدقة هندسية متناهية، لا نشاهد فيها خطأ مليمتر واحد؟
أم هل تستطيع هذه النظرية تفسير كيف أن الطفل، وهو جنين في بطن أمه يتدرب لاكتساب المهارة الوحيدة المطلوبة منه، وهي عملية مصِّ الثدي، وذلك بمصِّ أصبعه؟ !
كيف تبني العناكب بيوتها؟ والطيور أوكارها؟ والنمل مساكنها؟ أسئلة لا تستطيع هذه النظرية الإجابة عليها.
ويمكن تعداد أمثلة أكثر وأكثر وكتابة مجلدات من الكتب حول هذا الموضوع، بل يمكن صرف العمر كله في تعداد هذه الأمثلة، أما الاكتفاء بالقول بأن (الغريزة) هي الكلمة السحرية التي تفسر وتوضح هذه المهارات المتعددة والمذهلة والمختلفة، فليس إلا إعلانًا عن جهل الإنسان وعماه.
موقف علماء الطبيعة من هذه النظرية:
لعلماء الطبيعة موقفان وراء هذه الفرضية:
الأول: المؤيدون للنظرية: وتأييدهم كان أكثر انتصار لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه، وتقاومه، وحربًا مضادة يشنها علماء الطبيعة ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت حرب طاحنة بين الفريقين.
فالتأييد إنما هو نتيجة حرب حاقد على الأديان، لا عن علم واقتناع قلبي، فقد اعترف المؤيدون لهذه الفرضية (النظرية) أيضًا بأنها غير ثابتة وغير علمية، وفيما يلي بعض أقوالهم:
1 -
(إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين، وستظل كذلك؛ والسبب الوحيد في أننا نؤمن به هو أن الدليل الوحيد الممكن لها هو الإيمان
بالخلق المباشر، وهذا أمر غير وارد على الإطلاق).
2 -
(إن التغيرات الإعجازية التي نفترض أنها قاصرة على القصص الخرافية أمور عادية جدًا في نظرية النشوء والارتقاء).
3 -
(إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء، لا كنتيجة للملاحظة، أو الاختبار، أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشرة بعيدة عن التصور).
4 -
(إننا بالرغم من إيماننا بالنشوء فإننا لا نعلم كيف حدث).
5 -
(إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها، حتى ولو أصبحت مجرد عمل من أعمال الاعتقاد).
6 -
(كلما تعمقنا في دراسة أنتوبيولوجيا كلما اكتشفنا أن نظرية النشوء ترتكز على الاعتقاد).
هكذا يصبح واضحًا، أن هذه النظرية ليس لها أي مستند صحيح، وقد اعترف بتهافتها وعدم ثبوتها علميًا حتى مؤيدوها، وهو مدين بوجوده فقط لذلك الرفض العنيد للإيمان بوجود الخالق.
الثاني: المعارضون: لقد سبق معنا آراء المؤيدين لهذه النظرية بأنهم ما
أيدوها على أنها حقيقة علمية، وإنما على أنها أفضل بدليل للإيمان بالله جل شأنه، فما بال العلماء الغربيين المتنورين بالعلم والحرية لا يعارضونها؟ لقد عارضها كثير من علماء الغرب الجيولوجيون والطبيعيون بالأدلة والبراهين، والمقام لا يتسع لذكر آرائهم ها هنا.
ولكن ما موقف بعض من تأثر بهذه النظرية من المسلمين؟ لقد تأثر بهذه النظرية كثير ممن يدعي العلم في العصر الحاضر من المسلمين، كما قد قال ببعض هذه النظرية علماء مشهورون من هذه الأمة.
فممن تأثر بهذه النظرية من المعاصرين موريس بوكاي، حيث استدل في كتابه (ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب المقدسة) على صحة هذه النظرية بقوله تعالى:(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).
ويمكن أن يرد على هذا القول بأنه لم يفسر به أحد من المفسرين لا بالمأثور ولا بالرأي، ولم يقل به أحد من السلف، بل تفسير الآية على حسب ما روي عن السلف هو أن المراد بالأطوار كونه (نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا).
وممن قال ببعض هذه النظرية من العلماء القدامى المشهورين: ابن خلدون، حيث فسر قوله تعالى:(ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). على أنه من
القردة إلى الإنسان. كما ينسب هذا القول إلى كل من الدميري، والبلخي، والفخر الرازي، والفارابي، وغيرهم.
