الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وانحطت الهامات طاعة وذلا، وفجأة حل بهم عقاب الله وغرقوا جميعا فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ.
وتأتي العبرة: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ.
ويتجدد المشهد.
قرية بطرت معيشتها .. كذبت الرسل .. وظلمت .. وليس هناك أقسى من الظلم .. ولا بد من الهلاك .. هذا وعد الله .. وهذه هي العبرة .. وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (1).
قصة موسى وفرعون:
والحكمة في القصة في القرآن جاءت في القرآن نفسه واضحة في بداية سورة القصص طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: 1 - 3]، ثم يأتي بعد ذلك البيان، لماذا اختار القرآن قصة فرعون.
والجواب واضح في الآية: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
وفي البداية تلخص الآية الرابعة من سورة القصص القصة كاملة، قال تعالى:
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 4].
وقبل أن تبدأ قصة فرعون وموسى التي جاءت مفصلة في سورة القصص جاءت الآية الخامسة في السورة مبينة الحكمة من القصة والعبرة من الواقعة، وفيها تشجيع للمؤمنين وبشرى للمستضعفين ووعد لهم بالتمكين في الأرض وتحذير وتخويف للمتكبرين والظالمين.
قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
(1) سورة القصص، الآية:58.
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: 5 - 6].
ثم تبتدئ القصة:
- وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ.
- فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ.
- وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي.
- إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
وفي هذه الآية القصة كلها .. إيحاء من الله إلى أم موسى بأن ترضعه، فإذا خافت عليه أمرت بأن تلقيه في اليم، وبشرت في نفس الوقت بأنه سيرد إليها، وأنه سيكون من المرسلين، ولولا تلك البشرى لما استطاعت أن ترميه في اليم، وكيف يمكن لأم أن ترمي وليدها في اليم، وهي تعرف جيدا أنها تلقيه إلى الموت، وبالرغم من البشرى، فقد خافت عليه وحزنت، ومن حقها أن تخاف وتحزن .. فالإنسان محكوم بغرائز وطبائع ومشاعر ..
وامتثلت أم موسى للأمر .. وصدقت البشرى .. والتقطه آل فرعون ..
وتركت القلوب بأمر الله .. وارتفع صوت امرأة فرعون: لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ، ووقفت أم موسى خائفة فزعة تترقب المشهد أمامها .. وتخشى أن يفتضح أمرها، وتتدخل العناية الإلهية إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ..
ويتحقق الوعد الإلهي الأول الذي كان صداه يتردد فوق المكان فيحكم قبضته على الأحداث، وتنصاع القلوب صاغرة لذلك النداء الرباني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ.
وتقف أم موسى فرحة مستبشرة مطمئنة وهي تتسلم ابنها: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ.
وهنا تبرز الحكمة الربانية والتوجيه الإلهي ويتوجه الخطاب إلى «محمد» وإلى أصحابه وإلى كل المؤمنين، لكي يعلموا جيدا أن وعد الله حق والخطاب لأم موسى وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
ولكن المراد بهذا الخطاب كل مؤمن لكي يطمئن إلى وعد الله، فلا يخاف ولا يحزن، والعاقبة للمتقين، وختم القرآن هذه الآية التعليمية والتوجيهية بقوله:
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
وتوقف المشهد الرابع .. انتهى بانتصار الحق، عاد الوليد إلى أمه بعد عاصفة من الأحداث المتتابعة المثيرة، المليئة بالمفاجئات والمواقف، ويتحرك الأبطال في حركة منتظمة دقيقة وكأنهم دمى صغيرة في يد قادرة تحركهم .. في آيات معدودات وكلمات مختارات معبرات، نعيش أحداثا جسيمة كبيرة مثيرة غامضة ..
وعد الله هو المنطلق .. إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ .. وكل شيء بعد ذلك يتحرك لكي يتحقق وعد الله .. وما أروع هذا التصوير لعظمة الأمر الإلهي ولعظمة الكون وهو يتحرك في حركة دقيقة محكمة لتنفيذ أمر الله، ولا يعلم أحد من شخصيات القصة أنه يتحرك بأمر الله، ولما يراد له، ويظن كل واحد أنه يتحرك بإرادته المطلقة فإذا هم يتحركون بإرادة الله، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، وبين الأحداث المتسارعة تبرز الحكمة من خلال كلمات موجزات معبرات إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ.
