المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار ‌ ‌مدخل … الفصل العاشر بعد المائة: - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٤

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الرابع عشر

- ‌الفصل الثاني بعد المئة: القوافل

- ‌مدخل

- ‌قوافل الميرة:

- ‌الفصل الثالث بعد المئة: طرق الجاهليين

- ‌الفصل الرابع بعد المئة: الأسواق

- ‌مدخل

- ‌أسواق العرب الموسمية:

- ‌سوق عكاظ في الإسلام:

- ‌الفصل الخامس بعد المئة: البيع والشراء

- ‌أنواع البيع

- ‌الخلابة:

- ‌الحكرة:

- ‌شهود البيع:

- ‌فسخ البيع:

- ‌العربون:

- ‌الخيار في البيع:

- ‌صفات البيع:

- ‌الدَّيْن:

- ‌المنحة:

- ‌الفصل السادس بعد المئة: الشركة

- ‌مدخل

- ‌أنواع الشركات:

- ‌المشاركة:

- ‌السفتجة:

- ‌الوكالة:

- ‌السمسرة:

- ‌الفصل السابع بعد المئة: المال

- ‌مدخل

- ‌رأس المال:

- ‌استثمار الأموال:

- ‌الربا:

- ‌القراض:

- ‌التسليف:

- ‌الإفلاس:

- ‌الفصل الثامن بعد المئة: أصحاب المال

- ‌مدخل

- ‌عادات وأعراف:

- ‌سرقة أموال الآلهة:

- ‌دفن الذنوب:

- ‌الفصل التاسع بعد المئة: الطبقة المملوكة

- ‌مدخل

- ‌الاتجار بالرقيق:

- ‌الموالي:

- ‌بيع الولاء:

- ‌رزق المملوك:

- ‌العتق:

- ‌المكاتبة:

- ‌سوء حالة العبيد:

- ‌تعرب العبيد والموالي:

- ‌السخرة:

- ‌الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار

- ‌مدخل

- ‌الطعمة:

- ‌ضرائب الزراعة:

- ‌الفصل الحادي عشر بعد المئة: النقود

- ‌الفصل الثاني عشر بعد المئة: الصناعة والمعادن والتعدين

- ‌مدخل

- ‌الإجارة:

- ‌الأحجار:

- ‌النسيج والحياكة:

- ‌الفصل الثالث عشر بعد المئة: حاصلات طبيعية

- ‌الصبغ

- ‌العصير:

- ‌الزيوت والدهون:

- ‌الصمغ:

- ‌الدباغة:

- ‌الخمور:

- ‌الفصل الرابع عشر بعد المئة: الحرف

- ‌مدخل

- ‌النجارة:

- ‌الحدادة:

- ‌الصياغة:

- ‌حرف الإعاشة:

- ‌حرف أخرى:

- ‌حرف الجلد:

- ‌الحياكة والنسيج والثياب:

- ‌الفصل الخامس عشر بعد المئة: قياس الابعاد والمساحات والكيل

- ‌فهرس الجزء الرابع عشر

الفصل: ‌ ‌الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار ‌ ‌مدخل … الفصل العاشر بعد المائة:

‌الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار

‌مدخل

الفصل العاشر بعد المائة: الإتاوة والمكس والأعشار

والإتاوة: الرشوة والعطاء والخراج، يقال: أدى إتاوة أرضه أي: خراجها، وضربت عليهم الإتاوة، أي: الجباية1. وهي ما كان يفرضه الملوك وأصحاب الأرض وسادات القبائل من حقوق على رعاياهم وأتباعهم، ويجبرونهم على أدائها لهم. وهي بالطبع جباية مكروهة، كان الناس يتهربون منها كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ويتهربون من رؤية وجوه عمالها الذين كانوا يكرهونهم كرهًا شديدًا لاشتطاطهم عليهم، وتعسفهم بهم، وأخذهم أكثر مما يجب أخذه في أغلب الأحوال؛ ليأكلوا منها ما يتمكنون من أكله، فقد كانت الجباية من موارد الرزق الحرام والكسب غير المشروع للجباة.

