الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أثر الظروف والعوامل الجغرافية في توزيع السكان
مدخل
…
أ- أثر الظروف والعوامل الجغرافية في توزيع السكان
إن توزيع السكان على سطح الأرض ليس بالظاهرة البسيطة ولا بالسهلة في طبيعتها وأسبابها، كما أنه لا يمكن ربطها بظاهرة طبيعية واحدة؛ لأنها في الحقيقة نتاج ظروف طبيعية وبشرية متعددة. ولكي ندرك مدى تأثير عناصر هذه الظروف لا بد من أن نربط بين كل عامل وبين توزيع السكان، ويمكن تقسيم الظروف المؤثرة في توزيع السكان إلى مجموعتين:
1-
ظروف طبيعية: وهي دائمة التأثير، تأثر بها الإنسان إلى حد كبير ويؤثر فيها بقدر محدود. مثل المناخ، والتضاريس، والنباتات الطبيعية. والموارد المعدنية.
2-
عوامل بشرية: وهي من صنع الإنسان يتحكم فيها ويتأثر بها، مثل: الحرفة، والمواصلات، والحروب، والمشكلات السياسية. وفيما يلي مناقشة لعناصر كل مجموعة من هاتين المجموعتين:
أ-
الظروف الطبيعية
المناخ:
يؤثر المناخ تأثيرا كبيرا في توزيع السكان، فضلا عن تأثيره المباشر في الغطاء النباتي وتوزيع الحيوانات، وهناك من الباحثين من رأى أن المناخ هو الذى صاغ حضارات الشعوب وقاد الهجرات البشرية وحدد ملامح طاقات الشعوب وشخصيتها.1 ويمكن تقسيم المناخ من حيث أثره في توزيع السكان إلى ما يلي:
1 Huntington، E "1951"، Principles of Human Geog. London، pp. 399-345
- مناخات غير مناسبة للإنسان: مثل المناطق الشديدة البرودة، والمناطق شديدة الجفاف. وتتميز هذه المناطق بندرة أو انعدام السكان.
- مناخات مناسبة للإنسان: وهي التي تسمح بتجمعات ضخمة من السكان كما هي الحال في المناطق المعتدلة والموسمية.
ويمكن أن نناقش أثر المناخ عن طريق مناقشة عناصره على النحو التالى:
الحرارة:
لا تشجع البرودة استيطان نحو ربع مساحة يابس الكرة الأرضية، وتتمثل المناطق التي يقل السكان فيها بسبب شدة البرودة في شمال أمريكا الشمالية، شمال أوراسيا، والقارة المتجمدة الجنوبية "أنتاركتكا"، ومن المعروف أن نسبة عدد سكان المناطق الباردة التي تقع إلى الشمال من دائرة عرض 60 ْشمالا ومنها: ألاسكا، وشمالي كندا، وغرينلند، وشمال سكنديناوه، تقل عن نصف بالمائة من سكان العالم، ويعتبر المناخ القطبي أحد المناخات المنفرة للإنسان؛ وذلك لانخفاض درجة الحرارة انحفاضا شديدا يجعل الجسم في احتياج متواصل إلي الدفء عن طريق التغذية والملابس والحركة والطاقة، بالإضافة إلى ما تحدثه أشعة الشمس المائلة من تأثير ضار على جسم الإنسان وعينيه أثناء الانقلاب الصيفي أو النهار الطويل في المناطق القطبية، وزد على ذلك بأن المناخ القطبي لا يساعد على إنتاج المواد الغذائية اللازمة للإنسان.1
1 يجب أن لا نتصور أن البيئة القطبية عديمة الإنتاج خالية من السكان تماما. في الحقيقة هناك جماعات من الصيادين والرعاة مثل الإسكيمو الذين يعيشون على صيد عجل البحر يعتمدون عليه كطعام، ويصيدون الثعلب القطبي للاستفادة من فرائه. ويعتمد الإسكيمو خاصة في نقلهم في المناطق القطبية على الزلاقات التي تجرها كلاب من نوع خاص.
المطر:
يحول الجفاف الناشئ عن قلة المطر دون استغلال ما يقرب من ثلث مساحة يابس الكرة الأرضية، وتصل الكثافة في بعض المناطق إلي شخص واحد لكل عشرة كيلو مترات مربعة كما هي الحال في الصحراء الليبيية، ولا يسكن المناطق الجافة إلا نحو 4% من مجموع سكان العالم على الرغم من أن نسبة مساحة هذه المناطق تصل إلى 30 % من مساحة اليابس.
