الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنه إنما اختار وصفها بالقسى مع أن هذا المعنى يحصل بتشبيهها بالعراجين والأخلة والأطناب وغير ذلك، لكنه اختار القسى لما أراد ذكر الأسهم والأوتار، فيحصل بذكر القسى ملائمة لا تحصل بذكر غيره فلهذا آثره، ولقد أحسن فيه لما اشتمل عليه من حسن التأليف وجودة النظم ومراعاة المناسبة فيما ذكره وكما قال المتنبى:
على سابح موج المنايا بنحره
…
غداة كأن النّبل فى صدره وبل «1»
فالسابح، الحصان، فلما وصفه بالسباحة عقبه بذكر الموج، وذكر النبل، وعقبه بذكر الوبل لما كان يشبه النبل فى شدة وقعه وسرعة حركته، ثم واصل بين الوبل والموج لما بينهما من الملائمة، وأحسن من هذا ما قاله ابن رشيق من شعره:
أصحّ وأقوى ما رويناه فى الندى
…
من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا
…
عن البحر عن جود الأمير تميم «2»
فلاءم بين الصحة والقوة، وبين الرواية والخبر، لأنها كلها متقاربة فى ألفاظها، ثم قوله أحاديث، تقارب الأخبار ثم أردفها بقوله السيول، ثم عقّبه بالحيا، لأن السيول منه، ثم عن البحر، لأنه يقرب من السيل، ثم تابع بعد ذلك بقوله «عن جود الأمير تميم» فهذه الأمور كلها متقاربة، فلأجل هذا لاءم بينها فى تأليف الألفاظ، فصار الكلام بها مؤتلف النسج محكم السّدى.
الوجه الثالث ائتلاف المعنى مع المعنى
وهو أن يكون الكلام مشتملا على أمرين فيقرن بكل واحد منهما ما يلائمه من حيث كان لاقترانه به مزية غير خافية ومثاله ما قاله المتنبى فى السيفيّات:
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة
…
ووجهك وضّاح وثغرك باسم
وقفت وما فى الموت شكّ لواقف
…
كأنك فى جفن الرّدى وهو نائم «3»
فإن عجز كل واحد من البيتين ملائم لكل واحد من صدريهما وصالح لأن يؤلّف معه، لكنه اختار ما أورده فى البيت لأمرين، أما أولا فلأن قوله «كأنك فى جفن الردى وهو نائم» إنما سيق من أجل التمثيل للسلامة فى موضع العطب فجعله مقرّرا للوقوف
والبقاء فى موضع يقطع على صاحبه بالموت أحسن من جعله مقرّرا لثباته فى حال هزيمة الأبطال، وأما ثانيا فلأن جعل قوله «ووجهك وضاح وثغرك باسم» تتمة لقوله «تمر بك الأبطال» أحسن من جعله تتمة لقوله «وقفت وما فى الموت شك لواقف» لأن الإنسان فى حال الهزيمة يلحقه من ضيق النفس وعبوس الوجه ما لا يخفى، فلهذا ألصق كل واحد منهما بما يكون فيه ملاءمة وحسن انتظام من أجل المبالغة فى المعانى، ويحكى أنه لما أنشد سيف الدولة هذه القصيدة نقم عليه هذين البيتين، قال هلا جعلت عجز أحدهما عجزا للآخر فأجابه بما ذكرناه من بلاغة المعنى إذا كان على هذه الصفة، فاستحسن سيف الدولة ما قاله من ملاحظة المعانى التى هى مغازيه فى قصائده وزاد فى عطيته، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119)
[طه: 118- 119] ولم يقل فإنك لا تجوع فيها ولا تظمى، وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى، فإنه لم يراع ملاءمة الرى للشبع، ولا أراد مناسبة الاستظلال للضّحا، وإنما أراد مناسبة أدخل من ذلك، فقرن الجوع بالعرى لما للإنسان فيهما من مزيد المشقة وعظيم الألم بملابستهما، وأراد مناسبة الاستظلال للرىّ، فقرن بينهما لما فى ذلك من مزية الامتنان، وإكماله، ووجه آخر وهو أن الجوع يلحق منه ألم فى باطن الإنسان وتلتهب منه أحشاؤه، والعرى يلحق منه ألم فى ظاهر جسد الإنسان فلهذا جمع بينهما لما كان أحدهما يتعلق بالظاهر والآخر يتعلق بالباطن، وهكذا حال الظمأ فإنه يحرق كبد الإنسان ويوقد فى فؤاده النار، والضّحا يحرق جسده الظاهر فلأجل هذا ضمّ كل واحد منهما إلى ما له به تعلق لتحصل المناسبة، ومن جيد ما يورد مثالا ههنا ما ذكره المتنبى فى السيفيات:
فالعرب منه مع الكدرىّ طائرة
…
والروم طائرة منه مع الحجل «1»
يصف انهزام الناس من خوفه وشدة سطوته، فالكدرىّ والحجل طائران، لكن الكدرىّ أكثر ما يكون فى الصحارى والقفار والمفازات، فضمه مع العرب، لأن أكثر ما يسكنون هذه المواضع، وضم الحجل إلى الروم، لأنها أكثر ما تأوى إلى الأمواه وشطوط الأنهار، وبلاد الروم فيها الأنهار الكثيرة، فلأجل هذه المناسبة والتزامها ضم كل واحد إلى ما يليق به ويناسبه بعض مناسبة، وقوله «طائرة» فيه وجهان، أحدهما أن يريد أنها كالطير فى سرعة هربها وخفّة جريها فرقا منه وخوفا من بأسه، وثانيهما أن يريد أنها متفرقة فى