الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الحارث المحاسبي:
وقال أبو الحسين بن فارس في المسائل الخمس:
جمع القرآن على ضربين:
أحدها: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولته الصحابة.
وأما الجمع الآخر: وهو جمع الآيات في السور فهو توفيقي تولاه النبي صلى الله عليه وسلم (2).
وهذه النصوص واضحة الدلالة على تتابع الجهد وتكامل العمل، في رحلة جمع القرآن، وتوثيقه وتوحيد المصحف، وحسم الخلاف، وجمع كلمة المسلمين على مصحف موحد معتمد موثق لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، معتمدين في ذلك على ما كتبه كتاب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حفظه الصحابة في صدورهم.
ويلاحظ في جمع عثمان للقرآن ما يلي:
أولا: اعتماده الكلي على مصحف أبي بكر الذي كان محفوظا لدى السيدة حفصة، ومصحف أبي بكر أعدته لجنة مختصة من حفاظ القرآن، ووقع الإجماع عليه، ولو وقع أي خلاف بين المصحفين لما ارتضاه المسلمون.
(1) انظر الإتقان، ج 1، ص 171 - 172.
(2)
انظر البرهان للزركشي، ج 1، ص 237.
ثانيا: كلف عثمان لجنة رباعية أحد أفرادها زيد بن ثابت الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر.
ثالثا: هناك إشارة إلى أن جمع عثمان للقرآن كان يستهدف كتابة القرآن ورسم القرآن وتوحيد القراءة، «فاكتبوه بلسان قريش» وهذا دليل على أن أي خلاف لا يمكن أن يتعلق بنص القرآن، وإنما يتعلق بلغة القرآن وكتابة القرآن، وحدد لهم عثمان أنه إذا وقع أي خلاف بينهم وبين زيد فليكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباقلاني من أن ما قصد إليه عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير.
وهكذا يتبين لنا أن جمع أبي بكر كان يستهدف جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرقا في الرقاع، وجمع عثمان كان يستهدف توحيد القراءة، لئلا يقع اختلاف بين القراء في قراءة القرآن، والأحاديث التي رواها البخاري في سبب الجمع الأول والجمع الثاني واضحة الدلالة على الأسباب التي دفعت أبا بكر للقيام بجمع القرآن، والأسباب التي دفعت عثمان للقيام بتوحيد القراءة القرآنية لكي تكون موافقة للغة قريش.
ويبدو أن بعض المستشرقين هالهم هذا الجهد المحكم الذي قام به الصحابة في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، منطلقين في ذلك من إيمانهم بالقرآن، مدركين واجبهم في حماية نصوصه، متطلعين لمرضاة الله، فانطلقوا كعادتهم في مثل هذه المواقف يشككون في كل رواية، ويلتمسون لأنفسهم عذرا في طعن مقدسات الإسلام، مفسرين الأحداث والمواقف تفسيرا مريبا، فتارة يكتشفون صراعا بين المكيين والمدنيين، وتارة يفسرون ظاهرة عادية بما يحقق أغراضهم من إثارة الشبهات.
وأفضل رد على هؤلاء تجاهل ما يثيرونه من شبهات، وبخاصة تلك الشبهات التي لا يقوم عليها دليل، ولا تؤيدها حجة، لأن غايتهم الأولى من إثارة تلك الشبهات إشغال
المسلمين بالرد عليها، وأنهاكهم بتتبعها، وإيصال صداها إلى المجتمعات الإسلامية لكي تكون في موطن النقاش والجدال.
والروايات التي نقلناها عن أئمة في العلم دالّة على وضوح مراحل الجمع، وسلامة تلك المراحل، وقبول الصحابة لذلك، وليس هناك ما يثير الشك والريبة في الجمع الأول والثاني، فالجمع الأول اعتمد على قرآن مكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب، وأكد هذا الحارث المحاسبي «كتابة القرآن ليست محدثة» وأمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان»، وفسر السخاوي مهمة الشاهدين الذين اشترط أبو بكر على «زيد» ألا يقبل شيئا من القرآن إلا بعد شهادتهما بقوله:
المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله، والجمع الثاني كما أكدته الروايات المنقولة كان جمعا قصد به توحيد القراءات القرآنية، ومنع الاختلاف فيها، تأكيدا لوحدة لغة القرآن.
