الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضرب الثانى فى أمثلة الإلغاز وهو الأحجية
وهو ميلك بالشىء عن وجهه، واشتقاقه من قولهم طريق لغز إذا كان يلتوى ويشكل على سالكه، ويقال له المعمى أيضا ويفارق ما ذكرناه من المغالطة المعنوية فإنها مبنية على اشتراك اللفظ بين معنيين كما أسلفنا تقريره، بخلاف اللغز، فإنه إنما يوجد من جهة الحدس والحزر لا من جهة دلالة اللفظ بحقيقته، ولا بمجازه، ومثاله قول بعض الشعراء فى الضرس:
وصاحب لا أملّ الدهر صحبته
…
يسعى لنفعى ويسعى سعى مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت
…
عينى عليه افترقنا فرقة الأبد
فما هذا حاله من الكلام ليس فيه دلالة على الضرس لا من جهة حقيقة اللفظ ولا من جهة مجازه، وإنما هو شىء يعرف بدقة الذكاء وجودة الفطنة، ومن أجل هذا تختلف القرائح فى السرعة والإبطاء فى فهمه، ومن الأمثلة ما قال بعض الشعراء فى أيام الأسبوع ولياليه:
سبع رواحل ما ينخن من الونى
…
شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدّءوب يملّها
…
باق تعاقبها على الدهر
فما ذكره لا يفهم من طريق الحقيقة ولا من جهة المجاز ولا من جهة المفهوم، وإنما يفهم بطريق الحدس والحزر، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يصف السفن فى قصيدته التى يمدح بها سيف الدولة عند ذكره لصورة الفرات التى مطلعها (الرأى قبل شجاعة الشجعان) قال فيها:
وحشاه عادية بغير قوائم
…
عقم البطون حوالك الألوان
تأتى بما سبت الخيول كأنها
…
تحت الحسان مرابض الغزلان «1»
وهذا من جيد ما يذكر فى الإلغاز وبديعه لما فيه من الرشاقة والحسن، ومن ذلك ما قاله بعضهم يصف حجر المحكّ الذى تستعمله الصاغة:
ومدّرع من صبغة الليل برده
…
يفوق طورا بالنّضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا
…
أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس
وقد أجاب بعض الشعراء عن لغز هذين البيتين فقال:
سؤالك جلمود من الصخر أسود
…
خفيف لطيف ناعم الجسم أملس
أقيم بسوق الصّرف حكما كأنه
…
من الزّنج فاض بالخلوق مطلّس
ومن لطيف الإلغاز ورشيقه ما قاله بعض الشعراء فى الخلخال:
ومضروب بلا جرم
…
مليح اللون معشوق
له قدّ الهلال على
…
مليح القد ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا
…
على الأمشاط فى السّوق
فهذا ما أردنا ذكره من أمثله الإلغاز فى المنظوم، فأما أمثلته من المنثور فهى كثيرة، وقد ورد فى الحريريات كالذى ضمنه المقامة الثامنة فى الإبرة والمرود وغير ذلك فيها، فأما القرآن الكريم فليس فيه شىء من ذلك، لأن ما هذا حاله إنما يعرف بالحدس والنظر، والقرآن خال عن ذلك، لأن معرفة معانيه مقررة على ما يكون صريحا لا يحتمل سواه من المعانى، أو ظاهرا يحتمل غيره، أو مجملا يفتقر إلى بيان، فأما ما يعلم بالحزر والحدس فلا وجه له فى القرآن، وأما السنة فقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يريد بدرا فلقيه بعض العرب فقال لهم ممن القوم؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:«نحن من ماء» ، فأخذ الرجل يفكر ويقول من ماء من ماء لينظر أى العرب يقال له ماء؟، وهذا ليس يعد من الإلغاز وإنما يعد من المغالطة المعنوية، لأن قوله «ماء» يحتمل أن يكون بعض بطون العرب يقال له «ماء» كما يقال هو «ماء السماء» ويحتمل أن يكون مراده أنهم مخلوقون من الماء، أى النطفة، فهو كما ذكرناه صالح للأمرين على جهة الاشتراك، ودلالة الإلغاز إنما هى من جهة الحدس لا من جهة اللفظ كما أشرنا إليه، فإذن فالقرآن والسنة جميعا منزهان عما ذكرناه من الإلغاز، ويحكى عن امرىء القيس أنه تزوج امرأة فأراد امتحانها من هذه الإلغازات، فقال لها قبل أن يتزوجها ما اثنان، وما ثلاثة، وما ثمانية، فقالت: أما الاثنان فثديا المرأة، وأما الثلاثة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، وهو كثير فى كلام العرب فى منظومها ومنثورها كما أشرنا إليه.