ويجاب عن شبهتهم هذه: بأن تفسير هذه الآيات القرآنية لا يكون إلا على ضوء ما فهمه سلفنا الصالح أو على ما يوافق الآيات القرآنية الأخر أو الأحاديث النبوية، وإذا ما وجدت يمكن أن يفسر على مقتضى طبيعة اللغة العربية وعلى فهم ما أنزل إليهم، لا إلى الأهواء والمفاهيم السيئة، وإلا سيصبح الدين كله لعبة، كلٌ يفسر الآيات القرآنية كما يهواه كما هو حال أهل البدع والزنادقة.
فالآيات المذكورة قد فسرت على تفسيرين:
الأول: هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ منهم علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وعكرمة والشعبي، والحسن وأبو العالية والضحاك والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير: أن المراد بالآية: (ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب).
الثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن معنى الآية: (ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلاً، ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخًا، ثم هرمًا)، وبه قال قتادة، والضحاك في رواية.
فترى أن التفسير الذي ذكروه يس له أي سلف، فلا يقبل مثل هذه التأويلات الباطنية للآيات القرآنية.
ولما كان هناك من المسلمين من تأثر بهذه النظرية ـ أو الفرضية على الصحيح ـ واستدل بعض هؤلاء بالآيات القرآنية، فإننا سوف نورد حديث القرآن عن أصل الإنسان وخلقه بآيات صريحة وواضحة في الدلالة لا لبس فيها ولا غموض، حتى لا يستطيع إنكاره إلا من أعمى الله بصره وجعل على قلبه غشاوة، وأضله عن سواء الصراط. ففيما يلي هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية.
حديث القرآن والسنة عن أصل الإنسان وكيفية خلقه:
إن حديثنا الآن مع الذين يؤمنون بالله ربًا، فنحن نسألهم هل تؤمنون بأن الله يعلم ما خلق، ومم خلق؟ وسيكون الجواب حتماً بنعم، وإلا يكونوا قد كفروا بالله، وإذا كانت الإجابة بنعم، فإننا نقول لهم: إن الذي خلق الخلق لا شك هو أعلم بالمخلوق، قال تعالى:(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فإذا كان هو أعلم بالخلق وكيفية خلقه، فقد حكى بنفسه في القرآن وبينه الرسول في السنة قصة خلق الإنسان ببيان ظاهر وواضح.
فالله يخبرنا أنه خلق الإنسان خلقًا مستقلاً مكتملاً، وقد أخبر ملائكته بشأن خلقه قبل أن يوجده:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).
وحدثنا عن المادة التي خلقه منها، فقد خلقه من ماء وتراب (طين)، قال تعالى:(فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب)).
والماء عنصر في خلق الإنسان، حيث قال:(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، وقال تعالى:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)، فهو إذن من ماء وتراب.
وقد شكله الله بيديه، حيث قال:(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ثم هذا الطين تحول إلى صلصال كالفخار (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ).
وقد خلقه مجوفًا منذ البداية، ففي الحديث عن أنس بن مالك قال:((لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك)).
هذا الطين نفخ الله فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فأصبح سميعًا بصيرًا
عاقلاً واعيًا، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين ينفخ فيه الروح وتدب فيه الحياة:(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
وأخبرنا بالمكان الذي خلق فيه وهو الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، وبمجرد أن تم خلقه أخذ يتكلم ويفقه ما يقال له، ففي القرآن:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).
وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة ـ إلى ملأ منهم جلوس ـ فقل: السلام عليكم. قالوا: عليك السلام ورحمة الله
…
)).
هذا هو الإنسان الأول؛ هو آدم عليه السلام، وهو أبو الناس كافة، بل إن المرأة خلقت منه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
ولم يكن خلق الإنسان ناقصًا ثم اكتمل، كما يقول أصحاب نظرية التطور؛
بل كان كاملاً ثم أخذ يتناقص الخلق، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:((خلق الله آدم عليه السلام، وطوله ستون ذراعًا).
ولذلك، فالمؤمنون يدخلون الجنة مكتملين على صورة آدم.
هذه لمحة مما حكاه القرآن وبيَّنه عن خلق الإنسان الأول، لم أستقص النصوص من الكتاب والسنة في ذلك، وإلا فالقول في ذلك واسع طويل، وهو يعطي صورة واضحة لأصل الإنسان ليس فيها أي غموض، وهذا الذي بيَّنه الإسلام أصل كريم يعتز الإنسان بالنسبة إليه، أما ذلك الإنسان الذي يصوره داروين ـ ذلك القرد الذي ترقى عن فأر أو صرصور ـ فإنه أصل يخجل الإنسان من الانتساب إليه.
