المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحياكة والنسيج والثياب: - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٤

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الرابع عشر

- ‌الفصل الثاني بعد المئة: القوافل

- ‌مدخل

- ‌قوافل الميرة:

- ‌الفصل الثالث بعد المئة: طرق الجاهليين

- ‌الفصل الرابع بعد المئة: الأسواق

- ‌مدخل

- ‌أسواق العرب الموسمية:

- ‌سوق عكاظ في الإسلام:

- ‌الفصل الخامس بعد المئة: البيع والشراء

- ‌أنواع البيع

- ‌الخلابة:

- ‌الحكرة:

- ‌شهود البيع:

- ‌فسخ البيع:

- ‌العربون:

- ‌الخيار في البيع:

- ‌صفات البيع:

- ‌الدَّيْن:

- ‌المنحة:

- ‌الفصل السادس بعد المئة: الشركة

- ‌مدخل

- ‌أنواع الشركات:

- ‌المشاركة:

- ‌السفتجة:

- ‌الوكالة:

- ‌السمسرة:

- ‌الفصل السابع بعد المئة: المال

- ‌مدخل

- ‌رأس المال:

- ‌استثمار الأموال:

- ‌الربا:

- ‌القراض:

- ‌التسليف:

- ‌الإفلاس:

- ‌الفصل الثامن بعد المئة: أصحاب المال

- ‌مدخل

- ‌عادات وأعراف:

- ‌سرقة أموال الآلهة:

- ‌دفن الذنوب:

- ‌الفصل التاسع بعد المئة: الطبقة المملوكة

- ‌مدخل

- ‌الاتجار بالرقيق:

- ‌الموالي:

- ‌بيع الولاء:

- ‌رزق المملوك:

- ‌العتق:

- ‌المكاتبة:

- ‌سوء حالة العبيد:

- ‌تعرب العبيد والموالي:

- ‌السخرة:

- ‌الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار

- ‌مدخل

- ‌الطعمة:

- ‌ضرائب الزراعة:

- ‌الفصل الحادي عشر بعد المئة: النقود

- ‌الفصل الثاني عشر بعد المئة: الصناعة والمعادن والتعدين

- ‌مدخل

- ‌الإجارة:

- ‌الأحجار:

- ‌النسيج والحياكة:

- ‌الفصل الثالث عشر بعد المئة: حاصلات طبيعية

- ‌الصبغ

- ‌العصير:

- ‌الزيوت والدهون:

- ‌الصمغ:

- ‌الدباغة:

- ‌الخمور:

- ‌الفصل الرابع عشر بعد المئة: الحرف

- ‌مدخل

- ‌النجارة:

- ‌الحدادة:

- ‌الصياغة:

- ‌حرف الإعاشة:

- ‌حرف أخرى:

- ‌حرف الجلد:

- ‌الحياكة والنسيج والثياب:

- ‌الفصل الخامس عشر بعد المئة: قياس الابعاد والمساحات والكيل

- ‌فهرس الجزء الرابع عشر

الفصل: ‌الحياكة والنسيج والثياب:

‌الحياكة والنسيج والثياب:

والحياكة والنسيج، من الحرف التي لا ينظر إلى صاحبها نظرة احترام وتقدير في المجتمع العربي القديم. ويقوم بالغزل النساء في الغالب، والحياكة والنسج في الحضر في الغالب. وقد ذكر أهل اللغة أسماء بعض آلات الحياكة والنسج، مثل "الحف" وهي الآلة التي تلمظ بها اللحمة أي: تلقم وتصفق ليلتقمها السدى. وقيل: الحفة: المنوال، وهو الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب، وقيل: الحف: المنسج1. و"الوشيعة" وهي المنسج، وهي قصبة في طرفها قرن يدخل الغزل في جوفها، وتسمى السهم، وقيل: لفيقة من غزل، وتسمى القصبة التي يجعل النساج فيها لحمة الثوب للنسج2، و"المشيعة": ما يلف عليه الغزل3. و"الثناية" التي يثنى عليها الثوب، و"العدل" خشبة لها أسنان، مثل أسنان المنشار، يقسم بها السدى ليعتدل، و"الصيصية" عود من طرفاء، كلما رمي بالسهم فألحمه، أقبل بالصيصة فأدبر بها، وقيل: إنها شوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة4. و"النير" لحمة الثوب، وقيل: الخشبة المعترضة التي فيها الغزل، وقد تنسج الثياب على نيرين، ويكون بذلك أصفق وأبقى5. و"الصنار": رأس المغزل6، وأما "المداد" فالعصا في طرفها صنارتان يمدد

1 تاج العروس "6/ 72"، المعاني الكبير "1/ 50".

2 تاج العروس "5/ 543".

3 بلوغ الأرب "3/ 404".

4 "والصيصة كذا في سائر النسخ، وهو خطأ، أو هو على التخفيف. وفي الصحاح والعباب: والصيصية: شوكة الحائك التي يسوي بها السدى واللحمة، وأنشد لدريد بن الصمة:

فجئت إليه والرماح تنوشه

كوقع الصياصي في النسيج الممد

قال ابن بري: حق صيصية الحائك أن تذكر في المعتل؛ لأن لامها ياء، وليس لامها صادًا" تاج العروس "4/ 405".

5 تاج العروس "3/ 593".

6 "قال أبو حنيفة: وهي فارسية، معرب: جنار، وقد جرت في كلام العرب. وقال الليث: هو فارسي دخيل. والصنار: رأس المغزل، ويقال: هي الحديدة الدقيقة المعقفة التي في رأس المغزل، ولا تقل صنارة. وقال الليث: الصنارة: مغزل المرأة، وهو دخيل" تاج العروس "3/ 341".

ص: 282

بهما الثوب1. و"الكُفة" الخشبة المعترضة في أسفل السدى2، و"الحماران" يوضعان تحتها ليرفع السدى من الأرض، و"المثلث" قصبات ثلاث، و"المبرم" و"البريم": الحبل الذي جمع بين مفتولين ففتلا حبلًا واحدًا. و"المبرم" من الثياب المفتول الغزل طاقين؛ ولذلك أطلقت اللفظة على نوع خاص من الثياب. و"الدعائم": خشبات تنصب ويمد عليها السدى، و"الشفشقة": قصبة تشق وتوضع في السدى عرضًا؛ ليتمكن به من السقي. و"الكحّمة": ما يلحم به، وأداة الحائك المنصوبة تسمى "المنوال"، وهو "النول" أيضًا3.

وأما المادة التي يغزل منها ويحاك وينسج، فهي الصوف بأنواعه، وشعر الماعز والوبر والقطن والشاش والبز والكتان والحرير. وأما التي يغزل بها، فهي "المغزل"4، ومنه نوع بسيط يحمل باليد، وهو قديم جدًّا معروف في العصور المتقدمة قبل الإسلام، ولا يزال معروفًا ومستعملًا في الزمن الحاضر، ومنه ما هو سريع بعض السرعة. وهو على هيئة دولاب يدار بالأرض، فيكون سريعًا بالغزل بعض السرعة بالنسبة إلى اليد، ويكون مجال الغزل فيه أوسع من مجال الغزل بالمغزل اليدوي البسيط.

ويلف الغزل على آلة تسمى "الهراوة"، وذلك تمهيدًا لتقديمها إلى "النساج" لنسجها5.

ويقال للمغزل: "المُردن" أيضًا، وقيل:"المردن": المغزل الذي يغزل به الردن، والردن: الغزل. وقيل: الغزل يفتل إلى قدام، وقيل: هو الغزل المنكوس، وثوب مردون: منسوج بالغزل المردون6.

والغزل هو من أعمال النساء في الغالب، فهي تمسك المغزل وتغزل به، وقد يقوم الرجال بالغزل أيضًا. وهناك أنواع من المغازل وهي متشابهة من حيث

1 "والأمدة كالأسنة جمع: مداد كسنان، وضبطه الصاغاني بكسر الصخرة

سدى الغزل. وهي أيضا المساك في جانبي الثوب إذا ابتدئ بعمله"، تاج العروس "2/ 498".

2 بلوغ الأرب "3/ 404 وما بعدها".

3 بلوغ الأرب "3/ 404 وما بعدها".

4 تاج العروس "8/ 42".

5 المعاني الكبير "1/ 50".

6 اللسان "13/ 178".

ص: 283

الأساس والتصميم. وقد عثر على أنواع منها في مواضع من جزيرة العرب.

