الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس عشر بعد المئة: قياس الابعاد والمساحات والكيل
…
الفصل الخامس عشر بعد المائة: قياس الأبعاد والمساحات والكيل
وقد استعمل الجاهليون قياس الأبعاد والوزن والكيل في معاملاتهم، وهي متقاربة بين الشعوب السامية؛ لاختلاط هذه الشعوب بعضها ببعض، ولمستوى تلك الشعوب في الأيام الماضية، ودرجتها في الثقافة بالنسبة إلى تلك العهود. هذا، ونجد الأوزان والمكاييل قد تطورت شيئًا فشيئًا، تطورت بالتدريج من أحوال بدائية حسية يدركها الإنسان البدائي، إلى أن اتخذت أشكالًا تستند على أسس علمية. ويستعمل الوزن لقياس الكميات، أما المسافات والأبعاد، فتقاس بالطبع بمقاييس تستند إلى أساس تقدير الأبعاد.
ويختلف أهل الجاهلية في الكيل والوزن، اختلاف الناس في هذا اليوم. منهم من يوزن الشيء، ومنهم من يكيله كيلًا. كان أهل المدينة يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من أهل الأمصار، وإن السمن عندهم وزن، وهو كيل في كثير من الأمصار1، وقد يباع الشيء عددًا، بينما يباع وزنًا عند قوم آخرين. والذي يعرف به أصل الكيل والوزن، أن كل ما لزمه اسم المختوم والقفيز والمكوك والمدّ والصاع فهو كيل، وكل ما لزمه اسم الأرطال والأواقي والأمناء فهو وزن. ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، ودراهم الإسلام المعدلة كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل2.
1 تاج العروس "8/ 107"، "كيل".
2 تاج العروس "8/ 107"، "كيل"، اللسان "14/ 125 وما بعدها".
وقد كان الجاهليون يستعملون المكاييل في الغالب لقياس الجوامد والمائعات على حد سواء. وذلك كما يتبين من دراسة أسماء المعايير بالقياس إلى المعايير المستعملة عند الرومان واليونان، وكما يتبين من مراجعة معجمات اللغة، حيث تذكر المقياس في قياس الجوامد أحيانًا وفي قياس المائعات أحيانًا أخرى، وكما يتبين من عدم تفريق بعض اللغويين بين الوزن والكيل.
وقد جاءت في كتب الحديث والفقه وكتب اللغة أسماء بعض العيارات والموازين التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام. ويظهر من هذه الكتب أن هذه العيارات والموازين كانت تختلف باختلاف المواضع، وإن اتفقت في الأسماء؛ فبين مكة والمدينة مثلًا اختلاف في تقدير العيارات. كذلك اختلف العرب في وزن الأشياء في بعض الأحيان، فقد ذكر أن أهل المدينة كانوا يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من الأمصار، ثم إن بعض المواد تكال وتوزن، فالسمن يكال في بعض الأماكن، ويوزن في أماكن أخرى، ويكال ويوزن في آنٍ واحدٍ في أماكن غيرها1. وقد ورد في الحديث:"الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة"2.
والكيل والوزن سواء في معرفة المقادير، وتعني لفظة "كال" معنى وزن. وقد ورد عن النبي أنه قال:"المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة"3، وورد: الكيل: كيل الطعام، يقال: كلتُ الطعام: إذا توليت ذلك له. وورد في القرآن الكريم: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} 4، وذلك إن كان مخصوصًا بالكيل، فحثَّ على تحري العدل. وقد وردت لفظة:"الكيل" و"كيل" و"المكيال" و"كلتم" و"اكتالوا" و"نكتل" في مواضع من القرآن الكريم5.
ويعبر عن الوزن وعن قياس الأبعاد بلفظة: "كل""كال" أي: "كالَ"
1 تاج العروس "8/ 107"، "كيل".
2 جامع الأصول "1/ 371".
3 جامع الأصول "1/ 371"، اللسان "11/ 605".
4 سورة المطففين، الآية 1 وما بعدها، المفردات "460".
5 الأنعام، الآية 152، الأعراف الآية 85، يوسف الآية 59، 60، 63، 65، 88، الإسراء، الآية 35، الشعراء، الآية 181، هود، الآية 84 وما بعدها.
في المسند، والوحدة "كلت" أي:"كيلة"1، أما في عربيتنا فقد استعملت في الوزن والكيل2. وجاء الكيل: كيل الطعام3، وورد: كال البئر، أي: قدر ما فيها من ماء4، والاسم "الكيلة"، والكيل، والمكيل، والمكيال، والمكيلة: ما كِيلَ به حديدًا كان أو خشبًا، وكان الدراهم والدنانير: وزنها.
وفي معنى "كلت" ترد لفظة "سفرت""سفرة"، وتستعمل خاصة في قياسات الأبعاد، مثل البعد بين مكانين، أي: المسافات والأطوال، فهي بمعنى مرحلة أي: وحدة قياسية للبعد5، ومعدل ما يسافره الإنسان أو تقطعه القافلة في اليوم، أي: السفرة التي تتمكن منها القافلة في اليوم، فسفرت هي سفرة في لغتنا، أي: مرحلة.