الفرع الرابع: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في العلمانية:
وذلك؛ لأن (بعض العلمانيين ـ الملحدين منهم ـ ينكرون وجود الله أصلاً). وقبل أن أذكر آراءهم لابد من بيان إجمالي عن العلمانية ونشأتها، وأنواع العلمنة، وأنواع الشرك فيها
التعريف بالعلمانية:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) بالفرنسية.
وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) وبالنسبة إلى العلم بالإنجليزية (scientific)، وبالفرنسية (scientifique). ثم لو كان ـ فرضًا ـ إن هذه الكلمة منسوبة إلى العلم قبل في النسبة إليها: علمي، وليس علماني، إلا إذا قيل: إن زيادة الألف والنون وإن كانت غير قياسية في اللغة العربية ـ أي في الاسم المنسوب ـ إلا أنها جاءت سماعًا، ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم:(روحاني، جسماني، ونوراني)، فالترجمة الصحيحة للكلمة: أنها تعني في اللغة.
1 -
دنيوي أو مادي.
2 -
ليس بديني أو ليس بروحاني.
3 -
ليس بمترهب، ليس برهباني.
أما معنى هذه الكلمة فيما اصطلحوا عليه فقد ذكروا عدة عبارات، منها:
1 -
هي النظرية التي تقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.
2 -
جاء في دائرة المعارف البريطانية: (أنها حركة اجتماعية، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب
…
وظل
الاتجاه إلى (secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين
…
).
ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدث عن العلمانية تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
أ- إلحاد نظري.
ب- إلحاد علمي. وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العلمي.
ولهذا لو قيل عن هذه الكلمة (العلمانية) إنها (اللادينية)، لكان أدق تعبيرًا وأصدق، أو يقال:(الدنيوية)، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص: هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.
والتغيير الشائع في الكتب الإسلامية هو (فصل الدين عن الدولة)، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد والسلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها (فصل الدين عن الحياة) لكان أصوب. ولذلك فإن المدلول الصحيح العلمانية هو: (إقامة الحياة على غير الدين).
والخلاصة: أن العلمانية مذهب من المذاهب الشركية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الحياة الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيام الدنيا في جميع النواحي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية، وغيرها بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه.
نشأتها:
كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة،
والتربة الخصة، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهور هي أول دولة تقيم نظامها على أساس الفكر العلماني، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به ـ بما يتضمنه من إلحاد، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته، ومعاداة أهله ـ أقول: لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن بمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف، فبدلت وغيرت، وأضافت وحذفت، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم، ومعاملاتهم، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة، ولم تكتف الكنيسة ـ الممثلة للدين عندهم ـ بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين والمخترعين، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد، فقتلت من قتلت، وحرقت من حرقت، وسجنت من سجنت.
ومن جانب آخر فإن الكنيسة ـ الممثلة للدين عند النصارى ـ أقامت تحالفاً غير شريف مع الحكام الظالمين، وأسبغت عليهم هالات التقديس والعصمة، وسوغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم، زاعمة أن هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به.
من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب بهم من سجن الكنيسة ومن
طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك إلا الخروج على ذلك الدين ـ الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين ـ والتمرد عليه وإبعاده، وطرده من كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية وغيرها.
وعلى ذلك، فالعلمانية هي ذلك اللفظ الخادع الذي استخدم بدلاً من عبارة اللادينية والتي تعتبر أصل الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي لتعبر عن وجهة نظر المنكرين لوجود الله أو الذين يفصلون بين وجود الله وتأثيره في الحياة، فعلى فرض أن الحركة لم تنكر الدين من أساسه وإنما تعزله عن المجتمع وتدع الفرد يباشر عبادته في نطاق حياته الفردية، فإن فكرة بهذه الصورة فكرة لا دينية، والمجتمع الذي يتبناها مجتمع لا ديني، لأن المجتمع الذي يلجأ إلى التخلص من الدين بعزله عن تيار الحياة وحركتها وحبسه داخل جدران الكنيسة إنما هو مجتمع لا ديني، وإن ادعى غير ذلك.
