الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهناك ما يفيد معنى النصح أو الاعتراف ..
والقصة في سورة يوسف غنية بدلالاتها ومعانيها وألفاظها ومفرداتها، والحوار فيها مؤثر ومعبر وبليغ، يتميز بقوة الألفاظ وبجمالها وبقدرتها التعبيرية عن الموقف، حتى أن القارئ يشعر كأنه يعيش الحدث ويتفاعل معه ويتأثر به، وكأنه يراه أمامه نابضا بالحياة ..
ويتميز الأنبياء في الحوار بالرفق والنصح والتوجيه وسعة الصدر، لأنهم أصحاب رسالة، ومن الطبيعي أن يكون حوارهم معبرا عن قيم أخلاقية رفيعة وداعيا إلى عبادة الله والاحتكام إليه والاعتماد عليه، وتبرز معجزاتهم الدالة على صدق رسالتهم من خلال ما يمثله الحوار وما يعبر عنه من قدرات خاصة، كتأويل الأحاديث بالنسبة ليوسف، ومعجزات واضحة بالنسبة لموسى ..
والحوار في القرآن متعدد الجوانب، فقد يخاطب الإنسان نفسه ويحاورها في نوع من أنواع التعبير عما يجيش في النفس من خواطر، لتفسير بعض المواقف، وأحيانا يجري الحوار بين الله والملائكة أو بين الله والإنسان، كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: 30]، وأحيانا يجري الحوار بين الملائكة والإنسان أو بين الإنسان والشياطين أو بين الإنسان والحيوان.
وغاية الحوار في كل ذلك تقريب الأفكار وتوضيح المعاني وإغناء السامع بالحجة وتمكينه من الوصول إلى الحقيقة، والإجابة عن طريق الحوار إلى ما يجول في ذهنه من تساؤلات وشكوك، ويتضمن الحوار في معظم الأحيان ما يراد أن يصل إلى السامع من إقرار مبادئ الإيمان، ومن انتصار الخير على الشر، ومن الاعتراف بنعمة الله وشكره والتخويف من عذابه ..
خصائص الحوار في القصة القرآنية:
وأهم ما يتميز به الحوار في القصة القرآنية ما يلي:
أولا: الإقناع العقلي، وهذه هي خصوصية الحوار، فالحوار وسيلة للإقناع،
وربما يعتبر من أهم وسائل الإقناع، ولهذا اتجه الحوار إلى مخاطبة العقول وطرح التساؤلات العقلية التي يمكن أن يثيرها العقل، وبخاصة في القضايا التي تتصل بالعقيدة والإيمان، وإذا لم يحقق الحوار في بعض المواطن أغراضه بطريقة مباشرة فإنه على الأقل يساعد العقل على تلمس بعض الحقائق الإيمانية التي لا تدرك إلا بالذوق الإيماني وصفاء النفس وطهارة النفس ونقاء الفطرة، والمنهج العقلي في القرآن واضح وبين، ويخاطب القرآن العقل البشري، وينيط به مهمة التفسير والفهم، ويجعل المخاطب الموثوق بحسن إدراكه وعمق فهمه والعقول السليمة تستجيب لمنهج القرآن في الحوار، لأن القرآن الذي يخاطب العقول لا يمكن أن يقرر حقائق منافية للعقول والقصة القرآنية هي إحدى أدوات القرآن للإقناع والتأثير.
ثانيا: استخدام اللغة لإحداث التأثير النفسي، ومفردات القرآن متميزة في قوة تأثيرها، وفي دقة تعبيرها، وفي إحداث التأثير المطلوب منها، ولو استبدلت لفظة قرآنية بأخرى لضعف التأثير واختل المعنى، وترهلت العبارة، ومن اليسير علينا أن ندرك عند قراءتنا للقرآن أثر اللفظة القرآنية في إحداث التأثير النفسي ولو حاولنا أن نعيد كتابة قصة يوسف، أو استبدال لفظة بأخرى من ألفاظ الحوار لفقدت هذه القصة كل تأثير، ولكانت مملة، لأن القصة معروفة، واللفظة القرآنية هي أداة التعبير المؤثر، حتى أن السامع عند ما يسمعها يظن أنه يسمعها لأول مرة، ويتأثر بها، واللفظة المفردة ليست لها قيمة متميزة إلا في إطار المكان الذي جاءت فيه من النظم والتركيب، ولو تتبعنا بعض الكلمات القرآنية لاكتشفنا عظمة النظم المؤثر.
- وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ..
- وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ..
- وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ..
- قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ..
- وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ..
- قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
- يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ..
- وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ.
- قَدْ شَغَفَها حُبًّا ..
- وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
- وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ..
- وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.
إن كل كلمة مؤثرة، ولا تغني عنها لفظة أخرى، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني، والقصة القرآنية في شخصيتها وفي الحوار الذي يجري على لسان تلك الشخصيات هي أداة من أدوات الإقناع ولا تختلف من حيث الأثر عن الآيات الأخرى التي تقرر فيها مبادئ العقيدة بطريقة مباشرة ..
ونلاحظ أن شخصيات القصة من خلال الحوار تنطق بما ينسجم مع دعوة الأنبياء في هداية البشر وإرشادهم إلى طريق الخير وتدعيم قيم الفضيلة في المجتمع الإنساني
…
ويتمثل هذا في قول يوسف لرفيقيه في السجن:
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف: 39 - 40].
وقول يعقوب لبنيه:
وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف: 67].
ويحرص القرآن في مجال القصة القرآنية إلى أن يدعو أثناء عرض القصة أو