الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَفِي الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْمَذْكُور وصل الشَّيْخ إِلَى دمشق على الْبَرِيد
وَكتب فِي هَذِه الْحَادِثَة كتابا وَصورته هَذَا
صُورَة كتاب
كتبه شيخ الْإِسْلَام عَلامَة الزَّمَان تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رحمه الله وَرَضي عَنهُ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
إِلَى من يصل إِلَيْهِ من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين
سَلام الله عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإنَّا نحمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ للحمد أهل وَهُوَ على كل شَيْء قدير ونسأله أَن يُصَلِّي على صفوته من خليقته وَخيرته من بريته مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عليه وسلم وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فقد صدق الله وعده وَنصر عَبده وأعز جنده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده {ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا} وَالله تَعَالَى يُحَقّق لنا تَمام
فَإِن هَذِه الْفِتْنَة الَّتِي ابْتُلِيَ بهَا الْمُسلمُونَ مَعَ هَذَا الْعَدو الْمُفْسد الْخَارِج عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام قد جرى فِيهَا شَبيه مَا جرى للْمُسلمين مَعَ عدوهم على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمَغَازِي الَّتِي أنزل الله فِيهَا كِتَابه وابتلى بهَا نبيه وَالْمُؤمنِينَ مَا هُوَ أُسْوَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا إِلَى يَوْم القايمة فَإِن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة اللَّذين هما دَعْوَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يتناولان عُمُوم الْخلق بِالْعُمُومِ اللَّفْظِيّ والمعنوي أَو بِالْعُمُومِ الْمَعْنَوِيّ وعهود الله فِي كِتَابه وَسنة رَسُوله تنَال آخر هَذِه الآمة كَمَا نَالَتْ أَولهَا وَإِنَّمَا قصّ الله علينا قصَص من قبلنَا من الْأُمَم لتَكون عِبْرَة لنا فنشبه حَالنَا بحالهم ونقيس أَوَاخِر الْأُمَم بأوائلها فَيكون لِلْمُؤمنِ من الْمُتَأَخِّرين شبه بِمَا كَانَ لِلْمُؤمنِ من الْمُتَقَدِّمين وَيكون للْكَافِرِ وَالْمُنَافِق من الْمُتَأَخِّرين شبه بِمَا كَانَ
للْكَافِرِ وَالْمُنَافِق من الْمُتَقَدِّمين كَمَا قَالَ تَعَالَى لما قصّ قصَّة يُوسُف مفصلة وأجمل ذكر قصَص الْأَنْبِيَاء ثمَّ قَالَ {لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى} أَي هَذِه الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب لَيست بِمَنْزِلَة مَا يفترى من الْقَصَص المكذوبة كنحو مَا يذكر فِي الحروب وَفِي السّير المكذوبة
وَقَالَ تَعَالَى لما ذكر قصَّة فِرْعَوْن {فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى}
وَقَالَ فِي سيرة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مَعَ أعدائه ببدر وَغَيرهَا {قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين التقتا فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله وَأُخْرَى كَافِرَة يرونهم مثليهم رَأْي الْعين وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار}
