الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقارنة بين البرهان والإتقان:
من اليسير علينا أن نكتشف أوجه التشابه بين كل من البرهان للزركشي والإتقان للسيوطي، وهو تشابه يؤكد أن السيوطي قد اعتمد كل الاعتماد على كتاب البرهان، ونقل الكثير مما ورد فيه من أقوال العلماء، وأحيانا تكون العبارة واحدة في كل من الكتابين، ويتميز البرهان بدقة العبارة، وتكامل الموضوع، وأصالة المنهج، وعمق الدراسة في الوقت الذي يتميز فيه الإتقان بالجمع والإيجاز.
قال الزركشي في البرهان في معرض حديثه عن معرفة أسباب النزول الذي بدأ به أبواب كتابه وأنواع علوم القرآن.
«وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم، وأفردوا فيه تصانيف، منهم علي بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها تصنيف الواحدي في ذلك، وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته، لجريانه مجرى التاريخ، وليس كذلك، بل له فوائد:
- منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
- ومنها تخصيص الحكم به عن من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
- ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيص.
- ومنها الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال.
- ومنها الوقوف على المعنى.
- ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص.
- ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر» (1).
وقال السيوطي في معرض كلامه عن معرفة سبب النزول:
«أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم علي بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها كتاب الواحدي على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبري فحذف
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 22.
أسانيده ولم يزد عليه شيئا، وألف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر كتابا مات عنه مسودة، فلم نقف عليه كاملا، وقد ألفت فيه كتابا حافلا موجزا محررا، لم يؤلف مثله في هذا النوع، سميته «لباب النقول في أسباب النزول» (1).
قال الجعبري: نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، وفي هذا النوع مسائل:
المسألة الأولى: زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ، وأخطأ في ذلك، بل له فوائد:
- منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
- ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
- ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه.
- ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال.
- ومنها: دفع توهم الحصر.
وهناك اختلافات في بعض المسائل، وزيادات، وتقديم وتأخير، وروايات قد نجدها في الأول ولا نجدها في الثاني، وقد ينفرد بها السيوطي، نظرا لأنه المتأخر، واعتمد على مصنفات ومؤلفات لم يطلع عليها الزركشي.
ولا خلاف أن الباحث في علوم القرآن لا يمكنه أن يستغني عن كل من البرهان والإتقان، ومعظم ما كتبه المتأخرون لا يخرج عما ورد فيهما، ولكل منهما خصائصه ومزاياه، ومن اليسير أن نجد كتبا ومصنفات في كل علم من علوم القرآن، كأسباب النزول، والقراءات وغريب القرآن، وإعراب القرآن، وأمثال القرآن، وفضائل القرآن، اشتملت على مباحث ومسائل وفروع لا نجدها في الكتب المؤلفة في علوم القرآن، إلا أن من الصعب أن نجد مصنفات في علوم القرآن ترقى إلى مستوى هذين الكتابين، وما كتبه المتأخرون في علوم القرآن لا يخرج عما كتبه الزركشي والسيوطي.
(1) انظر الإتقان، ج 1، ص 82.
وتتميز كتب المتأخرين بالاختصار والإيجاز، وعدم الإكثار من الأقوال المنقولة عن العلماء، واستيعاب ما قيل في الموضوع، وهذا منهج من الصعب تجاهل أهميته، وإنكار فوائده، فكثرة النقول، وبخاصة ما يبرز فيها التكرار، لا يضيف شيئا، وربما ينصرف الذهن عن المتابعة، ويعجز عن جمع شتات الأقوال الكثيرة.
وهذا لا ينفي أهمية ذكر هذه الآراء في مجال البحوث المتخصصة، حيث تتكامل الآراء وتتقارب، مكونة مدارس للتفكير ومناهج متميزة تساعد على معرفة تطور
الدراسات القرآنية.
ويجدر هنا أن نفرق بين المؤلفات المدرسية التي يراد بها تيسير الدراسات المتعلقة بعلوم القرآن، والإلمام بكل ما يتعلق بكتاب الله، من حيث مواطن نزوله وجمعه وكيفية قراءته ورسمه وقواعد وقفه وفواتح سوره وخواتمها وفواصله وآياته، أو من حيث إعجازه وأسلوبه وفصاحته وبلاغته، وما جاء منه محكما أو متشابها، والمؤلفات العلمية التي تحرص على دراسة جوانب دقيقة من تاريخ القرآن أو علومه، وما يصح في المؤلفات التي أعدت للتدريس لا يصح في مجال البحث العلمي، ولا يقبل، ولا يعتبر كافيا.
ولا نستطيع أن ننكر أهمية الدراسات والبحوث التي أعدت في العصر الحديث، في مجال الدراسات القرآنية، وهي تؤكد أن عصرنا هذا هو بداية عصر جديد في مجال الدراسات الإسلامية، وبالرغم من قلة البحوث الأصيلة، فإن كل المؤشرات تؤكد على أن هذا الجيل مؤهل لتحمل المسئولية، عازم على متابعة طريق البحث للوصول للمعرفة.
ومعظم الدراسات المتعلقة بتاريخ القرآن يراد بها تعليم الأجيال اللاحقة تاريخ قرآنهم، وإعلامهم بعظمة الجهود التي بذلها علماء السلف في خدمة القرآن، لتوثيق نصوصه وضبط قراءاته، ولا مجال للاجتهاد في هذا الأمر، فتاريخ القرآن لا بد فيه من صحة الروايات، ولا يتصور أن يقع الاجتهاد في أمر يتعلق بجمع القرآن أو بسبب نزوله، وغاية ما يمكن أن يفيده البحث هو ترجيح رواية على أخرى، والترجيح لا بد فيه من دليل.