الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
امتحنت قوته بجذب قوسين، فقال إنما كان هذا من أجل الاعتياد والرياضة، والغرض أنه ألفه وراض نفسه بترك الطعام قليلا قليلا حتى صار إلى هذه الغاية، والرياضة تقضى بأكثر من هذا المقدار.
الجهة الثامنة عشرة فى الطعن على القرآن بعدم الثمرة فيه
،
وحاصل ما قالوه هو أن الله تعالى إنما أنزل القرآن منة عظيمة على الخلق، وتعريفا لهم بما كلفهم من التكاليف الشرعية، وعلمهم فيه من الحلال والحرام، والأمر والنهى، وغير ذلك من سائر التكاليف، وهذا غير حاصل من جهة العباد، وبيانه هو أن القدرة غير صالحة للضدين، وإذا كان الأمر كذلك كان الفعل واجبا، فلا يتناوله التكليف بحال أصلا، ثم إن سلمنا أنها صالحة للضدين، فلابد من تحصيل الداعية لاستحالة حصول الفعل من غير داع، ثم إذا حصلت الداعية، فإما أن يجب الفعل أولا يجب، فإن لم يجب، احتاج إلى مرجح آخر، فيتسلسل إلى ما لا غاية له، وهو محال، وإما أن يجب الفعل عند حصول الداعية، وعند هذا يجب الفعل، ويبطل التكليف، وعلى كلا الوجهين يكون الفعل واجبا، فلا يتناوله التكليف، بل تكون الأفعال كلها من جهة الله تعالى، ولا يتعلق فعل بالعبد، وفى ذلك بطلان التكليف وطى بساطه، وفى هذا بطلان ثمرة القرآن وإبطال الغرض الذى أنزل من أجله.
والجواب عما أوردوه من هذه الشبهة هو مبنى على قاعدة الجبر، وفيه بطلان الأمر والنهى، والوعد والوعيد، وإرسال الرسل، وبطلان المدح والذم، وما هذا حاله فبطلانه معلوم بالضرورة.
قوله القدرة غير صالحة للضدين، قلنا: إذا كانت غير صالحة فإنها موجبة لمقدورها، وفيه وقوع المحذور الذى ذكرناه من بطلان الشرائع والأمر والنهى، وإبطال إرسال الرسل إلى غير ذلك، من الشناعات، فيجب القضاء ببطلانه.
قوله إن سلمنا كونها صالحة للضدين فلابد من الداعية وهى أيضا موجبة للفعل، قلنا:
هذا فاسد أيضا، فإن الداعى غير موجب للفعل أصلا بالإضافة إلى القدرة، وإنما هو موجب للفعل بالإضافة إلى الداعى، ومثل هذا لا يبطل الاختيار، وكل هذا يليق استقصاؤه بالمباحث الكلامية، والقواعد الدينية، فإنه من أهم مقاصدها، وأعلى مراتبها، فإذا تقرر ذلك من ثبوت الاختيار للعبد، بطل ما قالوه من أن القرآن لا ثمرة له.
الجهة التاسعة عشرة من المطاعن على القرآن من جهة كتبه فى المصاحف
؛
قالوا: روى
أن الصحابة رضى الله عنهم اختلفوا فى كتبه فى المصاحف اختلافا شديدا، وزيف كل واحد منهم مصحف الآخر وأنكره، وفى هذا دلالة على أنهم على غير حقيقة فى نقله، وعلى غير ثقة من أمره، فاشتهر أن عثمان حرق مصحف عبد الله بن مسعود فى خلافته، وقال ابن مسعود: لو تملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل ما صنعوا، وكان ابن مسعود يطعن فى زيد بن ثابت ويذمه، حتى قال: إنه قرأ القرآن وإنه لفى صلب كافر، يعنى «زيدا» وروى ابن عمر أن عمر وضع القرآن فى مصحف وهو المصحف الذى كان عند «حفصة» وهو الذى أرسل مروان، وهو والى المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت «حفصة» يطلب ذلك المصحف منه، فبعث ابن عمر به إليه، فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف، فما ذكرناه دال على تفرقهم فيه، واختلافهم فى حاله، وأنه غير متواتر النقل ولا مقطوع بأصله.
والجواب أن المصاحف المشهورة ثلاثة، مصحف ابن مسعود، ومصحف أبى بن كعب، ومصحف زيد بن ثابت فأما ابن مسعود فإنه قرأ القرآن بمكة، وعرضه على الرسول صلى الله عليه وسلم هناك، وأما أبى بن كعب، فإنه قرأه بعد الهجرة وعرضه على الرسول صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت، وأما زيد بن ثابت فإنه قرأه على الرسول صلى الله عليه وسلم بعدهما وكان عرضه على الرسول صلى الله عليه وسلم متأخرا عن الكل، وكان آخر العرض قراءة زيد، وبها كان يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها كان يصلى إلى أن انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى، ومن المعلوم أنه كان يقرأ الآية الواحدة فى الصلاة بالأحرف المختلفة، فلما كان الأمر كما قلناه: اختار المسلمون ما كان آخرا، وكان ذلك اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختيار الله له، فلما كان ابن مسعود أقدم الثلاثة كان السامعون لحرف عبد الله أقل من السامعين لحرف أبى بن كعب، والسامعون لحرف أبى أقل من السامعين لحرف زيد، ولا شك أن الحرف الواحد كلما كان أكثر استفاضة كان أحق بالقبول، فلأجل ذلك اتفقوا على حرف زيد لما ذكرناه، ثم إن سائر الحروف وإن كانت صحيحة، خلا أنهم خافوا من وقوع الاختلاف فى الروايات للقرآن، ويخرج القرآن عن أن يكون منقولا بالتواتر، فرأو بعد ذلك أن الأصوب حمل الناس على ذلك الحرف، ومنعهم عن القراءة بسائر الأحرف لئلا يكون القرآن فى محل الخلاف، ثم إن بعضهم رأى قراءة القرآن بسائر الأحرف وهى القراءات الشاذة، ولا مضرة فيه، ومنهم من منع من ذلك، فلأجل ذلك تكلم بعضهم فى مصحف الآخر، وذلك مما لا