ويقال للخراج والإتاوات: "الطعم"، يقال: فلان تجبى له الطعم، أي: الخراج والإتاوات، ويقال: جعل السلطان ناحية كذا طعمة لفلان، أي: مأكلة له، وفسر بعضهم الطعمة بشبه الرزق وبالمأكلة2. وفي هذا التفسير تفسير لوجهة نظر الجاهليين والإسلاميين بالنسبة إلى الإتاوة وكل أنواع الجباية، كانوا يرون أنها مأكلة للحكام ورزقًا يأخذونه من أتباعهم؛ ليعتاشوا به مع ما يعتاشون عليه من أرزاق، مثل الاتجار في السوق واستثمار الملك، بينما لا ينال الأتباع منه أي شيء، إلا بتوسل واستعطاف ودعاء ومدح وتمرغ على أعتاب أبواب الحكام.

1 تاج العروس "10/ 7"، "أتوا".

2 تاج العروس "8/ 378"، "طعم".

ص: 160

و"المكس" هو ما يأخذه الماكس من جباية، من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو الدراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق. والمكوس: هي الضرائب التي كان يأخذها العشارون، والمكس: النقص، وبين المكس والنقص صلة وعلاقة، فتأدية المكس هو نقص يصيب مال المؤدي للمكس. وقد أشير إليه في شعر "جابر بن حني" التغلبي، الذي يقول:

أفي كل أسواق العراق إتاوة

وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم1

ومعنى هذا أن الناس كانوا يدفعون إتاوة في أسواق العراق، يدفعون عن كل ما يبيعونه مكسًا هو درهم. وهو مكس يزيد بزيادة ثمن البيع، فإذا كان ثمن المباع كثيرًا، زاد مكسه ليتناسب مع الثمن.

وتقابل لفظة "مكس" لفظة "Telos" في اليونانية، و"Toll" في الإنجليزية، ويقال للموضع الذي تمكس البضائع والسلع فيه: Telonion""2. ويجب أن نميز بين هذه الضريبة وبين لفظة "Tribute" التي هي في مقابل "Mas"؛ لأن المكس ضريبة تؤخذ عن السلع وعن حق مساهمة الحكومة في الأرباح، بينما الثانية ضريبة إجبارية تؤخذ من الناس3، وقد ترجمت لفظة "Tribute" بـ"جزية" وجباية وإتاوة في اللغة العربية، يقال: جبى الخراج جباية. وورد في شعر للجعدي:

دنانير يجبيها العباد وغلة

على الأزد من جاه امرئ قد تمهلا4

ونجد علماء اللغة يجعلون لفظة "الماكس" في مرادف لفظة "العشار"، وعرفوا المكس، بأنه ما يأخذه العشار، وهو ماكس، فالعشار هو الماكس. وورد في الحديث:"لا يدخل صاحب مكس الجنة"، قيل: صاحب مكس هو العشار5. والعشار هو قابض العشر، والعشر أخذ واحد من عشرة. فالماكس إذن هو الجابي القابض للمكس، وهو العشر، أي: عشر ما يباع، وقد غلبت عليه

1 تاج العروس "4/ 249"، "مكس"، المخصص "12/ 253".

2 Hastings، p. 948

3 Hastings، p. 948

4 تاج العروس "10/ 65 وما بعدها"، "جبى".

5 تاج العروس "4/ 249"، "مكس".

ص: 161

لفظة "العشار" لأنه يأخذ العشر، عشر أموال الناس، ولأنه يعشرهم. وقد كان "العشر" من أهم سمات الجاهلية ومعالمها، "وفي الحديث:"إن لقيتم عاشرًا فاقتلوه"، أي: إن وجدتم من يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية مقيمًا على دينه، فاقتلوه؛ لكفره أو لاستحلاله لذلك إن كان مسلمًا وأخذه مستحلًّا وتاركًا فرض الله، وهو ربع العشر"1.

فالمكس، إذن هي الضرائب التي تؤخذ عن المبيعات والمشتريات، أي: عن التجارة، يجبيها جباة المكس، أي: العشارون من الأسواق ومن المواضع المخصصة لمرور التجار بها على الحدود، ولا صلة لهذا العمل بعمل جباية الجزية والخراج.

ولفظة "الإتاوة" و"العشر" و"المكس" والجزية من الألفاظ التي لا يشك في كونها كانت معروفة عند الجاهليين. وقد أشرت إلى ورود لفظة "الإتاوة" في شعر "جابر بن حني التغلبي"، ووردت في شعر للجعدي، هو:

موالي حلف لا موالي قرابة

ولكن قطينًا يسألون الأتاويا

أي: هم خدم يسالون الخراج2. وكانت الكلمة على ما يظهر عامة، بمعنى: ضريبة من غير تعيين.

