الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبهذا الاعتبار تعتبر آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ضمن الآيات المدنية مع أنها نزلت بعرفة أثناء حجة الوداع.
الاصطلاح الثالث: يطلق المكي على ما كان خطابا لأهل مكة، والمدني على ما كان خطابا لأهل المدينة، وبناء عليه، فكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الناس» فهو مكي، لأن غالب أهل مكة كانوا كافرين، وكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الذين آمنوا» فهو مدني، لأن غالب أهل المدينة كانوا مؤمنين.
أخرج أبو عبيد في كتابه فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: «ما كان في القرآن يا أيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي، وما كان يا أيها الذين آمنوا فإنه مدني» .
ولا سبيل إلى معرفة المكي والمدني من الآيات إلا عن طريق الصحابة الذين كانوا يتابعون نزول الوحي، ويعرفون تاريخ نزول كل آية، والأسباب المؤدية إلى النزول.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه».
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار:
فوائد التفريق بين المكي والمدني:
اهتم العلماء بدراسة المكي والمدني من الآيات، وتتبعوا أقوال الصحابة في
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ج 1، ص 231.
ذلك، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الصحابة الذين عاصروا وقت النزول، وعايشوا تلك المرحلة الزمنية، واهتمام العلماء بذلك مؤشر واضح على عناية علماء المسلمين بالقرآن، وتوثيق للقرآن، وتتبع لمراحل نزوله، وتحديد لتاريخ كل آية وموطن نزولها.
وهذا التفريق ساعد العلماء على تحقيق ما يلي:
أولا: تحديد خصائص كل من الآيات المكية والمدنية عن طريق الاستقراء والتتبع، من الناحية الموضوعية والأسلوبية.
ثانيا: دراسة مراحل تاريخ الدعوة الإسلامية خلال المرحلتين المكية والمدنية، وتوثيق روايات السيرة النبوية، المرتبطة كل الارتباط بالقرآن والسنة النبوية.
ثالثا: معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحكام، وهذا أمر كبير الأهمية، لأن النسخ وقع في القرآن، ومعرفة المتقدم والمتأخر من الآيات هو السبيل الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ.
رابعا: فهم النصوص القرآنية عن طريق معرفة تاريخ القرآن، والظروف التي أدت إلى نزول الآيات، واستنتاج منهج الدعوة الإسلامية في الخطاب والإقناع.
واستطاع العلماء بعد جهد كبير وتتبع دقيق أن يعرفوا المكي والمدني من الآيات، ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في بعض الآيات، نتيجة تعدد الروايات فيها، إلا أن ذلك الالتباس أمكن التغلب عليه، والآيات المكية معروفة والآيات المدنية كذلك.
وعدّد «الزركشي في البرهان» والسيوطي في الإتقان كلا من السور المكية والسور المدنية، والسور المكية خمس وثمانون والسور المدنية تسع وعشرون، على اختلاف الروايات، ووقع الاختلاف في اثنتي عشرة سورة، ويبدو أن سبب الخلاف هو أن بعض السور نزلت بين مكة والمدينة أو أن بعضها مكي والبعض الآخر مدني، وهو خلاف يدل على جدية الاهتمام بالأمر، ودقة تتبع الروايات الواردة عن الصحابة.
روى أبو بكر ابن الأنباري عن قتادة قال:
نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والرحمن، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي لم تحرم، إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، وسائر القرآن نزل بمكة» (1).
وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه: الناسخ والمنسوخ:
المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ونظم ذلك أبياتا.
وأول ما نزل بمكة من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا أبي لهب وتب، ثم إذا الشمس كوّرت، ثم سبح اسم ربك الأعلى .... وهكذا .....
ووقع خلاف في سورة الفاتحة، وذهب الأكثرون إلى أنها مكية، وورد أنها أول ما نزل، وقال مجاهد: إنها مدنية، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة تشريفا لها .. وقيل أيضا: إنها نزلت نصفين، نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة، والظاهر أنه النصف الثاني، وقال السيوطي في الإتقان: ولا دليل لهذا القول.
وخصص السيوطي في كتابه «الإتقان» فصلا خاصا في ذكر ما استثني من المكي والمدني، ونقل عن ابن حجر في شرح البخاري: قد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكية، قال: وأما عكس ذلك، وهو نزول شيء من سورة بمكة، تأخر نزول تلك السورة إلى المدينة، فلم أره إلا نادرا» (2).
(1) انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 28.
(2)
انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 38.