وتعد قياسات الأبعاد والموازين والمكاييل البابلية من أهم وأدق المكاييل والأوزان عند الشعوب الشرقية؛ فقد استند البابليون في قياساتهم هذه إلى أسس علمية. وهم في ذلك أدق من قدماء المصريين، ومن اليهود6.
والعادة قياس الأبعاد الصغيرة والمسافات القصيرة بمقاييس تتناسب مع هذه الأبعاد، وذلك باستعمال مقاييس صغيرة مثل: الإصبع والشبر والذراع، صارت أساسًا للمقاييس التي تقاس بها المسافات البعيدة، مثل المسافات بين مراحل السفر أو الأبعاد بين المدن والقرى وما شاكل ذلك. إذ لا بد من اتخاذ وحدة قياسية كبيرة في قياس الأبعاد الطويلة؛ لسهولة الضبط والحفظ، ولهذا اصطلحت الأمم على اتخاذ وحدات كبيرة في قياسات المراحل والأبعاد، سمتها.
وقاس الجاهليون مساحات الأرضين الزراعية، بمقدار البذور المنثورة وبمقدار ما يحرثه ثور واحد أو حيوان في نهار، ويراد بذلك متوسط عمل محراث واحد في الأرض. فتقدر مساحة أرض بمقدار كميات البذور التي تنثر في الأرض، وتذكر عندئذٍ مقدار كيلات البذور المنثورة، ويدل عددها على مساحة الأرض.
1 Rhodokanakis، Stud.، II، S. 79
2 اللسان "11/ 604 وما بعدها""دار صادر".
3 المفردات "ص460".
4 اللسان "11/ 604""دار صادر".
5 Rhodokanakis، Stud، II، S. 79
6 Hastings، p. 967
ولو تعمقنا في دراسة قياس المسافات، فإننا نجد أن الإنسان قد استعان بأجزاء جسمه في بادئ الأمر في القياسات، فاستعان بالإصبع، واعتبره وحدة قياسية صغيرة لقياس البعد، استعمل عرضه كما استعمل طوله. واستعمل "الكف" قياسًا للأبعاد كذلك، وهو أربع أصابع عند العبرانيين1، واستعمل "الشبر" للأبعاد التي تزيد على الكف، والشبر هو مسافة ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر، ويساوي ثلاث كفوف، ويعدل من ثمانية قراريط إلى أحد عشر قيراطًا. واستعملت "الذراع" وجعلوها تعادل شبرين، وتقدر بنحو قدم إلى قدمين. ثم "الخطوة" وتعادل ذراعين أو ثلاث أقدام أو اثنتي عشرة كفًّا. ثم "القامة"، وتعادل خطوتين أو أربع أذرع أو ستة أقدام. ثم "القصبة"، وتعادل قامة ونصف قامة، أو ستة أذرع، وتعادل تسع أقدام أو ستًّا وثلاثين كفًّا2.
والكف -عند العرب-: اليد، أو منها إلى الكوع3. والشبر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويكال به، ومنه "الشبر": كيل الثوب بالشبر، يشبره شبرًا4. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وقيل: الذراع والساعد واحد، يقال: ذرع الثوب وغيره: قاسه بالذراع، وهو ما يذرع به من حديد أو قضيب5. و"الباع": قدر مد اليدين وما بينهما من البدن، ويستعمل في قياس الأعماق، مثل الآبار، وأعماق الماء6.
والخطوة ما بين القومين7، والقامة عند العرب: مقدار هيئة رجل، والبكرة بأداتها، وقيل: البكرة التي يستقى بها الماء من البئر8. والقامة: مقياس أيضًا تقاس به الأعماق9.
1 قاموس الكتاب المقدس "2/ 231".
2 قاموس الكتاب المقدس "2/ 231"، Hastings، p. 967
3 تاج العروس "6/ 234"، "كف".
4 تاج العروس "3/ 228"، "شبر".
5 تاج العروس "5/ 333 وما بعدها"، "ذرع".
6 تاج العروس "5/ 283"، "بوع".
7 تاج العروس "10/ 115"، "خطا".
8 تاج العروس "9/ 36"، "قوم".
9 قال أبو ذؤيب:
فلو كان حبلًا من ثمانين قامة
…
وخمسين بوعًا نالها بالأنامل
"وفي الديوان: وتسعين باعًا، وأما بوعًا فإنه رواية الأخفش"، تاج العروس "5/ 283"، "بوع".
وذكر الذراع في القرآن الكريم في آية: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} 1. ويعبر به عن المذروع، أي: الممسوح بالذارع2. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى3، وذكر بعض العلماء أن الذراع والساعد واحد. وأما المذارعة فالبيع بالذراع4، ويقال: ذراع من الثوب والأرض5. فتستعمل المذارعة -إذن- في الأموال المنقولة التي لها اتساع مثل: الثياب والأقمشة والخشب وما شابه ذلك، كما تستعمل في ذرع الأرض. وقد اختلف الذراع الجاهلي عن الذراع في الإسلام6.