وفي التوراة وصف لكيفية إعداد الصوف وشعر الماعز للغزل. فقد كان على الغزَّال تنظيف الصوف والمادة المراد غزلها قبل غزلها، وذلك بنثر المادة وتنظيفها من المواد الغريبة المختلطة بها. وقد تضرب بعصا أو بآلهة خاصة، على نحو ما يفعله "النداف" في الوقت الحاضر؛ لتلطيف المادة المراد غزلها وجعلها سهلة للغزل، وقد تغسل بالماء ثم تنشف ثم تنظف. فإذا وجد أن المادة المراد غزلها صارت نقية صالحة للغزل، غزلت. وقد عثر على صور لعمال كانوا يقومون بغسل المواد قبل غزلها على نهر النيل، وقد صورت على جدران مقابر قدماء المصريين1.

وأهل الجاهلية مثل من تقدم أيضًا في تنظيف الصوف وشعر الماعز والوبر والكتان وسائر المواد الأخرى المراد غزلها، كانوا ينظفونها ويمشطونها بأمشاط خاصة؛ لإخراج ما قد يعلق بها فيها من مواد غريبة، ويعالجونها معالجة خاصة، فإذا نظفت وخلصت من الشوائب، غزلت. وقد كانوا يدقون الكتان لتهترئ أليافه وتتشقق فتنفصل، ثم يمشط بالممشقة، حتى يخلص وتبقى فتاته وقشوره، ويؤخذ الكتان لغزله ونسجه. أما الفتات والقشور، فهي المشاقة، وتستعمل في حشو الخفتان وللقبس2.

ويقال لمشاقة الكتان وللخشن من ليف الكتان والقنب: "أسطبة"3. ويظهر أنها من أصل يوناني هو ""Stippi4.

ويهيئ الفتال "السلك"، وهو الخيط، وقد يكون من حرير أو قطن أو كتان. وإذا وضع في الخيط الخرز واللؤلؤ، فيقال لذلك عندئذ:"السمط"5.

ومن اللوازم المستعملة في البيوت وفي الحياة اليومية والتجارية، الحبال، يستعملونها من لحاء الشجر في بعض الأحيان، يؤخذ فيدق ويفتل منه حبل، ويقال لذلك:

1 Hastings، p. 873

2 المغرب "2/ 186"، "والمشاقة "كثمامة": ما سقط من الشعر أو الإبريسم والكتان والقطن عند المشط، أي: تخليصه وتسريحه، وهي المشاطة أيضًا". تاج العروس "7/ 70".

3 تاج العروس "1/ 298".

4 غرائب اللغة "ص252".

5 المغرب "ص264"، "والسلكة "بالكسر": الخيط الذي يخاط به الثوب، الجمع: سلك بحذف الهاء، جمع الجمع: أسلاك وسلوك" تاج العروس "7/ 144".

ص: 284

"القَرَن"1، أو من شعر الماعز، أو من الأصواف، أو من مختلف الألياف المستخرجة من النبات، أو من الخوص.

أما الخيوط، فإنها أدق من الحبل، وتصنع من الكتان أو القطن أو الصوف أو الحرير، ويخيط بها. وأما "الأطنب" و"الطنب"، فإنها حبال الخيمة، تستخدم لربط الخيمة، وأما "الوتر"، فيصنع من أمعاء الحيوانات، وتوضع في الأقواس لرمي السهم، وتستخدم في الآلات الموسيقية كذلك. وتستخدم الحبال رُبُطًا يربط بها؛ يربط بها الأسرى والمساجين والحيوانات2.

والصوف مادة مهمة في صنع البسط والسجاجيد، وأكثر صوف جزيرة العرب من النوع الخشن، الذي يصلح لصنع السجاد، وتصنع منه الخيام كذلك. والمستعمل في صنع الخيام هو من شعر الماعز في الغالب، أما أصواف الأغنام، فتستعمل في الغزول والأنسجة اللطيفة التي تحتاج إلى صوف ناعم ودقيق. ولا يزال أهل البادية يصنعون خيامهم الشهيرة ذات اللون الأسود من شعر الماعز3، وقد كان عماد العبرانيين في نسجهم على الصوف وشعر الماعز والكتان4. وقد عرف البساط الضخم المنسوج من الوبر أو الصوف بـ"الأراخ"5، ويقال للفسطاط: "البلق"6.

وقد اشتهرت اليمن بالغزل والنسيج، وعرفت بإنتاج بعض البرد التي اختصت بها حتى عرفت بـ"البرد اليمانية"، وهي من الأنواع الغالية الثمينة التي لا يشتريها في العادة إلا المترفون والمرفهون. وقد جعل النبي في جملة ما يدفعه أهل الجزية الثياب عوضًا عن النقد، إن لم يكن في قدرة من فرضت عليه الجزية دفعها نقدًا7، كما عرفت بصنع "الحلل" الغالية. اشتهرت بجميع أنواع الغزل والنسيج، غزل القطن والصوف والحرير، وبأنسجة الصوف والقطن والحرير. وقد كان من عادة رؤساء اليمن لبس الملابس الثمينة والحلل الغالية المصنوعة في بلادهم،

1 المخصص "11/ 15"، تاج العروس "9/ 305".

2 Hastings، Dicti. Of the Bible، I، p. 479، Smith، vol.، I، p. 352

3 تويتشل "ص33".

4 Hastings، p. 873

5 شمس العلوم "1/ 71".

6 شمس العلوم "1/ 185".

7 "وعلى كل حالم: ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار وافٍ أو عوضه ثيابًا"، "إسلام بني الحارث بن كعب على يدي خالد بن الوليد"، ابن هشام "4/ 242"، "القاهرة 1926"، الطبري "3/ 158".

ص: 285

كما كانوا يصدرونها إلى الخارج لبيعها في مختلف أسواق بلاد العرب وفي العراق وبلاد الشام.

وعرفت دور النسيج في اللهجات العربية الجنوبية بـ"تعمت". وقد ورد في كتب اللغة: "عمت الصوف والوبر: لف بعضه على بعض مستطيلًا ومستديرًا حلقة فغزله". وورد: "يعمت الغزل"1.

وقد ازدهرت صناعة غزل القطن ونسجه في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في القرن السادس للميلاد2، فصارت صناعة الغزل والنسيج من أهم الموارد التي يتعيش عليها عدد كبير من الشعب، والتي تكون موردًا كبيرًا من موارد الدولة. وقد كان للملوك مغازل ودور نسيج تعمل لحسابهم ولهم، وقد عرفت دور النسيج الملكية بـ"تعمت ملكن"3، أي:"المنسج الملكي" و"دار النسيج الملكية".

وهناك لفظة أخرى في المسند للموضع الذي ينسج فيه وتغزل فيه الغزول، هي لفظة:"ح ل ل ت""حللت"، ويرى "رودو كناكس" أنها "حلالة"، وأما النساج، فيقال له:"أنم" في المسند4، وهو للمفرد والجمع5. وعندي أن المراد بـ"ح ل ل ت" "حللت": الحلة، والحلة عند علماء اللغة: إزار ورداء، بُردٌ أو غيره. وقيل: الحلل: الوشي والحبر والخز، وقيل: كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظ أو رقيق، وقيل: كل ثوب له بطانة، وعند الأعراب من ثلاثة أثواب: القميص والإزار والرداء6. فيراد بها الموضع الذي تعمل فيه الحلل.

1 "عمت يعمت عمتًا من حد ضرب كما هو مقتضى قاعدته: لف الصوف بعضه على بعض مستطيلًا ومستديرًا حلقة؛ ليجعل في اليد فيغزل بالمدرة.. والعميتة من الوبر كالغليلة من الشعر. ويقال: عميتة من وبر أو صوف كما يقال: سبيخة من قطن وسليلة من شعر. عمت الوبر والصوف: لفه حلقة فغزله كما يفعله الغزال الذي يغزل الصوف، فيلقيه في يده.. والاسم العميت

يعمت يغزل من العميتة، وهي القطعة من الصوف.... عمت فلان الصوف يعمته عمتًا: إذا جمعه بعدما يطرقه، وينفشه، ثم يعمته ليلويه على يده ويغزله بالمدرة

" تاج العروس "1/ 564 وما بعدها".

2 Von Kremer، Kulturgeschichte، II، S. 326

3 الفقرة الرابعة من النص الموسوم بـ: Glaser 1150، Halevy 192، 199

4 Rhodokanakis، Aitsab. Texte، I، S. 74

5 Rhodokanakis، Aitsab. Texte I، S. 27

6 تاج العروس "7/ 283 وما بعدها"، شمس العلوم "1/ 76".