وتهدأ الأنفاس بعد تسارع، كانت تواكب الأحداث المثيرة بدهشة ورهبة وخوف، وأسدلت الستارة على أم موسى وهي تحتضن طفلها بعد أن عاد إليها وقد قرّت عينها به، وزال عنها الحزن واطمأنت بوعد الله، وآل فرعون وهم فرحون مبتهجون في هذا الولد الذي طمعوا في أن يكون قرة عين لهم عسى أن ينفعهم أو يتخذونه ولدا ..
وفجأة ترتفع الستارة من جديد على شاب قوي الساعد مفتول العضلات
واضح الرجولة ذكي الملامح ذي إرادة واضحة وعزم أكيد.
وتبتدئ الأحداث متتابعة راسمة الملامح لتاريخ هذا الشاب القوي التكوين الذي رأيناه في المشهد الأول طفلا تلقيه أمه في اليم فليلتقطه آل فرعون، ليكون لهم عدوا وحزنا.
وعدان من الله أولهما تحقق في المشهد الأول، وثانيهما تتحرك الأحداث بوتيرة محكمة لكي تحققه وتهيئ الأجواء والنفوس له ..
- إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
…
- وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ..
- وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ.
ويقف موسى موقف الترقب والخوف والرهبة .. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ما أجمل هذا التصوير لحالة الخوف والخائف يترقب دائما، وهذا هو مصدر الخوف، فالترقب هو انتظار مجهول يخيفه، قد يأتي هذا المجهول وقد لا يأتي، وقد يكون الخوف ناتجا من وهم ومع ذلك فإن الترقب هو الذي يجعل الإنسان في حالة خوف .. واشتدت القبضة عليه، وزاد اختناقه عند ما ورد صديق الأمس الذي استنصره يستصرخه، فلما استجاب له صدمه بكلمة أيقظته، أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.
واشتد الخناق عليه .. لا يدري ماذا يفعل ..
وفجأة جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى .. ولسان حاله ينذره بالخطر، ويكفيه أنه جاء من أقصى المدينة مسرعا وكأنه ينقل إلى موسى خبرا مخيفا
…
قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.
وخرج موسى من المدينة وبصره شاخص إلى السماء، وقد أحيط به من كل جانب، وهو يقول: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وأسلم أمره لله، وهنا تبتدئ مرحلة التكوين النفسي للوعد الثاني، حالة الوحشة من البشر، حالة العزوف عنهم، حالة العودة لله والاستسلام لأمره.
ويسدل الستار على موسى وهو يمشي في طريقه إلى مدين، يبحث عن الهداية ويردد: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ.
ومن جديد ترفع الستارة عن مشهد جديد.
- أمة من الناس يسقون .. وامرأتان تذودان أغنامهما عن الماء
…
- قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
فسقى لهما .. وتولى إلى الظل .. وأخذ يدعو ربه:
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.
وفجأة جاءته إحداهما تمشي على استحياء
…
قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وقالت إحداهما:
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ بدأت مرحلة جديدة في حياته، «وعد الله» بأنه سيكون من المرسلين
…
ومن بعيد .. آنس موسى من جانب الطور نارا، فقال لأهله امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
- فَلَمَّا أَتاها
…
- نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى ..
- إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ.
فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب، وأحس موسى بالخوف والهلع، ولا يمكن للبشرية في لحظة الالتقاء بالحقيقة الإلهية ممثلة في مظهر الخروج عن القوانين الطبيعية إلا أن تخاف والخوف هنا أمر حتمي، فالإنسان يخاف من المعجزات ويخاف من الخوارق ويخاف من الغيب، ولهذا جاءت المعجزات في نطاق ضيق لكي يشعر الإنسان بالأمن والاطمئنان، وارتبطت المعجزة وهي العصا في الآية بقوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، لكي تكون المعجزة مؤكدة لكل ما سمعه موسى من نداء، ولولا المعجزة الحسية لكان النداء أقل أثرا في النفس، وهنا تأتي العناية الإلهية .. يتجدد النداء وفيها تأكيد على الأمن، يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ.
ولا بد من معجزة حسية تؤكد الإحساس بالأمن وتعمقه وتغذيه وتقويه وتدعمه، لكي يرتد إليه الشعور بالاطمئنان ولكي يزول عنه الخوف .. وهنا جاء الأمر الإلهي من جديد ..
- اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.
- وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ.
معجزة واضحة لموسى، لكي يطمئن .. يده يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء .. ثم تعود ثانية كما كانت .. هذا برهان من الله، وهي بداية التكليف ..
وخاف موسى .. كيف يمكنه أن يواجه فرعون وملأه .. وارتفع صوته المتهدج الوجل المتهيب.
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ.
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ.
وجاء الجواب مطمئنا وواعدا وضامنا ومتعهدا.
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما