الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصنف التاسع عشر التعليل
والتعليل تفعيل من قولهم علّل ماشيته إذا سقاها مرة بعد مرة، وعلّلت هذا إذا جعلت له علّة وسببا، وسمى المرض علة لأنه سبب فى تغيّر حال الإنسان وفساد صحته، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن تقصد إلى حكم من الأحكام، فتراه مستبعدا من أجل ما اختص به من الغرابة واللطف والإعجاب أو غير ذلك، فتأتى على جهة الاستطراف بصفة مناسبة للتعليل فتدّعى كونها علة للحكم لتوهّم تحقيقه وتقريره نهاية التقرير من أجل أن إثبات الشىء معلّلا آكد فى النفس من إثباته مجردا عن التعليل، ثم مجيئه فى ذلك على وجهين:
الوجه الأول أن يأتى التعليل صريحا، إما باللام كقول ابن رشيق يعلل قوله عليه السلام «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» فقال فى معنى ذلك:
سألت الأرض لم جعلت مصلى
…
ولم كانت لنا طهرا وطيبا
فقالت غير ناطقة لأنى
…
حويت لكلّ إنسان حبيبا «1»
ولقد أحسن فى الاستخراج وألطف فى التعليل، فلأجل ما قاله كان ذلك علة فى كونها طهورا ومسجدا وكقول أبى نواس:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثّرى
…
لما كنت أدرى علة للتيمّم «2»
فقد صرح بأن الوجه الباعث على جواز التيمم بالترب شرعا، هو ما ذكره من وطئها له بأخمص قدمها فلأجل ذلك كان جائزا.
الوجه الثانى أن لا يكون التعليل صريحا فى اللفظ، وإنما يؤخذ من جهة السياق والنظم والمعنى، وهذا كقول بعض الشعراء:
يا واشيا حسنت فينا إساءته
…
نجى حذارك إنسانى من الغرق «3»
فلقد أبدع فيما قاله وأظنه يحكى عن مسلم بن الوليد وهو من رقائقه التى اختص بها ونفائس ما نظمه وأراد أن الواشى مذموم لا محالة لما يفعله من القبيح، لكن العلة فى حسن إساءته؛ هو أنه يخاف على محبوبته من وشايته، فامتنع دمع عينيه من أجل الخوف والفشل فسلم إنسان عينه من أن يغرق بدموعه لمّا كان خائفا مذعورا من الوشاية، فلا وجه لتعليل حسن الوشاية إلا هذا وكقول من قال من الشعراء:
فإن غارت الغدران فى صحن وجنتى
…
فلا غرو منه لم يزل وابل يهمى
وألحق به ما هو بمعناه وهو التعجب كقوله:
أيا شمعا يضىء بلا انطفاء
…
ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر ما معنى انتقاصى
…
وأنت الشمع ما سبب احتراقى