ص: 286

وقد كانت بعض الحكومات تحتكر صناعة بعض أنواع النسيج، وذلك بصنع أنواع فاخرة منه لاستعمال الملوك، أو للإنعام به على الأمراء والكبراء ورجال الدين كالذي كان في مصر، ويوسم بسمة المعمل وبشعار الحكومة أو الحاكم؛ ليكون في علم الناس أنه من صنع الحكومة. وقد تبيعه الحكومة للناس، وتعد هذه الأنواع من النسيج من أفخر ما تنتجه المناسج، ويعرض في السوق.

وقد كان الملوك والكهنة والأغنياء المتأنقون بملابسهم، يرتدون أنسجة دقيقة مصنوعة صنعا خاصا بأيدٍ ماهرة متقنة لعملها، لا تصنع إلا الأنسجة الثمينة الغالية. ومن هذه الأقمشة ما كان يصنع من الكتان الخالص أو الصوف الناعم الرقيق، ومنه ما كان يصنع من الحرير الخالص أو المخلوط بمادة أخرى. وقد يقصب القماش بالذهب، يوشى به، كألبسة الملوك ورجال الدين الكبار الذين كانوا يرتدون ملابس موشاة ومطرقة في أثناء أدائهم الصلوات وإقامة الشعائر الدينية. وقد كان الملوك والكهان يستوردون الأقمشة الجيدة من أماكن أخرى اشتهرت بإتقانها وإجادتها صنع الأقمشة الجيدة، مثل بابل وبلاد الشام والهند ومصر وفارس وغيرها، لمثل هذه الأغرض1.

وقد اشتهرت منسوجات اليمن في كل مكان من جزيرة العرب، بجودتها وأناقتها، وظلت محافظة على سمعتها هذه إلى الإسلام، فكان أغنياء الحجاز وغيرها من جزيرة العرب يفتخرون بحصولهم عليها ويلبسونها خاصة في أعيادهم ومواسمهم. وكانت البرد المعروفة بـ"الحبر"، وهي برد موشاة مخططة، تعد من أثمن البرد اليمانية في القرن السادس والسابع الميلاديين، ولما قدم وفد نجران على الرسول كانوا يتوشحون بها. ولما توفي الرسول، ووضع مسجًّى في ناحية من البيت، وضعت عليه الحبرة2.

ويقال للثوب الجديد الناعم: "الحبير". وذكر أيضا أن الحبير البرد الموشى المخطط، وأن الحبرة ضرب من برود اليمن منمر، وبائعها حبري لا حبار3. وتعد "ثياب الحبرة" من الثياب الغالية الجيدة التي يلبسها الأغنياء والسادات،

1 Hastings، p. 874

2 المغرب "ص104"، جامع الأصول "7/ 478"، تاج العروس "3/ 118"، "حبر"، شمس العلوم "1/ 144"، الطبقات، لابن سعد "1/ 357".

3 تاج العروس "3/ 188"، "حبر"، الطبقات لابن سعد "1/ 357".

ص: 287

فلما قدم وفد نجران على النبي بالمدينة "فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير"1.

واشتهرت اليمن بـ"المراجل"، وهي ضرب من البرود2. وذكر بعض علماء اللغة أن البرد المُرجل، فيه صور كصور الرجال، وورد: ثوب مرجل بمعنى معلم3، وبرد مرحل أي: برد فيه تصاوير رحل، على تفسير بعض علماء اللغة. وورد المرحلات يعني المرط المرحلة، وهي الموشاة، وقد أشير إليها في كتب الحديث4. و"القيصران" وهو ضرب من الثياب الموشاة5، والعصب ضرب آخر من البرود اليمانية يعصب غزله ثم يصبغ ثم يحاك وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض لم يأخذه صبغ. وقيل: هي برود مخططة6، ويقال: ثوب مبرج، إذا كان ثوبًا ذا تصاوير7.

وقد عرفت "البُرد"، أنها أكسية يلتحف بها، وقيل: إذا جعل الصوف شقة وله هدب. وقيل: البرد من برود العصب والوشي، وأما البردة، فكساء مربع أسود فيه صغر تلبسه الأعراب، وإن البرد ثوب فيه خطوط وخص بعضهم به الوشي8.

واشتهر بلد المعافر بنوع من البرد والثياب، حتى قيل له: برد معافري وثوب معافري9. وأما "الشرعبية" فضرب من البرود10، وذكر أنها من الثياب الحارية، وإليها أشير في شعر امرئ القيس:

فلما دخلناها أضفنا ظهورنا

إلى كل حاري حديد مشطب11

1 الطبقات، لابن سعد "1/ 357".

2 المعرب "ص272"، جامع الأصول "4/ 408".

3 تاج العروس "7/ 335".

4 تاج العروس "7/ 341".

5 تاج العروس "7/ 342".

6 تاج العروس "1/ 383"، المغرب "2/ 45".

7 شمس العلوم "1/ 154".

8 اللسان "3/ 87"، النهاية في غريب الحديث والأثر "1/ 86".

9 تاج العروس "3/ 494".

10 اللسان "1/ 494".

11 العمدة، لابن رشيق "2/ 220".

ص: 288

وعرفت "صنعاء" بوشيها وبأنواع أخرى من النسيج1.

وعرفت اليمن بنوع من البرود سمي "عَصْبًا" لأن غزله يعصب، أي: يدرج، ثم يصبغ. وذكر أنها خاصة باليمن؛ لأنها تصبغ بالعصب، ولا ينبت العصب والورس إلا باليمن2. وقيل: العصب برود مخططة، اشتهرت بها اليمن3.

والمسندة والمسندية وأثواب سند: نوع من البرود اليمانية4. والثياب القدمية منسوبة إلى موضع باليمن5. وثوب "أكباس""أكباش" من برود اليمن6.

وهناك ضرب من البرود قيل له: "القطرية" والمفرد: "قطري". وكان الرسول متوشحًا بثوب قطري، كما كان على عائشة درع قطري ثمنه خمسة دراهم، وذكر أن البرود القطرية حُمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وأنها تأتي من "قطر" بسيف البحرين7.

وعرفت الأنسجة اليمانية المصنوعة من الكتان في كل مكان من جزيرة العرب، وقد كانت لباس الأغنياء والوجهاء. وتعطي أنسجة الكتان برودة خاصة في الصيف؛ ولهذا كانت رائجة في كل مكان. وقد كانت مصر ذات شهرة خاصة في تصدير أنسجة الكتان، فقد كان كتانها لطيفًا ناعمًا؛ ولهذا بيع بثمن مرتفع. وذكر علماء العربية أن الكتان لفظة عربية النجار، سمي بذلك لأنه يُخيس ويلقى بعضه على بعض حتى يكتن8.

و"البرجد"، كناية عن كساء ضخم مخطط، وقد ذكر في شعر طرفة9. وذكر أنه كساء من صوف أحمر10.

والعباءة، هي مقابل "س م ل هـ""سملة""شملة" عند العبرانيين

1 نهاية الأرب "1/ 369".

2 اللسان "1/ 604"، الروض الأنف "1/ 71".

3 تاج العروس "1/ 383"، "عصب".

4 اللسان "3/ 223".

5 اللسان "12/ 472".

6 اللسان "6/ 339".

7 اللسان "5/ 106".

8 اللسان "13/ 355".

9 شرح المعلقات، للزوزني "ص48""دار صادر"، شمس العلوم "ج1 ق1 ص149".

10 تاج العروس "2/ 301"، "البرجد".

ص: 289

و"Himation" عند اليونان1، وتلبس فوق الألبسة. ويكون بعضها ثقيلًا يصنع من الوبر أو الصوف، ويستعمل في الشتاء خاصة وفي الأوقات الباردة، وبعضها خفيفًا، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز، وتستعمل في الأوقات التي لا يكون فيها البرد شديدا وفي أيام الصيف. وقد يستلقى عليها الإنسان، فتكون بمثابة فراش له. وقد تصنع العباءة من قطعتين من القماش، وقد تصنع من قطعة واحدة، وهي أحسنها وأغلاها. وتكون عباءة الأغنياء والرؤساء من قماش جيد منسوج نسجا خاصا، محلاة في الغالب من ناحية العنق والصدر والجهة العليا من اليدين بخيوط من الحرير أو الذهب يروفها "الروَّاف"، بأشكال متعددة، فيختلف سعرها لذلك باختلاف الجهد الذي بذله الرواف في تطريزها وفي زخرفتها.