ومما تجدر الإشارة إليه في دراسة تأثير المناخ في توزيع السكان ما يأتي:
- لا تحتم المناخات المتشابهة توزيعا متشابها للسكان، بل تتباين المناطق المتشابهة في ظروفها المناخية من حيث كم السكان وكيفه ويتضح ذلك من مقارنة أوروبا حيث يعيش أكثر من 720 مليونا بنفس المناطق المماثلة في الولايات المتحدة، ويتضح ذلك أيضا إذا ما قارنا المناطق الاستوائية في كل من أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا حيث يزيد السكان بمنطقة جنوب شرق آسيا التي تعد من المناطق المكتظة بالسكان.
- تجذب المناطق المعتدلة المناخ جماعات بشرية تنتمي إلى كل العناصر والسلالات البشرية، فلقد تأقلمت العناصر السوداء والصفراء بسهولة في هذه المناطق، أما المناطق الاستوائية والحارة فحتى الآن لم تستطع العناصر البيضاء أن تتأقلم فيها وخصوصًا العناصر الوافدة من شمال أوروبا.
- وللمناخ آثار غير مباشرة في النشاط الاقتصادي للسكان وبالتالي في توزيعهم، وعلى الرغم من أن المناخ لا يحتم على الإنسان نوعا معينا من النشاط البشري إلا أنه عامل تحديد وضبط أكثر منه عامل إجبار، فقد يقل
المطر فيسبب نقصًا في المحصولات الغذائية، وبالتالي تحدث المجاعات ويقل عدد السكان نتيجة لعدم وفاء البيئة بمطالب الإنسان الغذائية.
وكذلك ترتبط بعض الأمراض بنطاقات معينة من المناخ مثل مرضى النوم والحمى الصفراء، وذلك في المناطق الاستوائية، ولهذه الأمراض تأثيرها في السكان.
التضاريس:
إن أي مكان على سطح الكرة الأرضية يكون ارتفاعه إما في مستوى سطح البحر أو أعلى من ذلك أو أقل، وهذه الأماكن بارتفاعاتها المختلفة تجعل من سطح الأرض رقعة متضرسة تبدو على هيئة جبال وسهول وهضاب وأودية ومنخفضات وغيرها، ويقصد بالتضاريس الاختلاف في مناسيب الارتفاع عن سطح البحر، إذ إن كل منطقة على سطح الأرض تبعد عن مركز الأرض بمقدار معين، والاختلاف في البعد عن مركز الأرض يؤدي إلى التباين في التضاريس.
ولو أن سطح الأرض كان مستويًا، أي على بعد متساوٍ، من مركزها في جميع أجزائه، لاختفت التضاريس وأصبحت الكرة الأرضية كرة مائية يغلفها الماء بسمك لا يقل عن 2.4 كم، وأهم ما نلاحظه على ارتباط توزيع السكان بالتضاريس ما يلي:
أ- يسكن الإنسان يابس سطح الأرض.
ب- لا تشجع الجبال على الاستقرار إذا كانت شديدة الوعورة أو ذات منحدرات وخوانق عميقة؛ لأن ذلك يؤدي إلى صعوبة الحركة ويساعد على انجراف التربة وانهيارها، كما يؤدي الارتفاع كذلك إلى
انخفاض درجة الحرارة وإلى الإحساس بالبرد القارص، وللارتفاع تأثيره المهم فيما يتعلق بانخفاض نسبة الأوكسجين وانخفاض الضغط الجوي مما يؤدي إلى سرعة الإرهاق حينما يبذل الإنسان مجهودا بسيطا.1 ويؤدي الارتفاع إلى أكثر من 30 ألف قدم إلى الوفاة.
وقد أثبتت دراسات كثيرة أن أعداد السكان وكثافتهم تتناقص كلما ارتفعنا عن سطح البحر بسبب الصعوبات الناتجة والمرتبطة بذلك، ويقدر أن أكثر من 56% من سكان العالم يعيشون على ارتفاع لا يزيد على 200 متر فوق سطح البحر، وجدير بالذكر أن نسبة هذه الأرض أقل من 28% من مساحة اليابس.2
ولكي نتعرف على تأثير المرتفعات في توزيع السكان يحسن المقارنة بين أجزاء الولايات المتحدة الأمريكية السهلية الشرقية والجبلية الغربية في العروض المتشابهة، ويتضح لنا من هذه المقارنة أن 90% من السكان يعيشون في المناطق الشرقية ويقل السكان بدرجة ملحوظة في المناطق الجبلية الغربية حيث تمتد جبال روكي وكاسكيد.