والقصبة من أصل "Kas - Pu" في البابلية، ومعناه:"ساعتان"، أي: مسيرة تقطع في ساعتين. وورد "Kas - Pu Kakkari" في النصوص البابلية، ويراد بالجملة ما يقابل "قصبة أرض" أو "ميل أرض"7. وقد كان أهل مصر في الإسلام يمسحون أرضهم بقصبة طولها خمسة أذرع بالتجاري، فمتى بلغت المساحة أربعمائة قصبة، فاسمها: الفدان8.
و"الغلوة"، وكانت مقياسًا يونانيًّا، وتعادل نحو "145" خطوة، أو ثُمن ميل، وتسمى "فرسخًا" أيضًا9. وذكر علماء اللغة أن "الغلوة" قدر رمية بسهم، وتستعمل في سباق الخيل10، وقيل: هي قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. وذكر بعض علماء اللغة، أن الفرسخ التام خمس وعشرون غلوة11.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفرسخ ساعة من النهار، وقال بعض آخر: إنه المسافة المعلومة، وهو ثلاثة أميال هاشمية أو ستة أو اثنا عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف ذراع. واللفظة من الكلمات المعربة، وهي "Frasong""فرسنك"
1 الحاقة، الآية 23، تفسير الطبري "29/ 40 وما بعدها"، "بولاق".
2 المفردات "176".
3 تاج العروس "5/ 333 وما بعدها".
4 Ency.، I، p. 959
5 المفردات "176".
6 تاج العروس "8/ 123"، "ميل".
7 Schrader، S. 339
8 تاج العروس "5/ 203"، "قرط".
9 قاموس الكتاب المقدس "2/ 232".
10 اللسان "15/ 132""صادر".
11 تاج العروس "10/ 269"، "غلا".
في الفهلوية. وقد أشير إلى هذا المقياس الفارسي في بعض مؤلفات الكتبة اليونان مثل "هيرودوتس" و"كسينوفون""Xenophon"، وهو "Farsong" في الفارسية الحديثة، PRasakha في لغة بني إرم1.
وأما "الميل"، فمقياس روماني. وقد اختلف في طوله، فقيل: إنه ثلث الفرسخ، وقيل: إنه ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف، وقيل: أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام، وقيل: إنه سدس الفرسخ، وهو من الألفاظ المعربة من أصل ""Miloin2. وذكر علماء اللغة أن الميل هو المنار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، وأنه أيضا الأعلام المبنية على الطرق لهداية الناس3.
وقد استخدم الجاهليون مصطلحات خاصة في تقدير المسافات والأبعاد، ولا سيما في الأسفار. فاستعملوا مصطلح "مسيرة ساعة" ومسيرة ليلة ومسيرة نهار ومسيرة قافلة وأمثال ذلك، وقصدوا بذلك معدل ما يقطعه الإنسان والقافلة في المدد المذكورة. واستعملوا "البريد" في تقدير الأبعاد والمسافات، و"البريد": فرسخان، كل فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع أو أربعة فراسخ، وهو اثنا عشر ميلًا. وفي الحديث:"لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد" وهي ستة عشر فرسخًا، وفي كتب الفقه: السفر الذي يجوز فيه القصر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية في طريق مكة4.
وقاس الجاهليون المساحات، مثل مساحات البيت أو الملك كالأرضين، بالذراع إن كانت غير كبيرة، أما إذا كانت كبيرة، فقد قيست بمقدار متوسط ما يحرثه "الفدان" في اليوم. وذكر علماء اللغة أن "الفدان" الثوران اللذان يقرنان فيحرث عليهما، وأن الفدان المزرعة5، والآلة، ومقدار محدود من الأرض اصطلح الناس على تحديد مقداره6.
1 تاج العروس "2/ 272 وما بعدها"، البلدان "1/ 35"، "الباب الثالث"،
Ency، II، p. 70، Gorn، Grundriss der Iranische Philolgie، I، 127
2 تاج العروس "8/ 123"، البلدان "1/ 36"، Hastings، p. 968
3 تاج العروس "8/ 123"، "ميل".
4 تاج العروس "2/ 298"، "برد".
5 اللسان "13/ 321"، "صادر"، "فدن".
6 تاج العروس "9/ 299"، "فدن".
وتقاس الأرض بالجريب أيضا، قال علماء اللغة: الجريب من الأرض: مقدار معلوم الذراع والمساحة، وهو عشرة أقفزة، كل قفيز منها عشرة أعشراء، فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب، وقيل: الجريب: المزرعة، وقدر ما يزرع فيه من الأرض. وقد استعمل للطعام ولتقدير غلة الأرض، أي: وحدة قياس للأرضين، ومكيلة في آن واحد1. وقال بعض العلماء: إنه يختلف باختلاف البلدان2.
ومن وحدات القياس في اليمن: "أم ب""أمت"، وقد ذكرت هذه الوحدة في نصوص المسند، وتقاس بها الأبعاد طولًا وعرضًا3. وذكر علماء اللغة أن "الأمت" الحزر والتقدير، يقال: كم أمت ما بينك وبين الكوفة؟، أي: قدر، وأمت القوم أمتًا: إذا حزرتهم4. فللمعنى إذن صلة بالمعنى المفهوم من اللفظة في لغة المسند.