وتصنع أحسن العباءات من الوبر2، وقد تفنن فيها، وتخصصت بعض الأماكن بنسجها. ولا تزال هذه الصناعة باقية تدرُّ على أصحابها ربحًا يتعيشون منه، كما تصنع من أوبار الجمال أشياء أخرى عديدة. على أن القرن العشرين قد علّم سكان الجزيرة تصدير الوبر إلى الخارج، إلى المعامل الحديثة لاستعماله مع الأصواف في صناعة الغزل والنسيج.

والشملة: كساء دون القطيفة يشتمل به كالمشمل. والمشملة عند العرب مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفق لفقين، فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل. وقيل: المشملة والمشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة، واشتمل الثوبَ: أداره على جسده كله حتى لا تخرج منه يده3.

وقد ذكر أن الجاهليين كانوا يستوردون الجبب والأردية والأقمصة والأقمشة من بلاد العرب والشام، وكانت غالية الثمن وذات قيمة عندهم؛ لحسن صنعتها وإتقان قماشها. وقد كانت للرسول جبة من صنع بلاد الشام4، وكان له طيلسان مدبج، أي: منقوش الأطراف بالديباج5. وفي جملة ما استورد من مصر من ألبسة

1 Hastings، Dict. Of the Bible، vol، I، p. 625، Gastings، a dictionary of Christ and the Gospels، vol، I، p. 498، ff

2 تويتشل "الصفحة 32"، اللسان "118"، المخصص "4/ 118".

3 تاج العروس "7/ 397"، "شمل".

4 عمدة القاري "21/ 303"، "والجبة: ثوب من المقطعات يلبس"، تاج العروس "1/ 173".

5 المغرب "ص174".

ص: 290

وثياب، القباطي وهي ثياب بيض دقيقة رقيقة تتخذ بمصر1، والقسيّ وهي ثياب منسوجة من كتان وإبريسم مضلعة، تصدر من مصر، من قرية تسمى القسي فنسبت إليها.

وقد بقيت مصر تصدر القباطي حتى في الإسلام. وذكر علماء اللغة أن القباطي والثياب القبطية منسوبة إلى القبط، أهل مصر الخلص من ولد القبط بن حام بن نوح على رأي بعض النسابين، أو من ولد قبط بن مصر بن فوط بن حام على رأي فريق آخر. وذكر أن لفظة قبطية وردت في شعر لزهير، هو هذا البيت:

لِياح كأن بالأتحمية مسبع

إزارًا وفي قبطية متجلبب2

وورد ذكرها في بيت شعر آخر ينسب له أيضًا، هو3:

ليأتينك مني منطق قذع

باق، كما دنس القبطية الودكُ

وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، فقد ذكر أن الرسول كسا "أسامة" قبطية4.

وأشير إلى ثياب بيض قيل لها: "القبطرى". وزعم بعض علماء اللغة أن في الكلمة غلطًا، وأن الراء زائدة5.

وعرفت بعض الثياب بـ"الأنماط"، جمع:"نمط"، وهي الثياب المصبغة، وفي حديث "ابن عمر" أنه كان يجلل بدنه بالأنماط. وذكر أن الأنماط ضرب من البسط، له خمل رقيق6.

1 المغرب "2/ 107"، جامع الأصول "4/ 395"، اللسان "7/ 373".

2 تاج العروس "5/ 200".

3 اللسان "7/ 373".

4 المصدر نفسه.

5 اللسان "7/ 373".

6 قال المتنخل:

علامات كتحبير النماط

اللسان "7/ 417 وما بعدها".

ص: 291

ويقال للنمط الزوج كذلك، وقيل: الزوج: الديباج واللون1.

وأما السبج، فالسبجة درع عرض بدنه عظمة الذراع، وله كُمّ صغير نحو الشبر، تلبسه ربات البيوت. وقيل: هي بردة من صوف فيها سواد وبياض، وقيل: ثوب له جيب ولا كمَّين له، يلبسه الطيَّانون. وقيل: هي مدرعة كمها من غيرها، وقيل: كساء أسود، أو القميص. وهي لفظة معربة أصلها بالفارسية "شبي"، وذكر أن "السباج" ثياب من جلود2.

وقد كانت بعض الثياب المستوردة من بلاد الشام ومصر ومن الأرضين التي تسودها أكثرية نصرانية -ترد وعليها صلبان منسوجة. فلما جاء الإسلام، وأمر بطمس الصلبان، وكان الرسول إذا رأى الصليب في ثوب قضبه وقطع موضعه أو نقشه3.

وإذا كان الحرير المعروف بـ"الخسرواني"، معروفًا حقًّا عند الجاهليين، فإنه يدل على أنه كان مستوردًا من العراق، بدلالة اسمه عليه. ويذكر علماء اللغة أنه منسوب إلى الأكاسرة، وأنه حرير رقيق حسن الصنعة4.

ولفظة "حرير" من الألفاظ المستعملة في العربية، غير أن من الصعب تعيين أصلها. وقد ذكر "سترابون" أن اليونان أخذوا الحرير من الهنود؛ ولذلك أطلقوا عليه لفظة أخذوها من اسم أحد الشعوب الهندية، أما العبرانيون فقد أطلقوا عليه لفظة "مسى"5. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "سريقوم" "Sericum" الواردة في النصوص الكلاسيكية تعني الحرير الخام، ووردت في العبرانية لفظة "دمشق" "Demeshek"، يرى بعض العلماء أنها تعني حريرًا دمشقيًّا،

1 قال الأعشى:

وكل زوج من الديباج يلبسه

أبو قدامة، محبو بذاك معا

وقال لبيد:

من كل محفوف، يظل عصية

زوج، عليه كله وقرامها

اللسان "2/ 293".

2 اللسان "2/ 294".

3 المعرب "ص305".

4 المعرب "ص135"، "والخسرواني "بضم الأول والثالث": شراب ونوع من الثياب كالخسروي. قال الزمخشري: منسوب إلى خسروشاه من الأكاسرة"، تاج العروس "3/ 176".

5 اللسان "4/ 184"، Hastings، vol. I، p. 624. "1910"

ص: 292

أي: معمولًا بدمشق. وذهب آخرون إلى أن اللفظة محرفة من لفظة "دمقس" الواردة في العربية، ويراد بها نوع من الحرير أو الحرير الخام1. والديباج من الثياب المعمولة من الحرير، واللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة2.

ومن الثياب والأقمشة التي تحمل اسمًا معربًا "الدخدار"، وهو كما يقول "الجواليقي" "تخت دار" بالفارسية. وذكر أنه ورد في هذا البيت المنسوب إلى عدي بن زيد العبادي:

تلوح المشرفية في ذراه

ويجلو صفح دخدار قشيب3

وأشير إلى "الديباجة" في شعر "حسان بن ثابت"، ويراد بها الثياب المتخذة من الإبريسم4.

وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سندس"، وذهب العلماء إلى أن المراد بها رقيق الديباج. وذكر بعضهم أنه ضرب من "البزيون" يتخذ من المرعزاء، واللفظة من الألفاظ المعربة5.

وأما الإستبرق، فإنه ما خشن من الديباج على رأي بعض العلماء، وأصله من الفارسية، فهو من المعربات6.

وكان الأغنياء وسادات القبائل يلبسون الألبسة المنسوجة من الحرير، وهي ثمينة غالية، يستوردونها من الخارج، وينسج بعض منها في اليمن. وقد نهى

1 Smith، Dicti. Of the Bible، vol. II، p. 1310 f

2 المعرب "ص140"، تاج العروس "2/ 37"، المخصص "4/ 76".

3 المعرب "ص141"، "الدخدار، بالفتح: ثوب أبيض مصون، أو أسود. وقد جاء في الشعر القديم، وهو معرب تخت دار، فارسية، أي: يمسكه التخت، أي: ذو تخت. وقال بعضهم: أصله تختار، أي: صين في التخت، والأول أحسن"، تاج العروس "3/ 203".

4 البرقوقي "ص146"، تاج العروس "2/ 37"، "دبج".

5 المعرب "ص177"، "السندس "بالضم": البزيون

وقال الليث: إنه ضرب من البزيون، يتخذ من المرعزي، أو ضرب من البرود. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عمرو رضي الله عنه بجبة سندس. قال المفسرون في السندس: إنه رقيق الديباج ورفيعه، وفي تفسير الإستبرق: غليظ الديباج، ولم يختلفوا فيه. معرب بلا خلاف عند أئمة اللغة"، تاج العروس "4/ 168".

6 اللسان "10/ 5"، المخصص "4/ 76".