وأما "الخراج"، فللعلماء في أصلها ومعناها كلام. وقد وردت لفظة "خرجًا" في القرآن الكريم؛ وردت في سورة الكهف:{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} 3، وقد قرأها بعض المفسرين:"خراجًا"، وذهبوا إلى أنها بمعنى الأجر، وقال بعض منهم: إن الخراج عند العرب هو الغلة4. ووردت في سورة "المؤمنون": {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} 5، وفسر العلماء اللفظتين بمعنى الأجر6.

1 تاج العروس "3/ 400"، "عشر".

2 تاج العروس "1/ 7"، "أتو".

3 الكهف، الرقم 18، الآية 94.

4 تفسير الطبري "16/ 19".

5 المؤمنون، الرقم 23، الآية 72.

6 تفسير الطبري "18/ 33"، روح المعاني "18/ 48".

ص: 162

وذهب علماء اللغة إلى أن الخرج بمعنى الإتاوة تؤخذ من أموال الناس كالخراج، وهما واحد لشيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، وقال بعضهم: الخراج الفيء والخرج الضريبة والجزية. وذكروا أن الخراج الذي وظفه "عمر" على السواد وأرض الفيء، فإن معناه الغلة أيضًا؛ لأنه أمر بمساحة السواد ودفعها إلى الفلاحين الذين كانوا فيه على غلة يؤدونها كل سنة، ولذلك سمي خراجًا، ثم قيل بعد ذلك للبلاد التي فتحت صلحًا. ووظف ما صُولحوا عليه على أراضيهم خراجية؛ لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي ألزم به الفلاحون وهو الغلة، لأن جملة معنى الخراج الغلة. وقيل للجزية التي ضربت على رقاب أهل الذمة خراج؛ لأنه كالغلة الواجبة عليهم، وفي الأساس: ويقال للجزية الخراج، فيقال: أدى خراج أرضه والذمي خراج رأسه، وعن ابن الأعرابي: الخرج على الرءوس والخراج على الأرضين. وقال الرافعي: أصل الخراج ما يضربه السيد على عبده ضريبة يؤديها إليه، فيسمى الحاصل منه خراجًا، وقال القاضي: الخراج اسم ما يخرج من الأرض، ثم استعمل في منافع الأملاك كريع الأرضين وغلة العبيد والحيوانات1.

والخراج، هو "طسقا""Tasqa" في التلمود، و"Maddata""مدَّاثا" في الموارد السريانية النصرانية2، ولفظة "طسقا"، هي من الألفاظ الآرمية الأصل. وتعرف ضريبة الأرض بـ"Halk" و"Halak" وبـ"Minda""ميندا" وبـ"Midda" في لغة بني إرم، ووردت باسم "طسقا" وبـ"مناثا ذ - ملكا""Mnata d-Malka" في التلمود، وباسم "طسقا" و"مدثا""Maddata" في السريانية3.

ولفظة "طسقا" معروفة في العربية كذلك، فهي عندهم "الطسق"، وتؤدي المعنى ذاته المفهوم منها في التلمود. ذكر علماء العربية أن الطسق، ما يوضع من الخراج المقرر على الجربان، وكتب "عمر" إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطسق من أرضيهما، وذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة أو مولدة4. فهي ضريبة الأرض، وتقابل

1 تاج العروس "2/ 28"، "خرج".

2 Die Araber، I، S. 632، G. Widengren، The Status of the Jews in the Sassanian Empire، p. 149

3 Die Arabe، I، S. 632، Brockelmann، Lexi. Syriac، 374

4 تاج العروس "6/ 423"، "الطسق".

ص: 163

"فورس""Phoros" في اللغة اليونانية، وتؤخذ عينًا في الغالب، أي: غلة1.