والشوحط من وحدات قياس الأبعاد كذلك، فورد:"سدثي شو حطم"، أي: ستون شوحطًا، وقد ذكر هذا المقياس في كتابات المعينيين5. ولعله قصبة أو خشبة، حدد طولها، واعتبرت كالمتر و"الياردة" وحدة أساسية لقياس الأبعاد. و"الشوحط" في كتب اللغة: ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي، أو ضرب من النبع تتخذ منه القياس6. فلا يستبعد وجود صلة بين الشوحط اليماني وهذا الشوحط، وهو اتخاذ قضب الشوحط مقياسًا معينًا محددًا؛ لقياس الأبعاد.
وترد في بعض كتابات المسند لفظة "ممد" مع العدد، كأنها استعملت للتعبير عن قياس. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها لا تعبر عن وحدة قياسية قائمة بذاتها، كما تعبر لفظة قدم أو ذراع، بل هي تعبر عن معنى عام، هو مسافة
1 اللسان "1/ 260"، "صادر"، "جرب".
2 تاج العروس "1/ 129"، المخصص "12/ 264 وما بعدها"، برصوم "ص136".
3 راجع الفقرة الرابعة من النص: Glaser 1150، Halevy 192، 199
4 تاج العروس "1/ 522"، "أمت".
5 راجع النص الموسوم بـ: Halevy 352
6 تاج العروس "5/ 165"، "شحط".
أو كيل أو وزن. ويفهم ذلك المعنى من مكان الكلمة وموضعها في الجملة1.
وأما وزن الأشياء، أي: تقدير مقدار ثقلها، فيختلف في الغالب باختلاف طبيعة الشيء المراد معرفة وزنه وتقدير ثقله؛ فإذا كان الشيء جافًّا قدر بمعايير خاصة، وإذا كان سائلًا قدر بمعايير أخرى، غير أن هذا التفريق لا يعد قاعدة عامة، وإنما يختلف باختلاف الأماكن والأعراف والعادات. فقد يزن بعض الناس المائعات بمعايير توزن بها الأشياء الجافة عند أناس آخرين، فالسمن مثلًا يوزن ويكال، والتمر يوزن ويكال، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل2.
وأما الأوزان، أي: معرفة الخفة أو الثقل للأشياء التي يراد وزنها لمعرفة مقدارها، فقد كانت توزن بوضعها في إحدى كفتي ميزان ووضع الأوزان في الكفة الثانية. وقد كانت للأوزان البابلية شهرة، وعليها كان اعتماد العبرانيين.
والميزان الآلة التي يوزن بها، وقد ذكر علماء اللغة أسماء أجزاء الميزان. والميزان الذي كان يستعمله الجاهليون لا يختلف عن الميزان المستعمل عند الشعوب الأخرى. ويقوم الوزن على أساس المعادلة بين الكفتين3.
ويظهر أن الجاهليين كانوا قد أخذوا الأوزان من العراق ومن بلاد الشام، واستعملوها كلها وبأسمائها الأصلية، وذلك بدليل ما نجده في أسماء هذه الأوزان التي استعملوها من مسميات بابلية أو آرمية وفهلوية ويونانية ورومانية. لقد أخذوها بتعاملهم مع أهل العراق ومع أهل بلاد الشام، وأدخلوا مسمياتها إلى لغتهم بعد إدخالهم بعض التحوير والتغيير عليها لتتناسب مع النطق العربي. وقد كان لا بد لهم من استخدام تلك الموازين كلها أو أكثرها على حد سواء؛ لأنهم تعاملوا وتاجروا مع العراق وبلاد الشام منذ القدم. فكان لا بد لهم من التعامل مع كل بلد بموازينه وبمقاييسه، ومن استعمال هذه الأوزان في بلادهم أيضا بحكم ذلك التعامل والاتجار، كما نستعمل اليوم الأوزان والمقاييس الأجنبية في التعامل عندنا بدلًا من الموازين والمقاييس القديمة.
1 Rhodokanakis، Kata. Textile، II، S. 34
2 اللسان "14/ 125".
3 المخصص "12/ 263".
ومن الأوزان التي يعود أصلها إلى الروم: "الرطل"، وهو "Litra" عند اليونان، والأوقية وتقابل Ounguiya"""ONCIA" عند البيزنطيين1. و"الدرهم"، وهو وحدة وزن، وقطعة نقد، من "Dhrakhmi"2، و"قيراط" وهو من ""Keration3.
ومن وحدات القياس التي يعود أصلها إلى الفارسية: "الدانق"، فإنه من "دانك"، وهو سدس الدرهم4. وأما "المثقال" فمن أصل آرامي، من ""Matqolo5.
والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان6. ويذكر العلماء أن القسطاس أقوم الموازين7، و"القسط" مكيال يسع نصف صاع، و"الفرق" ستة أقساط. وذكر بعضهم أن "القسط" أربعمائة وواحد وثمانون درهمًا، والقسط: الحصة من الشيء، والمقدار8.