ص: 293

الإسلام عن لبس الحرير؛ لما في ذلك من ترف يميت الرجولة، ومن تشبُّه بمترفي العجم، ومن تأثير يتركه استعماله في نفوس الفقراء.

ومن أنواع الثياب الجيدة المصنوعة من القز الأبيض "الدمقس"، وهو ناعم، وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة القديمة الواردة في شعر لامرئ القيس1. ويرى بعض الباحثين أن الدمقس تحريف "مدقس" وهو الحرير الأبيض، وأن أصلها يوناني هو: ""Metaxa2.

ويعرف الحرير الجيد بالسَّرق، وقيل: السرق: شقق الحرير أو الأبيض أو الحرير عامة. وذهب بعض العلماء إلى أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها سَرَه أي: جيد. وقد ورد في الحديث: "إنك في سرقة من حرير"، أي: قطعة من جيد الحرير3. ويقال للسرق: "سريكون" "Sirikon" "Sericum" في اليونانية4، ويراد بها الحرير عامة، ومن هذا الأصل جاءت لفظة "السرق" على ما أرى.

ويعرف الحرير بـ"مشى" و"دمشق" في العبرانية، وقد ذهب بعض علماء التوراة أن للفظة "دمشق" صلة بدمشق الموضع المعروف، ودمشق من المواضع المشهورة منذ القديم بنسج الحرير. وذهب آخرون أنها من أصل "دمقس"، تحرف فصار "دمشق" ولا علاقة لها بدمشق، وأما لفظة "حرير"، فتعرف بـ"Sericum" عند اليونان واللاتين كما ذكرت. أما لفظة "حرير" المستعملة في العربية، فإن من الصعب تعيين أصلها والوقت الذي ظهرت فيه5.

والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وقيل: إنه الثياب المعمولة من

1

فظل العذارى يرتمين بلحمها

وشحم كهداب الدمقس المفتل

المعرب "ص151"، "الدمقس "كهزبر": الإبريسم أو القز

أو الديباج أو الكتان

والدمقس والمدقس مقلوب

وثوب مدمقس منسوج به"، تاج العروس "4/ 154 وما بعدها".

2 غرائب اللغة "ص258".

3 تاج العروس "6/ 379"، المعرب "ص182"، المخصص "4/ 68".

4 غرائب اللغة "ص259".

5 Smith، A dict. Of the Bible، vol. III، p. 1310 f. Hastings، Dict. Of the Bibl، vol. I، p. 624

ص: 294

الإبريسم1، وقيل: إنه الحرير2. وذكر علماء اللغة أن "اللاذ" ثياب من حرير تنسج بالصين، وأن "الإضريج" الخز الأصفر، وأن المطرف ثوب مربع من خزّ له أعلام3.

وربما كان "الديبوذ" و"الديابوذ" من الثياب التي وصلت إلى الحجاز، من الاتصال التجاري بالعراق. واللفظة من المعربات؛ ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ الفارسية الأصل، وأن المراد بها ثوب ذو نيرين، وأورد شعرًا للأعشى جاءت فيه هذه اللفظة4.

وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سرابيل" جمع: "سربل". وذكر علماء اللغة أن "السربال" القميص من أي جنس كان5، ووردت السربال في شعر منسوب إلى الأعشى:

مقلص أسفل السربال معتمر6

وفي هذا المعنى لفظة "سروال" والجمع: "سراويل"، والسربال هو "سربالين""س ر ب ل ي ن" في العبرانية7. وهو أيضا "السروال" في العربية و"الشروال" من أصل فارسي. وقريب من السربال والسروال "اللباس" الطويل المستعمل عند أهل القرى والفلاحين وبين كثير من أهل المدن في الوقت الحاضر، يشد عند

1 اللسان "5/ 345"، تاج العروس "4/ 33".

2 المخصص "4/ 68".

3 المخصص "4/ 68".

4 المعرب "ص138 وما بعدها"، "الديبوذ: ثوب ذو نيرين

معرب، فارسيته دوبوذ "بالضم"، ونقله الجوهري عن أبي عبيدة، وأنشد بيت الأعشى يصف الثور:

عليه ديابوذ تسربل تحته

أرندج إسكاف يخالط عظلما

تاج العروس "2/ 562".

5 المفردات "ص228".

6 برصوم: الألفاظ السريانية "ص258"، "السربال، بالكسر: القميص أو الدرع أو كل ما لبس فهو سربال، والجمع سرابيل، قال الله تعالى:{وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} . ومنه قول كعب بن زهير:

شم العرانين أبطال لبوسهم

من نسج داود في الهيجا سرابيل

وقد تسربل به، وسربلته إياه: ألبسته السربال. ومنه حديث عثمان -رضي الله تعالى عنه-: "لا أخلع سربالًا سربلنيه الله تعالى". السربال: القميص، وكنى به عن الخلافة"، تاج العروس "7/ 374".

7 Hastings، Dict. Of the Bible، vol. I، p. 625 f

ص: 295

الخصر ثم يعرض وينتهي بفتحتين ضيقتين لدخول الرجلين منهما. ولا زال "الشروال" مستعملًا بين الإيرانيين والأكراد وفي بلاد الشام، وقد ذكر علماء اللغة أن السروال لفظة معربة من أصل فارسي. وورد في حديث أبي هريرة:"أنه كره السراويل المخرفجة" أي: "الواسعة الطويلة"1، وقد اشتهر الفرس بلبس السراويل. والظاهر أن الرسول كره السراويل الواسعة الطويلة؛ لأنها كانت من سنة الأعاجم، فأراد عدم التشبه بهم. وأما القميص، فقد يقال له:"الدرع" والسربال2.

وأما "القز""القهز"، فهما ثياب صوف كالمرعزي وربما خالطها الحرير3. وأما "الزازفية"، فثياب بيض من كتان4. وأما "الخنف" فما غلظ من الثياب5.

ومن الأكسية "الجودياء"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة عن أصل فارسي أو نبطي، وذكروا أن الأعشى تصرف بها في شعره فجعلها "أجياد"6.

وهناك نوع من أنواع القمصان أو البرد المنسوجة من الصوف فيها سواد وبياض، يقال لها:"سبيج""السبيج" و"السبجة" و"السبيجة". وقد ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة7.

والطيلسان من الألفاظ المعربة، ويراد بها: ثوب يلبس على الكتف، أو ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خالٍ من التفصيل والخياطة. وذكر أيضا أنه كساء مدور أخضر، لا أسفل له، لحمته أو سداه من صوف8. وقد اشتهرت

1 اللسان "11/ 334".

2 اللسان "7/ 82"، "11/ 325".

3 المخصص "4/ 68".

4 النهاية في غريب الحديث "1/ 83".

5 النهاية "1/ 4".

6 "والجودياء "بالضم": الكساء، نبطية أو فارسية، وعرَّبها الأعشى فقال:

وبيداء تحسب آرامها

رجال إياد بأجيادها

وأنشد شمس لأبي زبيد الطائي في صفة الأسد:

حتى إذا ما رأى الأنصار قد غفلت

واجتاب من ظله جودي سمور

قال: جودي بالنبطية هي جودياء، أراد: جبة سمور"، تاج العروس "2/ 328"، المعرب "ص111 وما بعدها".

7 المعرب "ص182"، تاج العروس "2/ 56".

8 المعرب "ص227"، المغرب "2/ 16".

ص: 296

الفرس بلبسه، ويسمى عندهم بـ"تالسان"، حتى استعمل العرب جملة:"يابن الطيلسان" أي: يابن الأعجمي في الشتم، وذلك من تطلسهم به1.

والساج: الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقوَّر ينسج كذلك، وقيل: هو طيلسان أخضر. وفي حديث ابن عباس، أن النبي، كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر، جمع: ساج، وهو الطيلسان الأخضر، وذكر "ابن الأعرابي" السيجان: الطيالسة السود2.

و"الشوذر" من الألفاظ المعربة القديمة على رأي بعض العلماء، ويراد بها الملحفة والإزار3.

وقد اشتهرت اليمن بصنع الأزر، واشتهرت بهذه الصناعة مواضع أخرى. وقد كان العراق يصدر الأزر إلى جزيرة العرب، واشتهرت أزره عند العبرانيين، فأطلقوا عليها "أزرت شنعار""أزرت شنعر"، أي:"أزر شنعار"، ويريدون بشنعار ما يقال له أرض بابل. وهو من نسيج جيد مبروم، وقد عرفت بـ"لُبلتي برمة""Lubulti birme"، وعرف النساج الذي اختص بهذا النوع من الأزر بـ"أشبر برمي"""Ushbar Birmi4.

و"القهز" و"القهزى": ثياب بيض يخلطها حرير، وهي من الألفاظ المعربة. وذكر بعض علماء اللغة أن الأصل الفارسي هو "كهزانة"5.

والخميصة: ثوب أسود معلم من خز أو صوف، وأما الأنبجانية فكساء له خمل، وقيل: الغليظ من الصوف. والفروج: القباء له فرج من وراء أو من أمام، وأما المِرط فالكساء يُتغطَّى به6.

ومن أنواع الثياب "القباء"، وقد ذكر بعض العلماء أن اللفظة فارسية الأصل معربة7.

1 تاج العروس "4/ 179".

2 اللسان "2/ 302 وما بعدها".

3 المعرب "ص205"، "والشوذر: الملحفة معرب، فارسيته: جادر"، تاج العروس "3/ 294".

4 Hastings، Dict. Of the Bible، vol. I، p. 230

5 المعرب "ص263"، "ثياب تتخذ من صوف أحمر كالمرعزي، وربما يخالطه الحرير. وقيل: هو القز بعينه، وأصله بالفارسية: كهزانة"، تاج العروس "4/ 72".

2 جامع الأصول "7/ 496".

7 المعرب "262"، تاج العروس "10/ 286 وما بعدها".

ص: 297

و"النرمق": ثياب لينة بيض، وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأصلها "نرمة"1. وأما "النمرق" و"النمرقة"، فالوسادة أو الميثرة والطنفسة2.

ولاحتياج الإنسان إلى الملابس في كل زمن، كانت حرفة الغزل والحياكة يحترفها كثير من الناس وتعيش عليها أسر عديدة. ويمكن عدها من أهم الحرف في ذلك العهد، وعد العمال المشتغلين بها أكثر من عمال الحرف الأخرى عددًا، ولم يكن المتعاطون لهذه الحرف هم أصحاب معامل النسيج، ولكن أصحابها الأغنياء والمتمولون. أما المشتغلون بها، فعمال يشتغلون فيها بأجر يتقاضونه، ومنهم من كان رقيقًا مملوكًا يعمل لحساب سيده ومالكه، في مقابل قيامه بأوده، والقليل من العمال من كان يملك مصانع نسيج، تعمل له وتدرُّ الربح عليه.

بل كان الملوك يشاركون الشعب في امتلاك دور النسيج وينافسونهم في الإنتاج. وفي نصوص المسند إشارات عديدة إلى دور الحياكة والنسيج الملكية، وإلى إنتاجها واشتغالها، ولا يستبعد احتكارهم لها أو احتكار صناعة بعض الأنواع من النسيج وبيع الأقمشة، وقد علمنا في الجزء السابق من هذا الكتاب أن البطالمة كانوا قد احتكروا بيع أنواع معينة من النسيج وصناعتها. وقد ظل احتكار حكومات مصر لأنواع معينة من النسيج معروفًا إلى الإسلام، تنسجها في معاملها ولا تسمح للأهلين بإنتاجها، كما فعل ذلك غير المصريين أيضًا. فصناعة النسيج صناعة مهمة ذات أرباح وفوائد، وهي من أهم الصناعات في المجتمع. ولأرباحها هذه ولكونها موردًا مهمًّا، فكرت بعض الدول في احتكارها؛ للحصول على أرباحها، كما تفعل الدول في الزمن الحاضر في احتكار بعض الصناعات والمناجم وبعض المصالح العامة مثل: سكك الحديد أو التليفون والبرق وغير ذلك؛ لتكون موردًا يموِّن الدولة بالمال.

ومن أسماء القطن "الطوط"، وقيل: الطوط: قطن البردي. وورد في شعر لأمية بن أبي الصلت:

والطوط نزرعه أغن جراؤه

فيه اللباس لكل حول يعضد3

1 المعرب "ص333 وما بعدها"، تاج العروس "7/ 75".

2 تاج العروس "7/ 81".

3 تاج العروس "5/ 179"، "طوط".

ص: 298

ولم يقتصر عمل الحائك على حياكة الأقمشة ونسجها وحدها، بل شمل عمله كل شيء يحاك، مثل: البسط والطنافس والسجاجيد و"الدرانك" التي هي نحو من الطنافس والبسط، ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات. وذكر بعض العلماء أن "الدرنوك" و"الدرموك" ضرب من الستور والفرش، يكون فيها الصفرة والخضرة، وقال بعض آخر: إنه ضرب من الثياب له خمل قصير كخمل المناديل، وبه شبه فروة البعير، وورد أنه الطنفسة والبسط ذات الحمل، وقد تكون كبيرة تفرش البيت1. والأنماط، وهي ضرب من البسط2، وضرب من الثياب المصبغة، وثياب من صوف تطرح على الهودج3، والنساجة وهي ضرب من الملاحف المنسوجة4. والقطيفة وهي دثار مخمل، وقيل: هي كساء مربع غليظ له خمل ووبر5، والوسادة وهي المخدة6. والنمرقة وهي الوسادة، وقيل: الصغيرة منها، أو هي الميثرة، وتوضع على الرحل كالمرفقة، غير أن مؤخرها أعظم من مقدمها، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل7.

وهناك حرفة أخرى لها علاقة بالنساجة والحياكة، هي الخياطة8. وحرفة الخياط تحويل الأقمشة إلى كسوة، وصنع الثياب والعمائم بتفصيل القماش وقصه ثم خياطته على وفق القياس المطلوب. وهي حرفة تروج في المدن، أما في البادية، فتقوم المرأة بعمل الضروريات، ويلتجئ الرجال إلى القرى والمدن في شراء ما يحتاجون إليه من ثياب. ونجد بين أسماء الثياب ما هو معرب، مما يدل على أنه منقول مستورد، وأن الخياطين الجاهليين قد رأوه فقلدوا صنعه.

كذلك نجد بين أسماء أجزاء الثوب أسماء معربة. فذكر علماء اللغة أن "الدخريص" و"التخريص" من المصطلحات المعربة، وأن أصلها فارسي، وهي تعني "البنيقة" و"اللبنة". وقد وردت "الدخارص" في شعر منسوب إلى الأعشى9.

1 المعرب "ص152"، تاج العروس "7/ 129".

2 جامع الأصول "4/ 395"، تاج العروس "5/ 234".

3 المعرب "2/ 231"، تاج العروس "3/ 234".

4 جامع الأصول "4/ 399".

5 المغرب "2/ 128"، تاج العروس "6/ 224".

6 جامع الأصول "4/ 402"، تاج العروس "2/ 534".

7 تاج العروس "7/ 81".

8 تاج العروس "5/ 131".

9 المعرب "ص143 وما بعدها"، تاج العروس "4/ 393"، "6/ 300".

ص: 299

ويعبر عن "الخياط" بلفظة "درز"، و"بنو درز" الخيَّاطون والحاكة1. و"الخِياط": الإبرة2، والإبرة: هي التي يخاط بها، وذلك بإدخال الخيط في سمّها، أي: في ثقب الإبرة، وتخييط ما يراد تخييطه بها، والخياطة صناعة الخائط3. ويقال للذي يسوي الإبر: الأبَّار4، و"السم": الثقب، ومنه "سم الخياط"، أي: سم الإبرة5.

ومن أسماء الخياط: "القراريّ". قال الأعشى:

يشق الأمور ويجتابها

كشق القراري ثوب الردن6

ويعبر عن خياطة الخياط الثوب خياطة متباعدة بـ"شمج" و"شمرج"، وذلك بأن يباعد بين الغرز. و"الشمرج": الرقيق من الثياب وغيرها7.

ويعبر عن الخيط بلفظة "السلك" و"السلكة"8.

والثوب: اللباس9، وهو ما يلبس10؛ ولذلك فهما من الكلمات العامة التي تطلق على أشياء عديدة. وقد اشتهرت بعض الثياب بكونها ثيابًا رقاقًا، منها "السبوب" والسب: الشقة البيضاء، وكذلك الخمار. و"الشف"، وهو الثوب الرقيق، و"اللهلة" و"النهنة": الثوب الرقيق النسج، وثوب هلهل وهلهال: رقيق النسج، وهو المتدارك النسج11.

والمواد التي يستعين بها الخياط في صنع الثياب والأكسية هي الأنسجة المصنوعة من القطن أو الحرير أو الكتان أو الأصواف أو الشاش أو البز أو الكرباس.

1 اللسان "5/ 348".

2 بكسر الخاء.

3 اللسان "5/ 298 وما بعدها".

4 اللسان "4/ 4".

5 اللسان "12/ 303".