صور العلمانية:
إن للعلمانية صورتين، كل صورة منها أقبح من الأخرى:
الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها إلا أن الحكم عليها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، لا ينطلي ـ بحمد الله ـ أمرها على المسلمين، ولا يقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه. وخطر هذه الصورة من العلمانية من
حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب أو السجن أو القتل.
وأصحاب هذه العلمانية لا ينادون إلى نيل بغيتهم مباشرة؛ لأنهم يعرفون أن أغلب الناس يرفضون، ولهذا تراهم دائمًا يتسترون بإحدى الستائر المعروفة من الشيوعية أو الاشتراكية أو الداروينية، أو الفرويدية أو القومية أو الوطنية مثلاً، فهذه الستائر ما هي إلا صور حية واقعية للعلمانية الملحدة.
لأن العلمانية الملحدة ليست لديها من الأدلة التي تستطيع من خلالها أن تقنع المخالف لها، فلهذا هي دائمًا تتستر بإحدى النظريات المذكورة، لأن هذه النظريات يرى واضعوها ومؤيدوها ومناصروها أن لها أدلة علمية ثابتة، وإن كانت ما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه العلمانية الملحدة هي المقصودة عندنا في هذا الباب، لأنها شرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه والمخلوق عن خالقه، وهؤلاء ليست لهم شبهة خاصة بهم إلا ما هو موجود عند الشيوعية المادية والداروينية التطورية، وقد سبق الرد عليها مفصلاً، فلينظر إليه.
الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة: وهي علمانية لا تنكر وجود الله
وتؤمن به إيمانًا نظريًا، لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الفكرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. وسيأتي تفصيل البيان في حكم هذه الصورة وشبهها فيما بعد.
والمقصود هنا: بيان كون العلمانية الملحدة من الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن الصانع والمخلوق عن الخالق.
الفرع الخامس: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في القومية:
القومية: مصدر صناعي، ونسبتها إلى قوم، وقوم الرجل: شيعته وعشيرته. ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مطلقًا ومقيدًا، وسمي القوم قومًا؛ لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور ويقيمونها بما يقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله.
وأما المقصود بالقومية: فاختلف دعاتها على أقوال:
منهم من يقول: هي مجرد انتساب إلى جنس معين. أو هي نتيجة التكلم بلغة واحدة، أو هي آثار من آثار وحدة الأرض والوطن والولاء للدولة القومية، أو هي نتيجة الرغبة في التعايش الاقتصادي المشترك.
أو هي: ارتباط الفرد بجماعة من الناس تعرف باسم الأمة والحرص على مصالح هذه الجماعة والعمل من أجلها.
أو هي: شعور أبناء الأمة الواحدة بأن ثمة ما يجمعهم ليكونوا أمة واحدة وما يميزهم عن غيرهم من الأمم الأخرى، سواء أكانت هذه المميزات حضارية أو تاريخية أو اقتصادية أو سياسية.
فيظهر لنا: أن عناصر القومية هي:
1 -
وحدة الأصل والعِرق.
2 -
وحدة اللغة.
3 -
وحدة التاريخ.
4 -
وحدة الثقافة.
5 -
المصالح المشتركة.
6 -
وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل.
ويصرون على حذف وحدة الدين، بل هذا في مقدمة ما يحذفونه من عناصر؛ لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع.
نشأتها:
ليس هناك تاريخ محدد لظهور الحركة القومية، ويتفق المؤرخون: أن شعار (القومية) شعار معاصر، ظهر في أوروبا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهور القومية في أوروبا بديلاً للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه الألماني، وضعف الرابط الديني شعبياً، وبتره سياسيًا بترًا كليًا.
لقد كان لابد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي أما وقد تقطع الرابط بسيادة الاتجاه الألماني فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي؛ لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية.
وكان بعد ذلك حركة الإصلاح التي قام بها لوتر؛ فقد فقدت النصرانية سلطانها على النفوس، وتحولت دول أوروبا إلى شتات من البشر لا تربط بينها رابطة، فلجأت إلى طريق القوميات كوسيلة تربط بها بين شعوبها وتجمع بها الشتات الضائع، فجمعت نفسها في قوميات عدة: كقومية ألمانية، وفرنسا والنمسا، وغيرها.
ثم أقبل القرن العشرون الميلادي وقامت فيه حربان عالميتان كبيرتان، دمرتا دمارًا عظيمًا، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العام، إذ انفجرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قومي في فرنسا وبريطاني وغيرها.
ثم خبت وقدة النزعات القومية لما أحست الشعوب الغربية بلعنتها،
واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية. ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين؛ لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية، وبقايا الدين فيهم أمست شخصية.
ولما أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كله، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبرة، من أبرزها:
القومية العربية، والقومية الطورانية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية، وغيرها، بل أغلب شعوب العالم الإسلامي في العصر الحالي اتجهت إلى هذه الدعوة الخبيثة الهدامة، وغيرت حدود أوطان على الخارطة السياسية.
فالقومية التي سبق إيرادها ليست بمعنى الرابطة التي يرتبط فيها الإنسان بقومه ووطنه، فتلك من فطر البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست بمعنى محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها والعمل على أن تكون كرامتها مصونة وحصونها محمية. وإنما القومية المقصودة هنا: هي التي فرغها دعاتها من كل معنى إسلامي وأطلقوها قومية علمانية، والتي عزلت القوم عن الإسلام واستبدلت بعقيدته ورابطته عقيدة وروابط أخرى هي التي غالى فيها دعاتها ورفعوها إلى مقام الربوبية أحيانًا وإلى مقام التقديس والعبادة في حين آخر، وضمنوها محتوي فكريًا بعيدًا عن دين هذه الأمة، مقطوع الصلة عن أعظم نبي عرفه التاريخ.
حكم القومية في الإسلام:
هذه القومية الملعونة هي (دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله
…
). يقول الأستاذ تقي الدين الهلالي في حديث له عن القومية: (كل من دعا إلى رابطة نسبية، أو وطنية مذهبية، وتعصب لها وجعلها أصلاً في الموالاة والمعاداة والتناصر والتخاذل، فقد خرج عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا بدعوى الجاهلية وضيع حقوقا لأخوة الإسلامية، واتبع سنة هتلر، وموسوليني، واستالين، وتشرشيل، وآيزنهاور).
وكان من توصيات المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: 24 - 29/ 2/1397 هـ. اعتبار القومية (من الدعوات والاتجاهات المضادة للإسلام، كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والماسونية، واليهودية العالمية، والإباحية والوجودية).
فما هو السبب في اعتبارها ضمن الدعوات المضادة للإسلام؟ لقد كشف الدكتور صالح بن عبد الله العبود النقاب عن هذا السؤال فأخبر في رسالته (فكرة القومية العربية) بأنها شرك في الربوبية وشرك في الألوهية معًا؛ أما كونها شركًا في الألوهية والعبادة فسيأتي بيانه عند استعراض شرك العصر الحديث في الألوهية والعبادة. وهنا يكتفي ببيان كونها شركًا في الربوبية.
الدعوى إلى القومية شرك بالله في الربوبية:
يقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود ـ حفظه الله ـ في كتابه المذكور مبينًا كونها من الشرك في الربوبية: (إن الاعتقاد بأن القومية
…
ذات قوة رابطة فعالة موحدة ـ كما هو المبدأ الأوروبي في القومية ـ سواء جعل محور هذه الرابطة الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الجنس أو هي مجتمعة أو بعضها أو أي شيء من دون الله اعتقاد باطل.
وقول القوميين: بأن اللغة حياة الأمة وروحها، إذا فقدت الأمة لغتها فقدت حياتها وروحها، وبأن التاريخ خلاق، وهو ذاكرة الأمة وشعورها، إذا فقدت تاريخها فقدت خلاقيتها وذاكرتها وشعورها، وهما مع الوطن والجنس ونحو ذلك عوامل مكونة للأمة، وروابط تربط أبناءها برابطة ذات قوة لا حتمية، وأن ذلك اعتقاد كل متنور، كل ذلك القول أو بعضه، وما أشبهه شرك في ربوبية الله تعالى أغلظ من شرك العرب في الجاهلية، الذين يتوجه إليهم الخطاب؛ لأن أولئك كانوا يقرون باختصاص الله بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة والرزق والتدبير، إنما نسبوا إلى معبوداتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ولا قالوا في الطبيعة ما قاله القوميون، بل يعلمون أنها مطبوعة مخلوقة لها طابع خالق، وإنما أنكر بعضهم البعث بعد الموت
…
ولكن القوميين بقولهم ذلك في الطبيعة والقومية في درك من الجهل والسفه أدنى من كل الناس
…
وفي غفلة وإعراض عن توحيد الربوبية المقرر فيها
…
وأنى للقوميين مع عدم معرفتهم لتوحيد [هم] الله بأفعاله ضرورة،