ويقاس الذهب بالوزن، وكذلك الفضة، فكان التجار يحملون معهم الموازين ليزنوا بها هذين المعدنين. وقد كان "الشاقل" هو وحدة القياس للوزن عند الجاهليين، ويقال في العربية:"شقل الدينار وشوقل الدينار، بمعنى: وزنه وعايره وصححه". وجاء أن الشقل: الوزن، يقال: اشقل لي هذا الدينار، أي: زنه9. واللفظة من الألفاظ البابلية التي دخلت إلى لغة بني إرم، وإلى العبرانية والعربية10.
و"الحبَّة" من العيارات المستعملة عند الجاهليين والتي بقيت مستعملة في الإسلام كذلك، ولا تزال تستعمل. أما وزنها فاختُلف فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة
1 غرائب اللغة "254".
2 غرائب اللغة "258".
3 غرائب اللغة "267".
4 غرائب اللغة "227".
5 غرائب اللغة "176".
6 المفردات "413".
7 المخصص "12/ 263 وما بعدها".
8 تاج العروس "5/ 205"، "قسط".
9 اللسان "11/ 356"، القاموس "3/ 401".
10 غرائب اللغة "ص191"، برصوم، الألفاظ السريانية "ص97" Schrader، S 340
وقد قدرها بعضهم بعُشر الدانق1، وقدرها بعض آخر بسدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم2.
والقيراط، هو نصف دانق. وذكر بعض العلماء أنه جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في بعض البلاد في الإسلام، وجزء من أربعة وعشرين في بلاد الشام3، وهو عند الروم جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء. وهو من أصل رومي هو ""Keration4، ويظهر أن وزنه لم يكن ثابتًا، بل اختلف باختلاف البلدان5.
و"المثقال" من الأوزان القديمة عند العرب، وقد وردت لفظة "مثقال" في القرآن الكريم بمعنى مقدار ووزن6. ويظن بعض المستشرقين أن "المثقال" من أقدم المعايير عند العرب، ويستعمله العطارون والصيارفة وباعة اللؤلؤ والحجارة الثمينة. وهو عبارة عن اثنتين وسبعين شعيرة، وفي بعض الموارد: المثقال: عشرون قيراطًا، وهو يقابل الـ"Solidus" عند الروم على وفق النظام الذي أقره القيصر "قسطنطين""Costantine"، وهو نظام اتبع في بلاد الشام وأقره العرب واستعملوه7. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الآرمية من أصل "متقولو" "Matqolo" على بعض الآراء8.
والأوقية من الأوزان التي كانت مستعملة في الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ضبط وزنها وتعيين مقداره؛ فقال بعضهم: هي سبعة مثاقيل، وإنها أربعون درهمًا، وقال بعض آخر: هي أربعون درهمًا. وقد ورد في الحديث: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقة"9، وفي حديث النبي، أنه لم يصدق امراة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش. قال مجاهد: الأوقية: أربعون درهمًا،
1 تاج العروس "5/ 205"، Ency.، II، p. 185.
2 القاموس "3/ 330"، تاج العروس "5/ 180"، "دنق".
3 اللسان "7/ 375"، "قرط".
4 غرائب اللغة "ص267".
5 تاج العروس "5/ 203"، "قرط".
6 تاج العروس "7/ 245"، "ثقل".
7 Ency.، III، p. 558
8 غرائب اللغة "176".
9 تاج العروس "10/ 396"، "وقى".
والنشُّ عشرون1، وهي تقابل "Uncia" عند الروم.
و"البزمة" وزن ثلاثين درهمًا2.
وقد أشير في الحديث إلى "نواة من ذهب"، وقد جعل بعض العلماء النواة زنة، وقال بعض آخر: النواة من العدد عشرون أو عشرة، أو هي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف أو ثلاثة دراهم وثلث3.
وقد كان الجاهليون يبايعون الذهب والفضة بالأوزان التي ذكرتها مثل: النواة والحبة والشعيرة والمثقال والأوقية. ولما جاء الرسول المدينة وجد أهلها يبايعون اليهود الوقية من الذهب بالدنانير، فقال لهم:"لا تبيعوا الذهب الذهب إلا وزنًا بوزن"4.
وأما الرطل، فإنه في مقابل "Litra" في اليونانية، و"Libra" في اللاتينية، وهو قدر نصف "منّ"، وهو من الأوزان المعروفة عند الجاهليين. وذكر أن الرطل الجاهلي هو ضعف الرطل الإسلامي، وقد اختلف وزنه عند المسلمين باختلاف الأماكن والمواضع والناس5. وذكر بعضهم: الرطل اثنتا عشرة أوقية بأواقي العرب، والأوقية أربعون درهمًا، فذلك أربعمائة وثمانون درهمًا6.
وأما "المن"، "Mna""Maneh""MINA""MnH""MANA""منا" و"منو""Mnu" في البابلية، فإنه خمسة عشر شاقلًا، وعشرون شاقلًا، وخمسة وعشرون شاقلًا، أي: إنه ورد في ثلاثة أوزان، فعرف كل وزن من هذه الأوزان الثلاثة باسم "من"7. وهو معروف عند قدماء اليونان، وعند السريان8، وهو من الأوزان المعروفة عند العرب الجاهليين.