6 اللسان "13/ 177".

7 اللسان "2/ 308 وما بعدها".

8 اللسان "5/ 298"، "10/ 443".

9 اللسان "1/ 245".

10 القاموس "2/ 248".

11 المخصص "4/ 63".

ص: 300

ولفظة "قطن" من الألفاظ التي يصعب تعيين أصلها، وقد ذهب كثير من الباحثين إلى أنها من أصل هندي. وفي التوراة لفظة "كربس""Karpas"، أي: الكرباس، فسرها علماء التوراة بمعنى "قطن"، ولفظة "كرباس" معروفة في العربية، وهي من الألفاظ المعربة المعروفة عند الجاهليين، وترد في لغة بني إرم وفي العبرانية واليونانية واللاتينية. وقد ذهب بعض العلماء أنها من أصل سنسكريتي وأنها تعني شجرة القطن، وقد ذكرت اللفظة في تأريخ "هيرودوتس"، وعرفها اليونان الذين كانوا في حملة الإسكندر الكبير، ودعوها "Carbasus" و"Carbasina". وقد أشار إلى القطن "هيرودوتس" و"سترابو" وصاحب مؤلف "Periplus maris Erythr" و"لوقان""Lucan" و"Quintus Curtius" وأشاروا إلى صلتها بالهند1. واللفظة من الألفاظ الواردة في الفارسية أيضًا، وذهب علماء العربية إلى أن الكرباس ثوب من القطن الأبيض، معرب عن الفارسية2. وفي حديث عمر: "وعليه قميص من كرابيس" جمع: كرباس، وهو القطن3.

ومن أسماء القطن الخرفع والخرنع، وذكر أن "الطوط" هو قطن البردي4.

والبز عند علماء العربية: الثياب، وقيل: ضرب من الثياب، وقيل: البز من الثياب: أمتعة البزاز، والبزاز: بائع البَز وحرفته البزازة، والبِزَّة: الهيئة والشارة واللبسة5، وذكر أن "البز" ضرب من برود اليمن6.

واللباس والألبسة والملبس: كل ما يلبس7، والكسوة: اللباس أيضا، والكساء: واحد الأكسية8. وقد عرفت لفظة الكسوة في العربيات الجنوبية كذلك؛ إذ وردت في بعض النصوص: "كسوت" "كشوا" "كشوي"9. وذكر علماء العربية أن الكساء الذي لا بطانة له، يقال له:"كساء سمط"10.

1 Ency. Bibli، vol. I، p. 915، Hastings، Diction. Of the Bible، vol. I، p. 623، Smith، Dict. Of the Bible، vol، I، p. 360

2 القاموس المحيط "2/ 93"، تاج العروس "4/ 231".

3 اللسان "6/ 195".

4 المخصص "4/ 69".

5 اللسان "5/ 312".

6 المعاني الكبير "3/ 1175".

7 اللسان "6/ 202 وما بعدها".

8 اللسان "15/ 223 وما بعدها".

9 Mahram، p. 439

10 اللسان "7/ 324".

ص: 301

وفي العبرانية لفظة "بجد" وتقابل "بجاد" و"بجد" في العربية، وتعني: اللباس عامة من دون تمييز. أما لفظة "لبوش"، فهي من أصل "لبس"، وهي في معنى "لبوس" و"لبس" في العربية1، والبجاد عند العبرانيين من الألبسة التي تستعملها الطبقات الراقية2.

وذكر علماء العربية أن البجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب، وقيل: إذا غزل الصوف بسرة ونسج بالصيصة، فهو بجاد. ويقال للشقة من البجد: قليح وجمعه "قلح"، وقيل: البجاد: الكساء3، وقيل: إنه من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة4.

ومن أنواع الأكسية "المشملة": كساء يشتمل به دون القطيفة، وذكر المشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. وورد في الحديث: "ولا تشتمل اشتمال اليهود"، وهو افتعال من الشملة، وهو كساء يتغطى به ويتلفف فيه، والمنهي عنه هو التجلل بالثوب وإسباله من غير أن يعرف طرفه5. وهو "سملة" "simlah" و"salmah" عند العبرانيين.

و"البرنس": كل ثوب رأسه منه ملتزق به دُرَّاعة كان أو ممطرًا أو جُبّة، وذكر أن "البرنس" قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. وهو من "البرس"، القطن6، وعرف بهذه التسمية أيضا عند العبرانيين7.

والملاءة: الريطة، وهي الملحفة والإزار8. وذكر أن الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، وقيل: الريطة: كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد، وقيل: هو كل ثوب لين دقيق، والرائطة: المنديل9.

1 Ency. Bibli، Vol. I، p. 1135. f

2 The Bible Dictionary، I، p. 30

3 اللسان "3/ 77".

4 شرح المعلقات العشر، للتبريزي "ص77".

5 اللسان "11/ 369".

6 اللسان "6/ 26".

7 The Bible Dictionary، I، p. 96

8 اللسان "1/ 160".

9 اللسان "7/ 307".

ص: 302

والإزار: الملحفة، والمئزرة: الإزار1، والرداء: الذي يلبس، والجمع: أردية2. وذكر أن المئزر من الصوف أو الشعر يؤتزر به، فإذا أنفق فهو "شملة" يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل3.

والردن: الكُمّ، يقال: قميص واسع الردن. وذكر أن الردن مقدم كمّ القميص، وقيل: هو أسفله، وقيل: هو الكم كله4.

ويصنع الخياط الهمايين جمع: "الهميان"، ويراد به الحزام وبه كيس تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط. وقد يصنع من الجلود أيضًا، وهو من الألفاظ المعربة من الفارسية5.

أما "الكيس"، فهو لحفظ ولخزن ولحمل الأشياء، ويعرف بـ"كيس" في العبرانية كذلك، وقد يصنع من الجلد. وأما "الخريطة"، فإنها "خريط" في العبرانية، وتحفظ فيها الأشياء الثمينة، وقد تحلى وتزخرف. وأما "الصرة"، وهي "صرور" في العبرانية؛ فلصر الأشياء6. ولا تزال هذه الأسماء مستعملة معروفة.

والجاهليون مثل عرب الإسلام في اختلاف ملابسهم، فقد كان ملابسهم تختلف باختلاف منازلهم ودرجاتهم. فللشرفاء والوجهاء أهل المدن والقرى لبس خاص يميزهم عن الطبقات الدنيا من الناس، وللتجار لبس خاص بهم. أما الأعراب، فكانوا يتميزون أيضًا بطريقة لبسهم عن أهل المدن والقرى، ثم إنهم عمومًا كانوا يختلفون في ألبستهم باختلاف أمكنتهم وبحسب درجة اتصالهم واختلاطهم بالأعاجم. فقد كان عرب العراق قد تأثروا بألبسة الفرس وبألبسة بني إرم، فأخذوا منهم، وتأثر عرب بلاد الشام بالروم، فأخذوا منهم بعض ملابسهم،

1 اللسان "4/ 16 وما بعدها".

2 اللسان "14/ 316 وما بعدها".

3 الأغاني "1/ 372".

4 اللسان "13/ 178".

5 المعرب "ص346"، "والهميان دخيل معرب. والعرب قد تكلموا به قديمًا، فأعربوه، ويقال له: هميان أعجر، وهمايين عجر. وقد جاء ذكر لفظ الجمع في حديث النعمان يوم نهاوند: تعاهدوا هماينكم في أحقيكم وأشساعكم في نعالكم"، تاج العروس "9/ 367 وما بعدها".

6 Hastings، Dict. Of the Bible، Vol. I، p. 231

ص: 303

حتى أسماءها، احتفظوا بها، وقد حفظتها لنا كتب الإسلاميين، وبعضها لا تزال حية نستعملها هذا اليوم. ولا تختلف ألبسة الرأس المعروفة عند الجاهليين عن ألبسة الرأس المستعملة بين الأعراب وفي قرى جزيرة العرب، فقد اقتضت طبيعة الصحراء أن يحمي الجاهلي رأسه بألبسة واقية تقيه من أذى أشعة الشمس المحرقة، ومن الرمال التي تذرها العواصف في العيون وفي الأنوف. فأوجد لنفسه ألبسة رأس مناسبة له ولبساطة حياته، فستر رأسه بقطعة قماش مربعة الشكل في الغالب، تمتد على أطرافه ليتلثم بها وقت ظهور العواصف وارتفاع الرمال، أو وقت ظهور السموم، فيحمي نفسه منها ومن العطش، كما يحمي مؤخر رأسه من أشعة الشمس، ولتحميه من البرد في الشتاء كذلك. ويضع فوق هذه القطعة عقالًا، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز أو الوبر؛ ليمسك قطعة القماش فلا تسقط. وتعرف قطعة القماش هذه بالكوفية وبـ"الكفية" في الوقت الحاضر، ويقال لها وللعقال:"الكفية والعقال" و"الكوفية والعقال" في اصطلاح المحدثين.