واختلف العلماء في عدد مصاحف عثمان، ونقل «الزركشي في البرهان» عن أبي عمرو الداني في المقنع قال:
«أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدا، الكوفة والبصرة والشام، وترك واحدا عنده، وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ، وزاد: إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين، قال:
والأول أصح وعليه الأئمة» (1).
وكانت مصاحف عثمان مجردة من كل ما هو خارج عن القرآن، لئلا يختلط القرآن بغيره، ويدخل بعض التفسير فيه، وكانت المصاحف التي كتبها بعض الصحابة قبل ذلك تشتمل على بعض الكلمات التفسيرية الموضحة لبعض معاني القرآن، وكان يمكن لتلك الكلمات مع مرور الزمن أن يقع الالتباس فيها، ويظن بأنها من القرآن، ولذلك أمر عثمان بإحراق المصاحف الفردية التي كانت موجودة لدى البعض، لئلا يقع الاختلاف في القرآن، وبخاصة في ظل كتابة قرآنية خالية من النقط والشكل، ويمكن أن تقرأ الكلمات المتشابهة في الرسم بألفاظ عدة.
ولا شك أن إحراق المصاحف الفردية كان اجتهادا موفقا من خليفة المسلمين، ولقي ترحيبا من معظم الصحابة، لأنه أدى إلى توحيد المصحف،
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 240.
وقطع دابر أي خلاف في آياته، من حيث القراءة والرسم، ومن اليسير علينا نحن اليوم أن نكتشف عظمة هذا الإنجاز وعظيم أثره، ولو بقيت المصاحف الفردية قائمة بيد أصحابها لكان من اليسير أن يتعصب كل صاحب مصحف لما كتبه وجمعه، ولاعتبر مصحفه هو الأصح والأدق، ومن الصعب بعد ذلك ضبط الأمور وإعادة اللحمة إلى ما تفرق من الآراء، وبخاصة في ظل عصر بدأت معالم الفتنة تطل عليه من بعيد، منذرة متوعدة، ومن حسن الحظ أن خطوة توحيد المصحف قد اكتملت قبل أن تتفجر الأحداث، وأصبح في كل إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية مصحفا معتمدا، هو الأساس لكل المصاحف، يوحد الكلمة، ويوحي بالثقة، ويجعل القرآن فوق كل الشبهات، مطوقا بحفظ الله ورعايته.
ولو صح أن خلافا حقيقيا وقع في مصحف عثمان، أو نزاعا بين الصحابة نشب بسبب إحراق المصاحف لما خفي هذا الخلاف والنزاع، ولارتفعت أصوات المعارضين عالية محتجة رافضة منددة بما فعل «عثمان» ، وبخاصة في أواخر عهده، حيث أخذت أصوات الاحتجاج تتعالى مدينة بعض جوانب سياسته وإدارته.
وحاول بعض خصوم القرآن إثارة شكوك حول قطعية ثبوت النص القرآني، واعتمدوا في ذلك على روايات شاذة وحكايات موضوعة تؤكد ظنونهم، وتدعم ما أخذوا أنفسهم به من هدم هذا الصرح الكبير الذي أجمع المسلمون على صحته، وتكاتفوا في سبيل حفظه، ولا تخلو أية رواية من الروايات الشاذة من نقد واضح الدلالة على ضعفها وتهفتها، أو سوء تفسيرها، سواء تعلقت بشبهات حول سقوط شيء من القرآن بسبب نسيان، أو إضافة إليه.
ولا نهاية لمثل هذا المنهج الذي يعتمد التشكيك في القرآن، ولا سبيل لإيقاف النفوس المريضة التي أخذت تتتبع ما سقط من الأقوال، وما نبذ من الروايات، إلا بتجاهل هذا المنهج ورفضه، وعدم الخوض فيه، فما أجمعت عليه الأمة، لا يمكن أن يكون في موطن الظن، وأن يخضع لمعايير نقدية أخذ بها من ران على قلبه مرض، أفقده الإحساس بحرارة الإيمان، وبإشراقة القرآن في النفس، فما تعهد الله بحفظه لا سبيل لبشر عليه، وكلام الله أسمى من أن يختلط بكلام البشر.