1 اللسان "15/ 404"، "صادر"، "وقى"، تاج العروس "8/ 202"، "بزم".
2 تاج العروس "8/ 202"، "بزم".
3 تاج العروس "10/ 219"، عمدة القاري "11/ 164".
4 صحيح مسلم "5/ 46 وما بعدها".
5 Ency.، III، p. 1129
6 تاج العروس "7/ 346"، "رطل".
7 قاموس الكتاب المقدس "2/ 425"، Hastings، p. 970، Shrader، Keil. Und das alte Testment، S. 338
8 غرائب اللغة "270".
وقد ذكر علماء اللغة أنه كيل أو ميزان وهو رطلان1.
والقنطار وزن أربعين أوقية من ذهب، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: ألف ومائتا أوقية، وقيل: سبعون ألف دينار، وقيل: ثمانون ألف درهم، وقيل: مائة رطل من ذهب أو فضة. وزعم بعض علماء اللغة أنه سرياني، وزعم آخرون أنه عربي2. ويظهر أنه لاتيني الأصل، وأنه من أصل "Centenarium Pondus" أي: وزن يساوي مائة ضعف وزن آخر3. وقد اختلف العلماء في القنطار، وقد ذكر العلماء آراءهم فيه، ويظهر أنهم كانوا قد اختلفوا فيه في الجاهلية كذلك، وسبب ذلك على ما يظهر أنهم استعملوه وزنا، أي معيارا، واستعملوه ثمنا، أي بمقدار ما يعادله بالذهب والفضة، وبالنقد، ثم بالمقايضة، مثل قولهم: إنه ملء ثور ذهبًا أو فضة4.
وقد ذكر في الآية: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} 5، وفي الآية:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} 6، وورد:{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} 7. وفي الإشارة إلى القنطار في القرآن الكريم دلالة على استعماله في الحجاز، وربما في أماكن أخرى من جزيرة العرب كذلك.
والقناطير جمع قنطار، ومعنى القناطير المقنطرة: المال الكثير من الذهب والفضة، والمال الكثير بعضه على بعض. ويظهر من اختلاف المفسرين وسائر العلماء في مقدار القنطار أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر ووزن؛ لأن ذلك لو كان محدودًا قدره عندهم، لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف8.
والمُدّ مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل،
1 تاج العروس "9/ 350"، "منن"، برصوم "121".
2 المخصص "12/ 266".
3 غرائب اللغة "279"، Ency.، II، p. 1022
4 تاج العروس "3/ 509"، "قنطر".
5 آل عمران: الآية 75.
6 النساء: الآية 19.
7 آل عمران: الآية 14.
8 تفسير الطبري "3/ 130"، "طبعة بولاق".
إذا ملأهما ومد يده بهما، وبه سمي مُدًّا1. وقيل: هو ربع الصاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد. وقد اختلف في مقدار المد في الإسلام، وقد ورثوا ذلك من الجاهلية، فقد اختلفوا في مقداره أيضا باختلاف مواضعهم2.
والصاع من المكاييل التي كان يستعملها أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، وقد عرف خاصة عند أهل المدينة، ويأخذ أربعة أمداد، وهو يأخذ من الحبّ قدر ثلثي الصاع في بعض الأماكن، وكان لأهل المدينة صيعان مختلفة. وورد صاع المدينة أصغر الصيعان، كما ورد في كتب الحديث والفقه، صاع النبي وصاع عمر3، وقد كالوا به التمر والحبوب4. وقد اختلف العلماء في مقداره في الإسلام، ومرد ذلك إلى الجاهلية الذين كانوا يختلفون في تقدير الصاع. وذكر المفسرون أن "صواع الملك"، أو "صاع الملك" حسب قراءة "أبي هريرة" كناية عن الصاع الذي يكال به الطعام، وذكر أنه الإناء الذي يكال به الطعام، وإناء يشرب فيه، وكان يشرب منه الملك، وهو من فضة. وكان للعباس في الجاهلية واحد، وهو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم5.
والقفيز من المكاييل القديمة المستعملة لتقدير كميات الأشياء الجامدة، ويتسع لنحو عشرة "جالونات"، وأصله من المكاييل البابلية. وقد ذكره المؤرخ "أكسينيفون"6، وهو عند العرب أصغر من القاب ""Cub7.
والوسق من المكاييل التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام كذلك. قيل: هو ستون صاعًا، وقيل: هو حمل بعير، وقيل: الوسق مائة وستون منًّا، وقال الزجاج: خمسة أوسق هي خمسة عشر قفيزًا، وكل وسق بالملجم هو ثلاثة أقفزة. وقيل: إن الوسق ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة رطل وعشرون رطلًا عند
1 القاموس "1/ 337"، تاج العروس "2/ 498"، "مدد".
2 تاج العروس "2/ 498"، "مدد".
3 عمدة القاري "11/ 247 وما بعدها"، جامع الأصول "1/ 374"، المخصص "12/ 264"، اللسان "10/ 82"، تاج العروس "5/ 423"، "صاع".