1 يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن سكان الجبال الذين يعيشون على ارتفاعات شاهقة يتمتعون بصفات جسمانية تميزهم عن غيرهم من سكان المناطق الأخرى، إذ إن صدور هؤلاء تبدو كبيرة وذلك لكبر حجم الرئتين عند كل منهم، مما يمكّن الإنسان من استيعاب أكبر كمية ممكنة من الهواء لكي يستخلص منها كمية كافية من الأوكسجين لجسمه. ولقد أشار كثير من الكتاب الذي زاروا جبال الأنديز إلى هذه الظاهرة، ومن الملاحظ كثيرًا أن الحيوانات مثل البغال والخيول والحمير تموت إذا وجدت في مناطق جبلية يزيد ارتفاعها على أحد عشر ألف قدم "3350م". في حين أن هناك حيوانات لا تتأثر بمثل أو أكثر من هذا الارتفاع مثل حيوان اللاما والألباكا.
2 فتحي أبو عيانة "1986م" جغرافية السكان، الإسكندرية، ص 105.
ج- ارتبط ظهور الحضارات البشرية القديمة بالمناطق السهلية بسبب سهولة الحركة والاتصال، وتتميز أكثر المناطق المزدحمة بالسكان بأنها أراضٍ سهلية أو شبه سهلية "شكل 71". وفي الحقيقة هناك عوامل أخرى إلى جانب العوامل الطبوغرافية، أدت إلى ازدحام المناطق السهلية مثل خصوبة التربة ووفرة المياه واعتدال الظروف المناخية. ولا نستطيع أن نجزم بأن المناطق السهلية مزدحمة بالسكان دائمًا؛ إذ إن هناك استثناء لهذه القاعدة حيث نجد سهولا فسيحة تتميز بقلة السكان مثل سهول سيبريا، والصحراء الكبرى، وسهول الأمزون. ويرجع ذلك إلى عوائق فاق تأثيرها تأثير الناحية الطبوغرافية مما قلل من الكثافة السكانية.
إن ما نخرج به من دراسة أثر التضاريس في توزيع السكان هو أنها تسهم في شكل توزيع السكان، ومع ذلك فإن تأثيرها ليس ثابتا أو مطردًا، إذ إن الجبال ليست كلها خالية من السكان حيث تلجأ إليها بعض الجماعات المضطهدة من أجل الحماية، كما أن المناطق السهلية ليست بدائمة الازدحام، كما هي الحال في حوض الأمزون والمناطق الصحراوية والشديدة البرودة كما سبقت الإشارة.
شكل "71" توزيع السكان في العالم
النباتات الطبيعية:
النبات الطبيعي نتاج عاملين هما التربة والمناخ وإن اختلفا في درجة التأثير، فمثلا يؤثر المناخ في التربة ذاتها إلى جانب تأثيره بدرجة كبيرة في النبات، ولذلك فإننا نجد تطابقا ملحوظا بين توزيع النبات وتوزيع الأقاليم المناخية.
والنبات تعبير صادق عن الظروف الطبيعية التي تسود أية منطقة، وقلة النبات في منطقة ما قد تعني أمرين: الأول قلة الأمطار، والأمر الثاني انخفاض درجة الحرارة، فقلة النبات ظاهرة واحدة لكنها تعبر في الحقيقة عن ظاهرتين مختلفتين تمامًا.
ونستطيع، بوجه عام، أن نقسم النباتات على سطح الأرض إلى تسعة أقاليم نباتية تندرج تحت ثلاثة أقسام كبرى:
أ- غابات "حارة-معتدلة-باردة"
ب- حشائش "حارة-معتدلة-باردة"
ج- صحارٍ "حارة-معتدلة-باردة"
وتعد الغابات المعتدلة أكثر الأقاليم النباتية جذبا للسكان، وكذلك الغابات الحارة التي أزال الإنسان بعض أشجارها واستغلها في الزراعة، ثم تأتي الحشائش الغنية في الجهات الحارة "السفانا" ويلي السفانا من حيث اجتذاب السكان الاستبس ثم أقاليم الحشائش الفقيرة ثم الغابات الباردة وتليها الحشائش الباردة.