وَقَالَ تَعَالَى فِي محاصرته لبني النَّضِير {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر مَا ظننتم أَن يخرجُوا وظنوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار}
فَأمرنَا أَن نعتبر بأحوال الْمُتَقَدِّمين علينا من هَذِه الْأمة وَمِمَّنْ قبلهَا من الْأُمَم
وَذكر فِي غير مَوضِع أَن سنته فِي ذَلِك سنة مطردَة وعادته مستمرة
وَقَالَ تَعَالَى {وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا}
وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن دأب الْكَافرين من الْمُسْتَأْخِرِينَ كدأب
الْكَافرين من الْمُسْتَقْدِمِينَ
فَيَنْبَغِي للعقلاء أَن يعتبروا بِسنة الله وأيامه فِي عباده ودأب الْأُمَم وعاداتهم لَا سِيمَا فِي مثل هَذِه الْحَادِثَة الْعَظِيمَة الَّتِي طبق الغافقين خَيرهَا واستطار فِي جَمِيع ديار الْإِسْلَام شررها وأطلع فِيهَا النِّفَاق نَاصِيَة رَأسه وكشر فِيهَا الْكفْر عَن أنيابه وأضراسه وَكَاد فِيهِ عَمُود الْكتاب أَن يجتث ويخترم وحبل الْإِيمَان أَن يَنْقَطِع ويصطلم وعقر دَار الْمُؤمنِينَ أَن يحل بهَا الْبَوَار وَأَن يَزُول هَذَا الدّين باستيلاء الفجرة التتار وَظن المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض أَن مَا وعدهم الله وَرَسُوله إِلَّا غرُورًا وَأَن لن يَنْقَلِب حزب الله وَرَسُوله إِلَى أَهْليهمْ أبدا وزين ذَلِك فِي قُلُوبهم وظنوا ظن السوء وَكَانُوا قوما بورا وَنزلت فتْنَة تركت الْحَلِيم فِيهَا حيران وأنزلت الرجل الصاحي منزلَة السَّكْرَان وَتركت الرجل اللبيب لِكَثْرَة الوسواس لَيْسَ بالنائم وَلَا الْيَقظَان وتناكرت فِيهَا قُلُوب المعارف والإخوان حَتَّى بَقِي للرجل بِنَفسِهِ شغل عَن أَن يغيث اللهفان وميز الله فِيهَا أهل البصائر والايقان من الَّذين فِي قُلُوبهم مرض أَو نفاق وَضعف إِيمَان وَرفع بهَا أَقْوَامًا إِلَى الدَّرَجَات
الْعَالِيَة كَمَا خفض بهَا أَقْوَامًا إِلَى الْمنَازل الهاوية وَكفر بهَا عَن آخَرين أَعْمَالهم الْخَاطِئَة وَحدث من أَنْوَاع الْبلوى مَا جعلهَا قِيَامَة مختصرة من الْقِيَامَة الْكُبْرَى
فَإِن النَّاس تفَرقُوا فِيهَا مَا بَين شقي وَسَعِيد كَمَا يتفرقون كَذَلِك فِي الْيَوْم الْمَوْعُود وفر الرجل فِيهَا من اخيه وَأمه وَأَبِيهِ إِذْ كَانَ لكل امرىءمنهم شَأْن يُغْنِيه وَكَانَ من النَّاس من أقْصَى همته النجَاة بِنَفسِهِ لَا يلوي على مَاله وَلَا وَلَده وَلَا عرسه كَمَا أَن مِنْهُم من فِيهِ قُوَّة على تَخْلِيص الْأَهْل وَالْمَال وَآخر فِيهِ زِيَادَة مَعُونَة لمن هُوَ مِنْهُ ببال وَآخر مَنْزِلَته منزلَة الشَّفِيع المطاع وهم دَرَجَات عِنْد الله فِي الْمَنْفَعَة والدفاع وَلم تَنْفَع الْمَنْفَعَة الْخَالِصَة من الشكوى إِلَّا الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَالْبر وَالتَّقوى وبليت فِيهَا السرائر وَظَهَرت الخبايا الَّتِي كَانَت تكتمها الضمائر وَتبين أَن البهرج من الْأَقْوَال والأعمال يخون صَاحبه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ فِي الْمَآل وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السَّبِيل كَمَا حمد ربه من صدق فِي إيمَانه فَاتخذ مَعَ الرَّسُول سَبِيلا وَبَان صدق مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار النَّبَوِيَّة من الْأَخْبَار بِمَا يكون وواطأتها قُلُوب الَّذين هم فِي هَذِه الْأمة محدثون كَمَا تواطأت عَلَيْهِ الْمُبَشِّرَات الَّتِي
أريها الْمُؤْمِنُونَ وَتبين فِيهَا الطَّائِفَة المنصورة الظَّاهِرَة على الدّين الَّذين لَا يضرهم من خالفهم وَلَا من خذلهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
حَيْثُ تحزب النَّاس ثَلَاثَة أحزاب حزب مُجْتَهد فِي نصر الدّين وَآخر خاذل لَهُ وَآخر خَارج عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام
وانقسم النَّاس مَا بَين مأجور ومعذور وَآخر قد غره بِاللَّه الْغرُور وَكَانَ هَذَا الامتحان تمييزا من الله وتقسيما ليجزي الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما
وَوجه الِاعْتِبَار فِي هَذِه الْحَادِثَة الْعَظِيمَة أَن الله بعث مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَشرع لَهُ الْجِهَاد إِبَاحَة لَهُ أَولا ثمَّ إِيجَابا لَهُ ثَانِيًا لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَصَارَ لَهُ فِيهَا أنصار ينْصرُونَ الله وَرَسُوله فغزا بِنَفسِهِ صلى الله عليه وسلم مُدَّة مقَامه بدار الْهِجْرَة وَهُوَ نَحْو عشر سِنِين بضعا وَعشْرين غَزْوَة أَولهَا بدر وَآخِرهَا تَبُوك أنزل الله فِي أول مغازيه سُورَة الْأَنْفَال وَفِي آخرهَا سُورَة بَرَاءَة وَجمع بَينهمَا فِي الْمُصحف لتشابه أول الْأَمر وَآخره كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان لما سُئِلَ عَن الْقرَان بَين السورتين من غير فصل بالبسملة
وَكَانَ الْقِتَال مِنْهَا فِي تسع غزوات
فَأول غزوات الْقِتَال بدر وَآخِرهَا حنين والطائف وَأنزل الله فِيهَا مَلَائكَته كَمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن وَلِهَذَا صَار النَّاس يجمعُونَ بَينهمَا فِي القَوْل وَإِن تبَاعد مَا بَين الغزوتين مَكَانا وزمانا
فَإِن بَدْرًا كَانَت فِي رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة مَا بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة شَامي مَكَّة وغزوة حنين فِي آخر شَوَّال من السّنة الثَّامِنَة وحنين وَاد قريب من الطَّائِف شَرْقي مَكَّة
ثمَّ قسم النَّبِي صلى الله عليه وسلم غنائمها بالجعرانة وَاعْتمر عمْرَة الْجِعِرَّانَة
ثمَّ حاصر الطَّائِف فَلم يقاتله أهل الطَّائِف زحفا وصفوفا وَإِنَّمَا قَاتلُوهُ من وَرَاء جِدَار
فآخر غَزْوَة كَانَ فِيهَا الْقِتَال زحفا واصطفافا هِيَ غَزْوَة حنين
وَكَانَت غَزْوَة بدر أول غَزْوَة ظهر فِيهَا الْمُسلمُونَ على صَنَادِيد الْكفَّار وَقتل الله وَأسر رؤوسهم مَعَ قلَّة الْمُسلمين وضعفهم فَإِنَّهُم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر لَيْسَ مَعَهم إِلَّا فرسَان وَكَانَ يعتقب الِاثْنَان وَالثَّلَاثَة على الْبَعِير الْوَاحِد وَكَانَ عدوهم بقدرهم أَكثر من ثَلَاث مَرَّات فِي قُوَّة وعدة وهيأة وخيلاء
