الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس بعد المئة: الشركة
مدخل
…
الفصل السادس بعد المائة: الشركة
والشركة في البيع معروفة عند الجاهليين، فقد كان الناس يشتركون في البيع، بالمساهمة بمال الشركة مناصفة أو على نصيب يعين أو بنسب يتفقون عليها، وبالمساهمة بمال يقدم من جهة وبعمل يقوم به الطرف الآخر وفق شروط يتفق عليها المشاركون بالنسبة إلى الربح أو إلى الخسارة. وقد كان من عادة أهل مكة مساهمة معظم أهلها في مال تجارتهم التي يرسلونها إلى اليمن وإلى بلاد الشام؛ ولهذا كانت القافلة التي يرسلونها تكون كبيرة ضخمة، يزيد عدد جمالها على الألف. ومعنى هذا أن المال الذي تحمله القافلة يكون كبيرًا غاليًا؛ وذلك لأن أكثر أهل مكة من الأغنياء والموسرين والمتوسطين قد ساهموا فيه.
ويقال للشريك "الجار"، و"الجار": الشريك في العقار والشريك في التجارة1.
وقد يتكاتب الشركاء فيما بينهم، بأن يكتبوا ما اتفقوا عليه في صحيفة تحفظ نسخ منها عند الشركاء. وقد يتكاتبون، وإنما يرضون بالوفاء على ما اتفقوا عليه، معتمدين على إخلاصهم في النية وعزمهم على الوفاء بما اتفقوا عليه بكل أمانة وإخلاص. ونجد في كتب أهل الأخبار أمثلة على تشارك أشخاص للقيام بأعمال تجارية في مختلف أنحاء جزيرة العرب. فهي تبين أن الشركاء كانوا يقدمون من أموالهم كذا وكذا من المال للعمل شركة، فيخلطون المال المقدم من الشركاء
1 تاج العروس "3/ 111"، "جار".
حتى يصير شيئًا واحدًا، وبعد إخراج رأس المال بعد الحساب، والمؤن، والكلف يقسم الربح نصفين إن كانا شريكين، أو أكثر حسب عدد الشركاء ومقدار ما ساهم به كل واحد من الشركاء في رأس المال. وتوزع الخسائر، إن كانت هنالك خسائر على عدد المساهمين، وبنسب ما ساهم كل واحد من المساهمين في رأس المال1.
وقد ورد في الأخبار أن "نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم" كان في الجاهلية شريكًا "للعباس بن عبد المطلب"، وكانا شريكين متفاوضين في المال متحابين، ولما وقع في الأسر في "بدر"، فداه العباس. وقد كان غنيًّا، أسلم، وأعان رسول الله يوم بدر بثلاثة آلاف رمح2. وكان "السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ" يشارك الرسول في تجارته، ويتاجران مع بلاد اليمن3، وذكر أن "السائب بن عبد الله" المخزومي، كان هو شريك الرسول وصاحبه في الجاهلية4. وورد أن "السائب بن الحارث بن صبرة" كان شريكًا للنبي بمكة5. ويظهر أن اشتراك الثلاثة في الاسم، صير ثلاثتهم شركاء للرسول في تجارته، والصحيح أن واحدًا منهم كان شريكًا له.
وكان "مرداس بن أبي عامر" والد "العباس بن مرداس" الشاعر، شريكًا لحرب بن أمية والد أبي سفيان6. وكان "العباس بن أنس" شريكًا لعبد المطلب7.
وقد شارك "البرَّاء بن عازب""زيد بن أرقم" بالصرف، وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. ثم راجعا رسول الله فيه، فقال لهما:"ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه"8.
وقد تشارك أهل مكة فيما بينهم في تكوين الشركات، كما تشاركوا مع غيرهم
1 نهاية الأرب "9/ 18".
2 البرقوقي "ص72".
3 إمتاع الأسماع "1/ 8 وما بعدها"، الإصابة "2/ 10"، "رقم 3064".
4 الإصابة "2/ 10"، "رقم 3066".
5 الإصابة "2/ 10"، "رقم 3057".
6 الإصابة "2/ 263"، "رقم 4511".
7 الإصابة "2/ 262".
8 إرشاد الساري "4/ 290".
في تكوين شركات، أسست لها فروعًا في المحال التي أقام فيها الشركاء الغرباء. فقد شاركوا بعض أهل اليمن، وجعلوا من مواضع شركائهم فروعًا لهم هناك، يبيعون ويشترون شراكة، ويقتسمون الأرباح والخسائر على حسب ما اتفقوا عليه. فشاركوا أهل الحيرة؛ كانوا يرسلون تجارتهم إليهم؛ لبيعها في أسواق الحيرة، ويرسل شركاؤهم من أهل الحيرة بضائعهم إلى مكة؛ لتصريفها بها، ثم يتحاسبون ويقسمون الأرباح أو الخسائر حسب ما اتفقوا عليه. وكان "كعب بن عدي" التنوخي الحيري، شريك "عمر" في التجارة؛ يتاجر معه في البز. وقد أسلم قبيل وفاة الرسول، وكان قد ذهب في وفد من أهل الحيرة إلى المدينة، فعرض الرسول عليهم الإسلام فأسلموا، فلما انصرفوا إلى الحيرة، جاءتهم أنباء وفاة الرسول، فارتاب أصحابه، وقالوا: لو كان نبيًّا لم يمت، وقال كعب: فقد مات الأنبياء قبله، وثبت على الإسلام، ثم خرج إلى المدينة ورأى "أبا بكر"، فلما بعث أبو بكر جيشًا إلى اليمامة ذهب معه، ثم أرسله "عمر" إلى "المقوقس" وقدم الإسكندرية سنة خمس عشرة رسولًا من "عمر" إلى المقوقس، وشهد فتح مصر.
وورد في رواية أخرى، أنه أسلم بعد وفاة الرسول، في خلافة "أبي بكر". وورد في رواية أخرى، أنه كان أحد وفد الحيرة إلى الرسول، وكان شريك النبي في الجاهلية1، وكان عقيدًا أي: حليفًا لعمر2.
وقد أشرك أهل مكة سادات القبائل معهم في الاتجار؛ تأليفًا لقلوبهم، وحماية لتجارتهم ولقوافلهم من التعرض للسلب والنهب، وكانوا يعطونهم نصيبهم من الأرباح. وهو عمل حكيم جعل سادات القبائل يفدون إلى مكة، ويعقدون العقود مع تجارها للاتجار معهم، وبذلك توسعت تجارة مكة وزادت رءوس أموال قريش.
وقد كان أهل اليمن يتشاركون في الأرض، وهو أن يدفعها صاحبها إلى آخر بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك، وقد أشير إلى هذا التشارك في نصوص المسند. وفي حديث معاذ: أنه أجاز بين أهل اليمن الشرك، أي: الاشتراك في الأرض3.
1 الإصابة "3/ 282"، "رقم 7422".
2 الإصابة "3/ 282"، "رقم 7422"، تاج العروس "2/ 482"، "عقد".
3 اللسان "10/ 449"، "شرك"، تاج العروس "7/ 148"، "شرك".