الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النظر الأول فى مفرداتها وتقديم بعضها على بعض
إنما اختير لفظ «يا» من بين سائر أحرف النداء من جهة أنها كثيرة الدور فى الاستعمال، وأنها موضوعة للدلالة على بعد المنادى، والبعد هنا يجب أن يكون معنويا، لأن البعد الحسى على الله تعالى محال، من جهة استحالة الجهة على ذاته، وذلك أن المعنوى يكون من جهات خمس، أولها: أنه تعالى لما كان مختصا بعدم الأولية فى ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوليا بلا نهاية، وأن الأرض من جملة الممكنات التى لها بداية، ولا شك أن كل ما كان لا أول له فهو فى غاية البعد عما له أول، وثانيها: من جهة عدم التناهى فى ذاته تعالى من كل وجه، بخلاف الأرض، فإنها متناهية فى ذاتها من كل وجه، وليس يخفى ما بين التناهى وعدم التناهى من البعد العظيم، وثالثها: اختصاص ذاته بالعظمة والكبرياء، واختصاص الأرض بنقيضها من التسخير والقهر، ورابعها:
اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه فى ذاته وصفاته، بخلاف الأرض، فإنها مفتقرة فى ذاتها من كل وجه إلى فاعل ومدبر، ومن كان مستغنيا فى ذاته وصفاته فإنه فى غاية البعد المعنوى عما يكون مفتقرا فى ذاته وصفاته إلى غيره، وخامسها: أنه نداء من اختص بكمال العزة لمن هو فى غاية الذلة، كما ينادى السيد عبده، فلما كانت الأرض مختصة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه، لا جرم كان نداؤها مختصا ب «يا» من بين صيغ النداء، وإنما قال: يا أَرْضُ
ولم يقل: «يا أرضى» إيثارا لتحقيرها، لأنه لو أضافها إلى نفسه، لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأن المضاف أبدا يكتسى من المضاف إليه شرفا وتخصيصا وتعريفا، ولم يقل:«يا أيّتها الأرض» إيثارا للاختصار، وعملا على الإيجاز، وتحرزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذى لا يليق بمقام الخطاب الإلهى، لاستحالته فيه، واختير لفظ الأرض لأمرين، أما أولا: فلأن المدحوّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك، مما يستعمل فى الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض، وأما ثانيا: فلأن لفظ الأرض أخف وأكثر دورا واستعمالا مما ذكرناه، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها، واختير لفظ
ابْلَعِي
ولم يقل «ابتلعى» لأمرين، أما أولا فلأن ابْلَعِي
أخف وزنا وأسهل على اللسان من «ابتعلى» وأما ثانيا فلأن فى الابتلاع نوع اعتمال فى الفعل وتصرف فيه يؤذن بالمشقة، بخلاف قوله: ابْلَعِي
فإنه دال على السهولة، فيكون فيه دلالة على باهر القدرة، حيث أمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء بحيث لا يمكن تصوره على أسهل حالة، وإنما اختير إفراد الماء دون جمعه لأمرين، أما أولا فلأن فى الجمع نوع تكثير، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء وإظهار العظمة، وأما ثانيا: فلأن فى الإفراد نوع تحقير وذلة، وهو لائق بمقام القهر والاستيلاء فى الملكة، وهذا هو الوجه فى إفراد السماء والأرض، وإنما ذكر مفعول: ابْلَعِي
لأنه لو اقتصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال والبحار، وأنواع الأشجار والسفينة ومن فيها، نظرا إلى عموم الأمر الذى لا يخالف ولا يرد عن مجراه، لأن المقام مقام عظمة وكبريآء، وقول ابن عباس فى قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69)
[الأنبياء: 69] إنه لو لم يقل «وسلاما» لم ينتفع بالنار، لشدة بردها، يشير به إلى ما ذكرناه من مضاء الأمر ونفوذه، وإنما لم يظهر ذكر المسبب عند ذكر سببه، فيقول يا أَرْضُ ابْلَعِي
فبلعت، وياسماء أقلعى فأقلعت، لأمرين أما أولا:
فلما فى ذلك من الاختصار العجيب، والإيجاز البليغ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر مسببه، وهذا كثير فى القرآن كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: 60] لأن المعنى فضرب فانفجرت، وأما ثانيا: فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة فى سرعة الإجابة، ووقوع الامتثال، وحصول الأمور: من غير مخالفة هناك، فترك ذكره اتكالا على ما ذكرناه، وأنه كائن لا محالة لا يمكن تأخره، واختير بناء وَغِيضَ
لما لم يسم فاعله على «غيّض» بتشديد الياء مبنيّا للفاعل لأمرين، أما أولا: فمن أجل الإيجاز، لطرح الفاعل، والاختصار فيه، وأما ثانيا: فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر الله تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله، والمقام مقام الكبرياء والعظمة، وإنما اختير لفظ «الماء» ولم يقل الطوفان، ولا المطر، إيثارا للاختصار، ولما فيه من الإشارة باللام التى للعهد، كأنه قال: وغيض الماء الذى أمرنا الأرض والسماء بإيقاعه، بيانا لحاله وإيضاحا
لأمره، وأنه الذى وقع الإهلاك به لقوم نوح، فيعظم الامتنان على من بقى فى السفينة بإزالته، وإنما قال «الأمر» فى قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
ولم يقل وقضى أمر نوح، أو قضى الهلاك، أو قضى الإغراق، لأمرين، أما أولا: فلأجل إيثار الاختصار، وتعويلا على الإيجاز، وأما ثانيا: فلأن وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح فى إغراق قومه، وإظهار الانصار له، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك، مع ما تضمن من الفخامة فى معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذبوه، وإنما اختير وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: 44] ولم يقل: سويت كما قال: وغيض، وقضى، على البناء للمفعول لأمرين، أما أولا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسم فاعله، فلهذا أوثر الأخف، وأما ثانيا فلأن الأكثر فى الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات، فيقال:
هبت الريح، ومطرت السحابة، واستوت السفينة على الماء، قال تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
[هود: 42] فأضاف الجرى إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها، وإنما اختير بُعْداً
ولم يقل: ليبعدوا لأمرين، أما أولا: فلأن فى المصدر نوع تأكيد لا يؤدى به الفعل لو نطق به. وأما ثانيا: فلأنه لو وجهه بالفعل كان مقيدا بالزمان، وهو إذا كان موجها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل، وإنما عرّف القوم باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم، وإنما أتى بلام الجر ولم يقل: فبعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون «من» فإنها غير مؤدية لهذا المعنى، وإنما أطلق صفة الظلم، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم، من تكذيب الرسل، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذبه، والتأسى بالصبر ووعيد لمن كذّبه بالنّصفة والانتقام منه.