فَلَمَّا كَانَ من الْعَام الْمقبل غزا الْكفَّار الْمَدِينَة وفيهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه فَخرج إِلَيْهِم النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه فِي نَحْو من ربع الْكفَّار وَتركُوا عِيَالهمْ بِالْمَدِينَةِ لم ينقلوهم إِلَى مَوضِع آخر وَكَانَت أَولا الكرة للْمُسلمين عَلَيْهِم ثمَّ صَارَت للْكفَّار فَانْهَزَمَ عَامَّة عَسْكَر الْمُسلمين إِلَّا نَفرا قَلِيلا حول النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهُم من قتل وَمِنْهُم من جرح وحرصوا على قتل النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى كسروا رباعيته وشجوا جَبينه وهشموا الْبَيْضَة على رَأسه وَأنزل الله فِيهَا نَحوا من شطر سُورَة أل عمرَان من قَوْله {وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوئ الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ}
قَالَ فِيهَا {إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم} وَقَالَ فِيهَا {وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ} وَقَالَ فِيهَا {أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم إِن الله على كل شَيْء قدير}
وَكَانَ الشَّيْطَان قد نفق فِي النَّاس أَن مُحَمَّدًا قد قتل فَمنهمْ من تزلزل لذَلِك فهرب وَمِنْهُم من ثَبت فقاتل فَقَالَ الله تَعَالَى {وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ}
وَكَانَ هَذَا مثل حَال الْمُسلمين لما انكسروا فِي الْعَام الْمَاضِي
وَكَانَت هزيمَة الْمُسلمين فِي الْعَام الْمَاضِي بذنوب ظَاهِرَة وخطايا وَاضِحَة من فَسَاد النيات وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش والإعراض عَن حكم الْكتاب وَالسّنة وَعَن الْمُحَافظَة على فَرَائض الله وَالْبَغي على كثير من الْمُسلمين الَّذين بِأَرْض الجزيرة وَالروم
وَكَانَ عدوهم فِي أول الْأَمر رَاضِيا مِنْهُم بالموادعة والمسالمة شَارِعا فِي الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَكَانَ مبتدئا فِي الْإِيمَان والأمان وَكَانُوا هم قد أَعرضُوا عَن كثير من أَحْكَام الْإِيمَان
فَكَانَ من حِكْمَة الله وَرَحمته بِالْمُؤْمِنِينَ أَن ابْتَلَاهُم بِمَا ابْتَلَاهُم بِهِ ليمحص الله الَّذين آمنُوا وينيبوا إِلَى رَبهم وليظهر من عدوهم مَا ظهر مِنْهُ من الْبَغي وَالْمَكْر والنكث وَالْخُرُوج عَن شرائع الْإِسْلَام فَيقوم بهم مَا يستوجبون بِهِ النَّصْر وبعدوهم مَا يسْتَوْجب بِهِ الانتقام
فقد كَانَ فِي نفوس كثير من مقاتلة الْمُسلمين ورعيتهم من الشَّرّ
الْكَبِير مَا لَو يقْتَرن بِهِ ظفر بعدوهم الَّذِي هُوَ على الْحَال الْمَذْكُورَة لأوجب لَهُم ذَلِك من فَسَاد الدّين وَالدُّنْيَا مَالا يُوصف
كَمَا أَن نصر الله الْمُسلمين يَوْم بدر كَانَ رَحْمَة ونعمة وهزيمتهم يَوْم أحد كَانَ نعْمَة وَرَحْمَة على الْمُؤمنِينَ
فَإِن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء فَشكر الله كَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء فَصَبر كَانَ خيرا لَهُ
فَلَمَّا كَانَت حَادِثَة الْمُسلمين عَام أول شَبيهَة بِأحد وَكَانَ بعد أحد بِأَكْثَرَ من سنة وَقيل بِسنتَيْنِ قد ابْتُلِيَ الْمُسلمُونَ بغزوة الخَنْدَق كَذَلِك فِي هَذَا الْعَام ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ بعدوهم كنحو مَا ابْتُلِيَ الْمُسلمُونَ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَام الخَنْدَق وَهِي غَزْوَة الْأَحْزَاب الَّتِي أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَهِي سُورَة تَضَمَّنت ذكر هَذِه الْغُزَاة الَّتِي نصر الله فِيهَا عَبده صلى الله عليه وسلم وأعز فِيهَا جنده الْمُؤمنِينَ وَهزمَ الْأَحْزَاب الَّذين تحزبوا عَلَيْهِ وَحده بِغَيْر قتال بل بثبات الْمُؤمنِينَ بلقاء
عدوهم
ذكر فِيهَا خَصَائِص رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقه وحرمته وَحُرْمَة أهل بَيته لما كَانَ هُوَ الْقلب الَّذِي نَصره الله فِيهَا بِغَيْر قتال كَمَا كَانَ ذَلِك فِي غزوتنا هَذِه سَوَاء وَظهر فِيهَا سر تأييد الدّين كَمَا ظهر فِي غَزْوَة الخَنْدَق وانقسم النَّاس فِيهَا كانقسامهم عَام الخَنْدَق
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى مُنْذُ بعث مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأعزه بِالْهِجْرَةِ والنصرة صَار النَّاس ثَلَاثَة أَقسَام
قسما مُؤمنين وهم الَّذين آمنُوا بِهِ ظَاهرا وَبَاطنا
وقسما كفَّارًا وهم الَّذين أظهرُوا الْكفْر بِهِ
وقسما منافقين وهم الَّذين آمنُوا ظَاهرا لَا بَاطِنا
وَلِهَذَا افْتتح سُورَة الْبَقَرَة بِأَرْبَع آيَات فِي صفة الْمُؤمنِينَ وآيتين فِي صفة الْكَافرين وَثَلَاث عشر آيَة فِي صفة الْمُنَافِقين
وكل وَاحِد من الْإِيمَان وَالْكفْر والنفاق لَهُ دعائم وَشعب كَمَا دلّت عَلَيْهِ دَلَائِل الْكتاب وَالسّنة وكما فسره أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أبي طَالب رضي الله عنه فِي الحَدِيث الْمَأْثُور عَنهُ فِي الْإِيمَان ودعائمه وشعبه
فَمن النِّفَاق مَا هُوَ أكبر يكون صَاحبه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار كنفاق عبد الله بن أبي وَغَيره بِأَن يظْهر تَكْذِيب الرَّسُول أَو
جحود بعض مَا جَاءَ بِهِ أَو بغضه أَو عدم اعْتِقَاد وجوب اتِّبَاعه أَو المسرة بانخفاض دينه أَو المساءة بِظُهُور دينه وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يكون صَاحبه إِلَّا عدوا لله وَرَسُوله
وَهَذَا الْقدر كَانَ مَوْجُودا فِي زمن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا زَالَ بعده بل هُوَ بعده أَكثر مِنْهُ على عَهده لكَون مُوجبَات الْإِيمَان على عَهده أقوى فَإِذا كَانَت مَعَ قوتها كَانَ النِّفَاق مَوْجُودا فوجوده فِيمَا دون ذَلِك أولى
وكما أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يعلم بعض الْمُنَافِقين وَلَا يعلم بَعضهم كَمَا بَينه قَوْله {وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ} كَذَلِك خلفاؤه بعده وورثته قد يعلمُونَ بعض الْمُنَافِقين وَلَا يعلمُونَ بَعضهم
وَفِي المنتسبين إِلَى الْإِسْلَام من عَامَّة الطوائف مُنَافِقُونَ كَثِيرُونَ فِي الْخَاصَّة والعامة ويسمون الزَّنَادِقَة
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول تَوْبَتهمْ فِي الظَّاهِر لكَون ذَلِك لَا يعلم إِذْ هم دَائِما يظهرون الْإِسْلَام
وَهَؤُلَاء يكثرون فِي المتفلسفة مِمَّن المنجمين وَنَحْوهم ثمَّ فِي الْأَطِبَّاء ثمَّ فِي الْكتاب أقل من ذَلِك
ويوجدون فِي المتصوفة والمتفقهة وَفِي الْمُقَاتلَة والأمراء وَفِي الْعَامَّة أَيْضا
وَلَكِن يوجدون كثيرا فِي نحل اهل الْبدع لَا سِيمَا الرافضة ففيهم من الزَّنَادِقَة وَالْمُنَافِقِينَ مَا لَيْسَ فِي أحد من اهل النَّحْل وَلِهَذَا كَانَت الخرمية والباطنية والقرامطة والإسماعيلية والنصيرية وَنَحْوهم من الْمُنَافِقين الزَّنَادِقَة منتسبة إِلَى الرافضة
وَهَؤُلَاء المُنَافِقُونَ فِي هَذِه الْأَوْقَات لكثير مِنْهُم ميل إِلَى دولة هَؤُلَاءِ التتار لكَوْنهم لَا يلزمونهم شَرِيعَة الْإِسْلَام بل يتركونهم وَمَا هم عَلَيْهِ
وَبَعْضهمْ إِنَّمَا ينفرون عَن التتار لفساد سيرتهم فِي الدُّنْيَا واستيلائهم على الْأَمْوَال واجترائهم على الدِّمَاء والسبي لَا لأجل الدّين
فَهَذَا ضرب النِّفَاق الْأَكْبَر
وَأما النِّفَاق الْأَصْغَر فَهُوَ النِّفَاق فِي الْأَعْمَال وَنَحْوهَا مثل أَن يكذب إِذا حدث ويخلف إِذا وعد ويخون إِذا ائْتمن أَو يفجر إِذا خَاصم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ آيَة الْمُنَافِق
ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة وَإِن صلى وَصَامَ وَزعم أَنه مُسلم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خصْلَة من النِّفَاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا خَاصم فجر
وَمن هَذَا الْبَاب الْإِعْرَاض عَن الْجِهَاد فَإِنَّهُ من خِصَال الْمُنَافِقين قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة من نفاق رَوَاهُ مُسلم
وَقد أنزل الله سُورَة بَرَاءَة الَّتِي تسمى الفاضحة لِأَنَّهَا فضحت الْمُنَافِقين أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ هِيَ الفاضحة مَا زَالَت تنزل (وَمِنْهُم وَمِنْهُم) حَتَّى ظنُّوا أَن لَا يبْقى أحد إِلَّا ذكر فِيهَا
وَعَن الْمِقْدَاد بن الْأسود قَالَ هِيَ سُورَة البحوث لِأَنَّهَا بحثت عَن سرائر الْمُنَافِقين
وَعَن قَتَادَة قَالَ هِيَ المثيرة لِأَنَّهَا أثارت مخازي الْمُنَافِقين
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ هِيَ المبعثرة والبعثرة والإثارة متقاربان
وَعَن ابْن عمر انها المقشقشة لِأَنَّهَا تبرىء من مرض النِّفَاق يُقَال تقشقش الْمَرِيض إِذا برأَ
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَكَانَ يُقَال لسورتي الْإِخْلَاص المقشقشتان لِأَنَّهُمَا يبرئان من النِّفَاق
وَهَذِه السُّورَة نزلت فِي آخر مغازي النَّبِي صلى الله عليه وسلم غَزْوَة تَبُوك عَام تسع من الْهِجْرَة وَقد عز الْإِسْلَام وَظهر فكشف الله فِيهَا أَحْوَال الْمُنَافِقين ووصفهم فِيهَا بالجبن وَترك الْجِهَاد ووصفهم بالبخل عَن النَّفَقَة فِي سَبِيل الله وَالشح على المَال وَهَذَانِ داءان عظيمان الْجُبْن وَالْبخل
قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم شَرّ مَا فِي الْمَرْء شح هَالِع وَجبن خَالع حَدِيث صَحِيح وَلِهَذَا قد يكونَانِ من الْكَبَائِر الْمُوجبَة للنار كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله {وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة} وَقَالَ تَعَالَى {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير}
وَأما وَصفهم بالجبن والفزع فَقَالَ تَعَالَى {ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون}
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم وَإِن حلفوا أَنهم من الْمُؤمنِينَ فَمَا هم مِنْهُم وَلَكِن يفزعون من الْعَدو فَلَو يَجدونَ ملْجأ يلجأون إِلَيْهِ من المعاقل والحصون الَّتِي يفر إِلَيْهَا من يتْرك الْجِهَاد أَو مغارات وَهِي جمع مغارة ومغارات سميت بذلك لِأَن الدَّاخِل يغور فِيهَا أَي يسْتَتر كَمَا يغور المَاء
أَو مدخلًا وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّف الدُّخُول إِلَيْهِ إِمَّا لضيق بَابه أَو لغير ذَلِك أَي مَكَانا يدْخلُونَ إِلَيْهِ وَلَو كَانَ الدُّخُول بكلفة ومشقة لولوا عَن الْجِهَاد إِلَيْهِ وهم يجحمون أَي يسرعون إسارعا لَا يردهم شَيْء كالفرس الجموح الَّذِي إِذا حمل لَا يردهُ اللجام
وَهَذَا وصف منطبق على أَقوام كثيرين فِي حادثتنا وَفِيمَا قبلهَا من الْحَوَادِث وَبعدهَا
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة وَذكر فِيهَا الْقِتَال رَأَيْت الَّذين فِي قُلُوبهم مرض ينظرُونَ إِلَيْك نظر المغشي عَلَيْهِ من الْمَوْت فَأولى لَهُم} أَي فبعدا لَهُم {طَاعَة وَقَول مَعْرُوف فَإِذا عزم الْأَمر فَلَو صدقُوا الله لَكَانَ خيرا لَهُم} وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون} فحصر الْمُؤمنِينَ فِيمَن آمن وجاهد
فَهَذَا إِخْبَار من الله بِأَن الْمُؤمن لَا يسْتَأْذن الرَّسُول فِي ترك الْجِهَاد
وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنهُ الَّذِي لَا يُؤمن فَكيف بالتارك من غير اسْتِئْذَان
وَمن تدبر الْقُرْآن وجد نَظَائِر هَذَا متضافرة على هذاالمعنى
وَقَالَ فِي وَصفهم بالشح {وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا وهم كَارِهُون}
فَهَذِهِ حَال من أنْفق كَارِهًا فَكيف بِمن ترك النَّفَقَة رَأْسا
فانتظمت هَذِه الْآيَة حَال من أَخذ المَال بِغَيْر حَقه أَو مَنعه عَن مُسْتَحقّه من جَمِيع النَّاس فَإِن الْأَحْبَار هم الْعلمَاء والرهبان هم الْعباد
وَقد أخبر أَن كثيرا مِنْهُم يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون أَي يعرضون وَيمْنَعُونَ
يُقَال صد عَن الْحق صدودا وَصد غَيره
وَهَذَا ينْدَرج فِيهِ مَا يُؤْكَل بِالْبَاطِلِ من وقف أَو عَطِيَّة على الدّين كَالصَّلَاةِ وَالنُّذُور الَّتِي تنذر لأهل الدّين وَمن الْأَمْوَال الْمُشْتَركَة كأموال بَيت المَال وَنَحْو ذَلِك
فَهَذَا فِيمَن يَأْكُل المَال بِالْبَاطِلِ بِشُبْهَة دين
ثمَّ قَالَ {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله} فَهَذَا ينْدَرج فِيهِ من كنز المَال عَن النَّفَقَة الْوَاجِبَة فِي سَبِيل الله وَالْجهَاد أَحَق الْأَعْمَال باسم سَبِيل الله سَوَاء كَانَ ملكا أَو مقدما أَو غَنِيا أَو غير ذَلِك