الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصنف الثالث والثلاثون حسن التخلص
اعلم أنا فيه قد ذكرنا من قبل، حسن المبادىء والافتتاحات، ورمزنا فيها إلى قول بالغ، يطلع على نكت جمة، ولطائف عجيبة، والذى نذكره ههنا هو ما ينبغى لكل متكلم من شاعر أو خطيب إذا كان قد أتى بما يصلح من الافتتاحات الحسنة فلا بد له من مراعاة التخلص الحسن، لأنه لابد له من تقديم الغزل، أو ذكر الفخر، أو ذكر أطروفة بأدب، ثم يذكر على أثره المدح، وعلى قدر براعة الشاعر والخطيب والمصنف يكون حسن التخلص إلى المقصود، بعد تقديم ما ذكرناه وقلّ ذلك أعنى حسن التخلص فى كلام المتقدمين، وقد جاء فى قول زهير:
إنّ البخيل ملوم حيث كان
…
ولكنّ الكريم على علاته هرم «1»
ثم إن حسن التخلص يأتى على أوجه، فأحسن ما يأتى فى بيت واحد وهذا كقول مسلم بن الوليد يمدح البرامكة:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة
…
كأنّ دجاها من قرونك ينشر
سريت بها حتى تجلّت بغرّة
…
كغرّة يحيى حين يذكر جعفر «2»
فما هذا حاله قد فاق فى حسن التخلص من الغزل إلى المديح مع قصر الكلام وتقارب أطرافه، لما فيه من إدماج المبالغة فى مدح يحيى بالبر لابنه وجمعه فيه من المحاسن، وقد جاء فى بيتين كقول أبى تمام:
تقول فى قومس قومى وقد أخذت
…
منّا السّرى وخطا المهريّة القود «3»
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا
…
فقلت كلّا ولكن مطلع الجود
فانظر إلى ما أبرزه من التخلص الرائق والمخرج الفائق، وربما جاء فى ثلاثة أبيات، ومثاله ما قاله أبو نواس يمتدح بنى العباس:
وإذا جلست إلى المدام وشربها
…
فاجعل حديثك كلّه فى الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن
…
لله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم
…
فى مدحهم فامدح بنى العبّاس «1»
فقاتله الله، ما أرق كلامه، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل، أو نهر جار تسلسل، ومما جاء من التخلص الحسن فى بيتين قول أبى الطيب المتنبى:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها
…
من أين جانس هذا الشّادن العربا
فاستضحكت ثمّ قالت «كالمغيث» يرى
…
ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا «2»
ويكثر وجوده فى أشعار المتأخرين، كالمتنبى وأبى تمام والبحترى، ويعز وجوده فى قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل فى القصائد الطوال، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق فى الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم، ومن نفيس ما يذكر فى التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبى أيضا:
أقبلتها غرر الجياد كأنما
…
أيدى بنى عمر ان فى جبهاتها «3»
فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح فى أخصر لفظ وأقصره، وهو من بدائعه الحسنة، وعجائبه المستحسنة التى فاق بها على نظرائه، من أبناء زمانه، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومى يمدح رجلا بالكرم:
ما من مزيد فى بليّة عاشق
…
وندىّ وجود فى أبى إسحاق
فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر فى التخلصات القصيرة ويورد فى أمثلتها.