أما عرب بلاد الشام، فقد كانوا يضعون لبادًا فوق رأسهم، مصنوعًا من مادة مضغوطة من الصوف أو الوبر، يشبه ما يسمى بـ"العرقجين" في العراق "العرقية"، يلف حوله بقماش مختلف الألوان، قد يمتد أحد طرفيه؛ ليستعمل لثامًا للوجه وسترًا للرقبة، وهو زي الفلاحين والرعاة.

والعمامة من لباس الرأس عند الجاهليين. "والعرب تقول للرجل إذا سُوّد: قد عمم. وكانوا إذا سوّدوا رجلًا عمموه عمامة حمراء، وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له: متوج"1. ويقال لها: "السبائب" كذلك، والعمامة: "السُّب"2.

وعادة صبغ الثياب، من العادات المعروفة عند العرب قبل الإسلام. وكانوا يستعملون في ذلك أصباغًا مختلفة، كالقرف وهو قشور الشجر، والجذور يستخرجون ما فيها من مادة ملونة لصبغ ما يضعونه فيها من ملابس، والأصباغ المستخرجة من بعض النباتات3. ولألوان العمائم أو الملابس دخل في المناسبات الاجتماعية، فكانوا يستعملون للحرب مثلا نوعا خاصا من العمائم ذوات ألوان خاصة، تعبر

1 اللسان "12/ 424".

2 اللسان "1/ 456"، الروض الأنف "1/ 59".

3 المخصص "11/ 14".

ص: 304

عن المواقع، ويستعملون في الأحزان نوعًا خاصًّا من العمائم والثياب، وفي الفرح ملابس خاصة، وهكذا، كما كانوا يقومون بتجميرها في بعض الأحوال.

ويقوم بصبغ الثياب وقصرها الصباغون، يصبغون الملابس كما يصبغون الأقمشة قبل تفصيلها وخياطتها. وذكر أن الكهان كانوا لا يلبسون المصبغ1، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك بسبب اعتقادهم أن تابع الكاهن ينفر من الصبغ.

وفي جملة الأصباغ المعروفة والشائعة عند الجاهليين: العصفر، وهو نبت أصفر يستخرج منه صبغ أصفر، تصبغ به الثياب والأقمشة وأمثالها، ومن هذه الصبغة جاءت لفظة "المعصفرات"، ويراد بها الثياب المصبوغة بالعصفر2. والورس وهو صبغ أصفر يؤخذ من نبت طيب الرائحة، تصبغ به الملابس، فيقال: ملحفة مورسة، إذا كانت مصبغة بالورس3. وقد جاء النهي عن لبس الثياب المعصفرة في الإسلام4.

والثوب الأحمر، هو الثوب المصبوغ بلون أحمر، أما "الكرك"، فالثوب الأحمر كذلك. و"ثوب مشرق": ثوب بين الحمرة والبياض، و"ثوب قتمة" و"مقتوم": ثوب سواده ليس بشديد، و"ثوب مفروك": مصبوغ بالزعفران، وزبرقت الثوب زبرقةً: صفرته. وقد سمي "الزبرقان بن بدر" بذلك؛ لصفرة عمامته5.

ويظهر أن الصباغين كانوا يمطلون بالمواعيد ويخلفون؛ لذلك ضرب بهم وبالصياغين المثل في الخلف. وورد في الحديث: "أكذب الناس الصباغون والصوَّاغون"6.

ويستعمل شعر الماعز في الغالب لصنع الخيام، وذلك للأعراب وللتجار والمسافرين وغيرهم. والاتجار بالخيام من التجارات التي كانت رائجة يومئذٍ، ويستعمل شيوخ القبائل والرؤساء والملوك خيامًا خاصة مصنوعة من أقمشة غليظة، تتحمل المطر والعوارض الطبيعية الأخرى، ولها أسعار غالية عالية، تختلف باختلاف حجمها

1 بلوغ الأرب "3/ 407"، "اللسان "8/ 437".

2 جامع الأصول "4/ 365".

3 المعرب "2/ 246".

4 صحيح مسلم "6/ 144".

5 المخصص "4/ 95".

6 اللسان "8/ 437".

ص: 305

ونوع القماش المصنوعة منه. ولبعضها قواطع تجزئ الخيمة إلى أقسام تكون شبه غرف يسكن فيها، ويستعمل بعضها مضارب يعقد فيها ديوان الرئيس، وبعضها معابد توضع فيها الأصنام والأشياء المقدسة التي تنتقل مع القبيلة، يحملها الكهنة معهم. وقد أشير إلى هذه الأصنام المتنقلة مع القبائل في الأخبار التي سجلها الآشوريون عن حروبهم مع الأعراب، كما كان العبرانيون يصنعون خيامًا واسعة تكون مقدسة لخدمة الرب. ومن الخيم الكبار "الفسطاط"، ويطلق على الأبنية كذلك1.

والبساط: ما بسط. وقد اشتهرت أنواع خاصة من البسط بين الجاهليين، منها بسط عبقر؛ والبساط العبقري من الأبسطة الجيدة، ومن عادة العرب أنهم إذا استحسنوا شيئًا أو عجبوا من شدته ومضائه نسبوه إلى "عبقر". وعبقر عندهم أرض من أرض الجن، وورد "ثياب عبقرية" نسبة إلى عبقر، حتى قالوا:"ظلم عبقري" أي: شديد فاحش2. ومن أنواع البسط: "النخ"، وهو بساط طوله أكثر من عرضه، وهو فارسي معرب، وجمعه: نخاخ3.

وللعرب طرق في هيئة لبسهم وفي كيفية وضعها على أبدانهم، ولا سيما أهل الحضر منهم، كما كانوا يكيفون لبسهم حسب المناسبات في مثل الغارات والحروب والسفر. ومن ضروب لبسهم ما يقال له:"الاضطباع"، ويقال له:"التأبط"، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى، فيلقيه على منكبه الأيسر4.

ومن ضروب اللبس: "التفضل" وهو التوشح: أن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه، وأما "الفضلة" فالثياب التي تبتذل للنوم؛ لأنها فضلت عن ثياب الصرف5. وعرف التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقيل: التوشح بالرداء مثل التأبط والاضطباع، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم6.

وأما "الاشتمال"، فهو إدارة الإنسان الثوب على جسده كله حتى لا تخرج

1 المعرب "2/ 96"، تاج العروس "5/ 198 وما بعدها".

2 المخصص "4/ 73".

3 اللسان "3/ 61".

4 اللسان "7/ 254"، المخصص "4/ 97".

5 اللسان "11/ 526"، المخصص "4/ 99".

6 اللسان "2/ 633".

ص: 306

منه يده. ورُوِيَ أن النبي نهى عن اشتمال الصّمّاء، والشملة الصّمّاء: التي ليس تحتها قميص ولا سراويل، وذكر أن اشتمال الصماء هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده ولا يرفع منه جانبًا، فيكون فيه فرجة تخرج منها يده، وهو التلفع، وربما اضطجع فيه على هذه الحالة. وذكر الفقهاء: أن الاشتمال هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فتبدو منه فرجة1.

و"السند": ضرب من ضروب اللبس عند العرب، وهو أن يلبس قميصًا طويلًا تحت قميص أقصر منه، كما أن السند ضروب من البرود، وضرب من الثياب. وذكر أن السناد هي الحمراء من جباب البرود2.

وإذا نام الشخص وأدخل رأسه في ثوبه قيل لذلك: الكبس والكباس3، و"الكمكمة": التغطي بالثياب4.

وقد عرف الجاهليون "الكلل". و"الكلة": الستر الرقيق يخاط كالبيت، يُتوقَّى فيه من البق5.

ويعبر عن الستر بـ"السجف"، وهو قماش يستر به. والسجافة: السدافة، أي: الحجاب، وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه: سجف. وقيل: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين6.

1 اللسان "11/ 368"، المخصص "4/ 97".

2 اللسان "3/ 221 وما بعدها"، المخصص "4/ 99".

3 اللسان "6/ 190".

4 اللسان "12/ 528".

5 اللسان "11/ 595".

6 اللسان "9/ 144".

ص: 307