الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع: ترتيب السور والآيات
اختلف العلماء في ترتيب القرآن، وتعددت آراؤهم وتباعدت، وذلك بسبب ما ورد من روايات مأثورة، احتج بها كل فريق على ما ذهب إليه في ترتيب القرآن من حيث هو توقيفي أو اجتهادي.
والأرجح أن الأمر يختلف بين الآيات والسور، والأصل أن كل ما يتعلق بالقرآن من حيث الترتيب لا بد فيه من دليل، لأن من الصعب الاتفاق على أمر اجتهادي، ولا يمكن للاجتهاد أن يتوصل إلى معايير دقيقة للترتيب يقع عليها الإجماع، ولا بد في هذه الحالة من دليل يعتمد عليه، ويحتكم إليه.
وهناك أدلة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر كتاب الوحي بأن يضعوا كل آية في الموطن الذي يحدده لهم، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لجاءت السور متساوية في عدد الآيات، ولما كانت هناك سور طويلة وقصيرة، وكيف يتصور وجود سورة كسورة البقرة إلى جانب سور أخرى قصيرة لا تتجاوز بضع آيات، مما يؤكد وجود أدلة واضحة ثابتة حددت مواطن الآيات والسور، بالطريقة التي جاءت في القرآن.
ويبدو أن العلماء فرقوا بين الآيات والسور من حيث الحكم، لوضوح الأمر بالنسبة ل
ترتيب الآيات
، وتعدد الروايات بالنسبة لترتيب السور.
ترتيب الآيات:
أجمع العلماء على أن ترتيب الآيات توقيفي، لوضوح الأدلة في ذلك، وثبت أن جبريل عليه السلام كان يرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما ينزل عليه بالوحي أن يضع كل آية في موقعها من السورة، ولا تتصور تلاوة القرآن إلا في ظل وضوح ترتيب الآيات ومراعاة هذا الترتيب أثناء الحفظ.
روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني
أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إلى آخرها.
وروى مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال:«تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» .
قال السيوطي في الإتقان:
وقال الزركشي في البرهان (2):
وقال القاضي أبو بكر:
«ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا.
وجاء في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد: قيل لابن مسعود: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال: ذلك منكوس القلب».
وهذه الأدلة واضحة كل الوضوح ومؤكدة كل التأكيد أن ترتيب الآيات توقيفي، ولا مجال للاجتهاد في ذلك، بل لا يتصور الاجتهاد في مجال ترتيب الآيات لوضوح النصوص المؤكدة للتوقيف.
(1) انظر الإتقان، ج 1، ص 172.
(2)
انظر البرهان، ج 1، ص 256.
وجاءت كلمة «الآية» في اللغة دالة على معاني عدة:
الأول: الجماعة: تقول العرب: خرج العرب بآيتهم أي بجماعتهم.
الثاني: للدلالة على التفوق والإعجاب: فلان آية في الجمال. وتفيد معنى الإعجاز كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.
الثالث: العلامة: قال تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي علامة ملكه.
الرابع: العبرة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي عبرة، وجاءت في القرآن الكريم بمعنى البرهان، في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
واستعملت في القرآن دالة على مقاطع مستقلة من السور القرآنية، بحيث تنقسم السورة إلى آيات، كل آية دالة على معنى مستقل، وبفضل هذا التقسيم أصبحت قراءة القرآن ميسرة، ومعانيه واضحة، فضلا عما تمثله كل آية من مظاهر الإعجاز البياني.
وحاول بعض علماء اللغة تعريف معنى الآية، قال بعضهم: هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها، وقال آخرون:
الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه لمعرفة السورة، فالآية طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن (1).
وقال الزمخشري: الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه:
واستشهد بما ذهب إليه العلماء من اعتبار «الم» آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها، وكذلك «المص» و «المر» و «الر» ليست بآية، وليست هناك قاعدة قياسية للحروف الواردة في القرآن، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لكانت المعايير قياسية وموحدة.
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 266.