أما المناطق الصحراوية فهي أقل المناطق سكانا بسبب نقص الماء، والماء عنصر ضروري لنمو النبات، والنبات عماد حياة الإنسان والحيوان.
ومن الحقائق الجديرة بالذكر أن ترتيب صلاحية الأقاليم النباتية لحياة الإنسان لا يحتم توزيع السكان بالترتيب الذي ذكرناه. فهناك عوامل أخرى متعددة تلعب دورا مهما في توزيع السكان أيضا، وعلى سبيل المثال كانت صحراء أتاكاما بأمريكا الجنوبية شبه خالية من السكان منذ زمن بعيد، ولكن عدد السكان بدأ في الزيادة فيها خلال القرن التاسع عشر نتيجة لاكتشاف معدنين مهمين بها هما النحاس والنترات.
التربة:
قد تتشابه الظروف المناخية والتضاريسية في منطقة ما ومع ذلك يختلف توزيع السكان اختلافا موضعيا، فالتلال البركانية رغم خطورة السكنى بها تجتذب السكان بسبب خصوبة التربة فيها ووفرة مياهها كما هي الحال في جزر جاوه وصقلية واليابان.
ولا تجتذب المناطق ذات التكوينات الكلسية السكان، ولا سيما تلك التي تتسرب فيها المياه، كما هي الحال في مناطق الكارست التي لا تصلح للسكنى بسبب تسرب الماء إلى أعماق بعيدة. وإذا حاولنا أن نقارن بين توزيع التربة وتوزيع السكان في العالم فإننا سنجد علاقة واضحة بين التوزيعين، فالتربة الصحراوية وتربة التندرا والتربات الحصوية أو الفقيرة تتفق حدودها مع المناطق النادرة السكان، كما تنخفض كثافة السكان في مناطق تربات اللاتريت بصفة عامة، وتربة البودزول التي يرتبط وجودها بإقليم الغابات المخروطية.
الموارد الطبيعية:
يقصد بالموارد الطبيعية المعادن ومصادر الطاقة، وتنقسم آثار الموارد المعدنية إلى آثار مباشرة وآثار غير مباشرة، وتتمثل الآثار المباشرة في
اجتذاب السكان للقيام بعمليات التعدين، والآثار المباشرة محدودة التأثير في توزيع السكان؛ لأن حرفة التعدين لا تتطلب كثيرًا من الأيدي العاملة كما هي الحال في الصناعة، ولذلك فإن الموارد الطبيعية قد توجد عمرانًا في مناطق غير معمورة، ولكنها عمومًا لا تؤدي إلى ارتفاع الكثافة السكانية في مساحة متسعة، كما أن العمران التعديني له طابع مؤقت تحدده كمية الاحتياطي من المعادن الموجودة، وإذا نفد المعدن هجرت هذه المناطق. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مدينتا تعدين الذهب في غرب استراليا كولجاردي وكالجورلي، وفي مصر جمصة والغردقة اللتان نفد بترولهما، أما الآثار غير المباشرة فهي أكثر أهمية من الآثار المباشرة، إذ إن الموارد التعدينية كثيرا ما تجتذب الصناعة، والصناعة تجتذب السكان، والفحم أكثر المعادن التي تجتذب الصناعة وخصوصا صناعة الحديد والصلب؛ لأنها من الصناعات الأساسية التي تجتذب إلى جوارها عديدًا من الصناعات الأخرى، فالفحم هو أساس توطين الصناعة في معظم الدول الصناعية الكبرى في العالم مثل بريطانيا وفرنسا.
ولا يجتذب البترول السكان بالقدر الذي يجتذبهم به الفحم، ويقتصر أثره تقريبًا في اجتذاب السكان على الآثار المباشرة. والبترول قلما يجتذب الصناعة لأسباب عديدة نذكر بعضًا منها: سهولة نقله، استهلاك معظم إنتاجه في النقل والاستخدامات المنزلية، معظم حقوله في مناطق صحراوية لا تغري بالسكن، كما أن كشف البترول جاء متأخرًا بعد أن توطنت الصناعة، إضافة إلى عدم تشجيع الشركات العالمية قيام صناعات بتروكيمائية في مناطق استخراج البترول.