4 صحيح مسلم "5/ 6 وما بعدها".
5 تفسير الطبري "13/ 13"، تفسير القرطبي "9/ 230".
6 Anabasis، I، 5
7 J. Abermyer، Die Landschaft Bobylonien، s. 221. ff، 241
أهل الحجاز، وأربعمائة رطل وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد. والأصل في الوسق الحمل، وقيل: الوسق: العِدْل، وقيل: العدلان، وقيل: هو الحمل عامة1.
واستعملوا الحمل كيلًا، وقد رأينا أن بعضهم عرَّف الوسق بأنه عدل أو عدلان، وهو مقدار ما يحمله الحيوان. وبهذا المعنى وردت لفظة "الوقر" وتطلق على حمل البغل أو الحمار أو البعير2، فهو شيء تقديري غير مضبوط تمامًا. وقد ورد في القرآن الكريم:{كَيْلَ بَعِيرٍ} 3؛ وذلك تعبيرًا عن حمل بعير، وهو مقدار ما يحمل، كما ورد فيه:{حِمْلُ بَعِيرٍ} في المعنى نفسه4.
ولا يزال العرف جاريًا بين أهل القرى والبادية في البيع "حمولًا"، جمع:"حمل"، وهو حمل "بعير" أو حمار أو غير ذلك من الدواب التي تنقل الشيء الذي يراد بيعه مثل الملح أو "العوسج" أو "العاقول" أو "حطب البادية" أو الزرع إلى الأسواق، فتباع حملا لا وزنا، ويشتريه المشترون على هذه الصفة.
وذكر علماء اللغة، أن الكر مكيال لأهل العراق، وقد أشير إليه في كتب الحديث، وذكر أنه ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا. والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات. وذكر "الأزهري" أنه اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا أو أربعون إردبًّا بحساب أهل مصر5. وهو "كور" في لغة بني "إرم"، ويعادل عند أهل بابل وقر ستة حمير6.
وذكر علماء اللغة أن "المكوك" طاس يشرب به، أعلاه ضيق ووسطه واسع، والصاع كهيئة المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب به. وقد ورد في الحديث أن الرسول كان يتوضأ بمكوك. ويسع صاعًا ونصفًا، أو نصف رطل
1 اللسان "12/ 258"، المخصص "12/ 265 وما بعدها"، المفردات "545"، تاج العروس "7/ 89"، "وسق".
2 اللسان "12/ 258"، المخصص "12/ 260".
3 سورة يوسف، الآية 65.
4 يوسف، الآية 72.
5 شرح القاموس "3/ 519"، اللسان "5/ 137".
6 J. Obermeyer، S. 241
إلى ثماني أواقٍ، أو يسع نصف الويبة، والويبة اثنان وعشرون، أو أربع وعشرون مدًّا بمد النبي، أو هو ثلاث كيلجات، وهو صاع ونصف. والكيلجة تسع منًّا وسبعة أثمان منا، والمنا: رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلث، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم. وذكر أن الكر: ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات1.
والكيلة مقياس استعمله العبرانيون والجاهليون؛ وهي "Seah"، و"Saton"، في اليونانية "Modius"، وهي تختلف باختلاف اصطلاح الأمم. فالكيلة العبرانية كبيرة بالقياس إلى الكيلة الرومانية، وهي تعادل كيلة وربع كيلة رومانية. وتبلغ ثلث "الأيفة"2، وتعادل اثنين وعشرين ""Sextari3، وتستعمل في وزن المواد الجامدة مثل الحبوب.
وأما "الأيفة""Ephah"، فكلمة مأخوذة من اللغة المصرية، ترد كثيرًا في العهد القديم، وهي تعادل ثلاث كيلات "Seah". وتستعمل لقياس المواد الجافة فقط، وتقابل "Atrabe"، و"Metretis" عند اليونان، وهي مجزأة إلى عشرة أجزاء، يقال للجزء الواحد:"العمر""عومير""أومير""Omer"، أو الكومة، ويقال له "عشر""Issaron" أيضا4. وتقسم إلى ستة أقسام، كذلك يطلق على كل قسم اسم "سدس"5.
ولعل لأومير "عومير""Omer"، صلة بـ"الغمر" عند الجاهليين. وهو عندهم قدح صغير يتصافن به القوم في السفر، إذا لم يكن معهم من الماء
1 تاج العروس "7/ 180"، "مكَّ".
2 التكوين، الإصحاح 18، الآية 6، والإصحاح الثالث عشر، الآية 21، قاموس الكتاب المقدس "2/ 281"، تاج العروس "8/ 107"، "كيل".
3 Hastings، p. 969
4 الخروج، الإصحاح السادس عشر، الآية 36، الخروج، الإصحاح التاسع والعشرون، الآية 40، الكتاب المقدس "2/ 281"، Hastings، p. 969
5 Hastings، p. 969
إلا يسيرًا على حصاة يلقونها في إناء ثم يصب فيه من الماء قدر ما يغمر الحصاة فيعطاها كل رجل منهم. وقيل: هو "القعب" الصغير يحمله الراكب معه، يعلقه على رحله، وقيل: الغمر: أصغر الأقداح. قال أعشى باهلة يرثي أخاه المنتشر بن وهب الباهلي:
تكفيه حزة فلذان ألم بها
…
من الشواء ويروي شربه الغمر
والغمر يأخذ كيلجتين أو ثلاثًا، والقعب أعظم منه، وهو يروي الرجل1. و"الكيلجة" مكيال3.