وأما الجزية، فقد ذكر العلماء أنها خراج الأرض، وما يؤخذ من الذمي. ورد في الحديث:"ليس على مسلم جزية"، وورد:"من أخذ أرضًا بجزيتها"2، وورد في القرآن الكريم:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 3. وقد ذكر المفسرون أن الجزية: الخراج عن الرقاب4، ويظهر من الحديث ومن كتب الفقه، أن المراد بها ضريبة الرأس. ولما كتب الرسول إلى "المنذر بن ساوى"، بشأن أتباعه، قال له:"ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية"5، وقد أمر الرسول عماله بأخذ الجزية من أهل الكتاب، ممن يريد البقاء في دينه. فهي إذن بهذا المعنى، ضريبة تؤخذ من غير المسلمين، في مقابل الزكاة التي تؤخذ من المسلمين.

وضريبة الرءوس معروفة، وهي تؤخذ من المغلوب على أمره، ولا سيما بعد الحروب، فتفرض على المغلوب ضريبة على رأس كل إنسان بالغ؛ ولذلك أنفت تغلب من أدائها، ولم تقبل بتأديتها؛ لأن في أدائها مذلة وصغارًا. وهي ضريبة دائمة، تلازم من فرضت عليه ما دام في حكم من فرضها، وهي تختلف عن الفدية التي تفرض على الأسر لفك أسره، وعن المبلغ الجماعي الذي يفرض على المغلوب في مقابل التصالح معه، وهو ما يعبر عنه في العربية بـ"وصالحهم على كذا وكذا"، يؤدونه جزاء العفو عنهم.

وعبر عن الجزية بلفظة "Keraga" في التلمود، وبـKesef Rexa" "Kesef Resha"، أي: ضريبة الرأس في الموارد النصرانية السريانية، وبـ"Belo" "بلو" في لغة بني إرم وبـ""kesap Gulgulta في التلمود أيضا6. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "الجزية" و"جزية" من أصل سرياني هو "Gzita"، وذهب بعض آخر إلى أنها

1 Hastings، p. 948

2 تاج العروس "10/ 73"، "جزى".

3 التوبة، الرقم 9، الآية 29.

4 تفسير الطبري "10/ 77".

5 ابن سعد، الطبقات "1/ 263".

6 Die Araber، I، S. 632، Die Aramaische Sprache، I، 149

ص: 164

من أصل فارسي هو "Gazitak" و"كزيد" بمعنى ضريبة يدفعها الذمي، أي: الذي أمنته الحكومة على حياته وماله وعرضه، وذهب بعض آخر إلى أنها من أصل عربي1. وتقابل هذه الضريبة ما يقال له:"Kensos" في اليونانية، وهي ضريبة كان يأخذها الرومان من اليونان عن رءوسهم، وهي لا تدفع غلة أو سلعة وإنما تؤخذ منهم نقودًا، أي: بالعملة الرومانية2.

وقد كانت الحكومات العربية الجنوبية تتقاضى العشر أيضًا عن البيوع وتوسعت حكومة "قتبان" في العشر، فجعلته إتاوة كل وارد أو ربح يصيبه الرجل، سواء أكان ذلك من البيع والشراء أم من الإجارة والإرث والزرع وكل عمل آخر3. ويظهر أن العشر، قد أخذ عن الزرع أيضًا في حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، وأيضًا في حكم الحبش على اليمن. وقد وردت لفظة "عشر" و"عشورت" في كتابات المسند، وتعني العشر الذي نبحث عنه4.

وأشار "بلينيوس" إلى العشر، فذكر أن العرب الجنوبيين كانوا يعشرون اللبان وما تنتجه بلادهم من بخور، يعشرهم رجال الدين باسم الإله "سن""سين"5. ومعنى هذا أن المعبد كان يعشر المتمكنين من أصحاب الحاصل، فيأخذ منهم عشر غلتهم من هذه المواد. وأعتقد أنهم كانوا يعشرون كل مال يدخل إليهم، ولا يقتصر هذا التعشير على المواد المذكورة، أي: على الغلة الزراعية، بل يشمل ذلك كل ربح مهما كان نوعه، جاء عن الزراعة أو التجارة، وهذا التعشير لكل شيء، كان متبعًا عند غير العرب كذلك6. ونجد "صموئيل" يهدد شعبه بأنه سيعشر زرعه وكرومه وغنمه، ويأخذ جواريه وعبيده وشبانه وبناته، فيجعلهم عبيدًا له، يسخرهم كالحمير إن لم يستجيبوا له، ويسمعوا لما طلبه منهم7.