و"الكر" من المكاييل المستعملة عند العبرانيين، وذكر علماء اللغة أن الكُرَّ مكيال لأهل العراق، وقد أشير إليه في كتب الحديث والفقه. ويظهر أنه مكيال للمائعات؛ ورد: إذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل القذر، ومكيال للجوامد أيضا. وهو ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية "مكاكيك"، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات. وذكر الأزهري أنه اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا أو أربعون إردبًّا بحساب أهل مصر4.
واستعمل الجاهليون "الزق"، وحدة عامة لوزن المائعات. فورد:"زق خمر" مثلا، ويستعمل خاصة في الخمور5.
وقد عثر على عدد من قطع الأوزان المصنوعة من الحديد وبعضها من برنز، وقد استعملت في وزن الأشياء، وقد تأثر بعضها بالعوارض ولعبت الأيدي ببعض آخر. ونأسف على عدم وقوفنا وقوفًا تامًّا على أسماء الأوزان ومقدار ثقلها؛ لعدم وصول عدد كافٍ منها إلينا عليه كتابة تشير إلى اسمه ومقدار وزنه، ولعل الأيام تجود علينا منها بما يحقق لنا هذه المعرفة.
أما "الصُّبرة": فما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض،
1 تاج العروس "3/ 454"، "غمر".
2 بكسر الكاف وفتح اللام.
3 تاج العروس "2/ 91"، "كلج".
4 تاج العروس "3/ 519"، "كر".
5 تاج العروس "6/ 271".
فهي: الطعام المجتمع كالكومة1. ومن ذلك بيع "الصبرة" من التمر، وقد نهى الإسلام عن هذا النوع من البيع2.
والفالج والفلج مكيال ضخم، وقيل: هو القفيز. وقد ذكر بعض الباحثين أنه سرياني الأصل، وأن أصله "فالغا" فعرب. قال الجعدي يصف الخمر:
ألقى فيها فلجان من مسك دا
…
رين وفلج من فلفلٍ ضرم
ومن هنا يقال للظرف المعدِّ لشرب القهوة وغيرها: "فلجان"، والعامة تقول: فنجان3.
و"الطسق" مكيال أيضا4، وهو من أصل فارسي، وذكر أنه مكيال لكيل الزيوت وكل أنواع الدهن5، وهو ضريبة الأرض كذلك، أي: في معنى خراج في الإسلام. كتب عمر إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطسق من أرضيهما6.
والفرق: مكيال بالمدينة اختلف فيه؛ فقيل: يسع ستة عشر مدًّا، وذلك ثلاثة آصع، أو يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، أو هو أربعة أرباع. وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع، وقيل غير ذلك7. وذكر أن "الفرق" هو مكيال لأهل اليمن، وقد ذكر في عهد الرسول لقيس بن مالك بن سعد بن لؤي الأرحبي الهمداني، إذ جاء فيه: "وأطعمه ثلاثمائة فرق من خيوان، مائتا زبيب وذرة شطران ومن عمران الجوف مائة فرق بُرّ"8.
وقد ذكر بعض علماء اللغة اسم مكيال من مكاييل أهل اليمن دعوه "الذهب"، ويجمع على: أذهاب9.
1 اللسان "4/ 441"، "صادر".
2 صحيح مسلم "5/ 9 وما بعدها".
3 تاج العروس "2/ 87"، "فلج".
4 اللسان "10/ 225".
5 غرائب اللغة "238".
6 تاج العروس "6/ 423"، "الطسق".
7 تاج العروس "7/ 43"، "فرق".
8 ابن سعد، الطبقات "1/ 341"، "وفد همدان".
9 المخصص "12/ 264".
ومن المكاييل المذكورة في التوراة والمعروفة عند الجاهليين كذلك، والتي تكال بها الأشياء الجافة:"القبضة"، أي: كومة اليد، والكومة كيلة عند الشعوب الأخرى وهي بمعنى "صبرة". ولا يزال البدو يستعملونها، ولكنها ليست من المكاييل الرسمية، بل هي في الواقع كيلة عرفية، وهي تختلف في المقدار والكمية بحسب اتساع قبضة اليد1، وقد كان الجاهليون يكوِّمون ما يريدون بيعه بالتكوم كومًا، ولا زال هذا البيع معروفًا. وقد كان أهل الجاهلية يبيعون قبضة من التمر، أو قبضة من السويق أو الدقيق، وذلك بحسب ما تقبضه اليد، أي: كف منها2.
1 اللآويون: الإصحاح الثاني، الآية الثانية "كومة من ذهب وكومة من فضة"، تاج العروس "9/ 52"، "كوم".
2 تاج العروس "5/ 74"، "قبض".