1 Die Araber، I، s. 633، C. Brockelmann، Lexi. Syriac، 1928، 111، G

2 Hastings، p. 948. غرائب اللغة 223.

3 راجع الفقرة الخامسة من النص الموسوم بـ: Glaser 1601. Rhodokanakis، Katab. Texte، I، S. 7

4 Rhodokanakis، Stud. Lexi.، II، S.، 58

5 Pliny XII، 65.

6 صموئيل الأول، الإصحاح الثامن، الآية 11-17، Hastings، p. 944

7 صموئيل الأول، الإصحاح الثامن، الآية 1 وما بعدها.

ص: 165

والعشر معروف عند غير العرب أيضًا، وهو يقابل "إش، رو، و""Isch-ru-u" في الآشورية، أي "عشر"، وهو ما يدفع عن الأموال والذهب عندهم، و"مَعَشير""Ma asher" في العبرانية، وقد جرى التعشير عندهم قبل أيام موسى، ونص عليه في التوراة. فكانوا يقدمون عشر أموالهم صدقة تزكيهم، يدخل فيه البقر وبقية الماشية، وتوسع "الفريسيون" في ذلك، فأدخلوا في العشر، عشر النعناع والشبث والكمون1.

وقد أشير في نصوص المسند إلى الضرائب التي كان على المتبايعين في الأسواق أداؤها إلى الحكومة، فعلى كل متعامل في السوق دفع "همد" إلى جباة السوق. والـ"همد" ما يؤخذ من المتعاملين في السوق عن اتجارهم بها، فهي ضريبة البيع والشراء2. وقد حذرت تلك النصوص المخالفين المتهربين من دفع ما عليهم من الـ"همد" بإنزال أقصى العقوبات عليهم بما في ذلك مصادرة أموالهم، إن حاولوا أكل حق الحكومة، والتهرب من دفع حصتها من الربح.

وهناك ضريبة أخرى ذكرت في النصوص كذلك، هي "فرعم"، أي:"فرع". يظهر أنها كانت عندهم تطوعية، لا يجبر الإنسان على أدائها، وإنما هي صدقة يتصدق بها من يشاء.

وقد كانت الحكومات العربية الجنوبية قد عينت جباة يجلسون في الأسواق وعند مدخل الحدود لجمع الضرائب المفروضة على البيع والشراء والاتجار وحق المرور. أما ضرائب غلات الأرض، فلها جباتها، كما كان يلتزمها كبار أصحاب الأرض وأصحاب الأقطاع، فيدفعون للحكومة حصتها من الزرع، وهم يجبون تلك الحصة من صغار المزارعين التابعين لهم أو المستأجرين لأرضهم، فيأخذون منهم كل ما يمكنهم أخذه للاستئثار به، وإعطاء القليل منه إلى الحكومة. وبذلك كان صغار المزارعين والمستأجرين للأرض يلاقون عنتًا شديدًا من الضرائب المفروضة عليهم.

وقد كان المتولون لأمر الأسواق يأخذون عشور التجار، لهم جباة يجوبون السوق؛ ليأخذوا عُشر ما يباع. فكان "الأكيدر" يعشر سوق دومة الجندل،

1 راجع سفر التكوين، الإصحاح 14، الآية 20، والإصحاح 28، الآية 22، قاموس الكتاب المقدس "2/ 103"، "عشر عشور أعشار".

2 REP. EPIGR. 4337

ص: 166

وربما يتولاها سادة "كلب"، أو بعض الغساسنة، وكان "قنافة" الكلبي ممن ينافس الأكيدر على دومة، يتولى جباية العشر كذلك. وكذلك كان المتولون لأمر الأسواق الأخرى يأخذون العشر. فالعشر، الجباية المألوفة التي يدفعها التجار عن تجارتهم في كل ما يبيعون ويشترون، وعن مكس السلع التي تنقل لبيعها في الأسواق الخارجية. فقد كان التجار العرب إذا دخلوا حدود بلاد الشام، عشرهم رجال المكس على الحدود، وإذا تاجروا في أسواق بلاد الشام عشرهم العشارون في هذه الأسواق.

وكان "زنباع بن روح" ممن يعشر من يمر به بمشارف الشام1، وهو من "جذام"، وكان يعمل للحارث بن أبي شمر الغساني. ذكر أن "عمر" خرج تاجرًا في الجاهلية مع نفر من قريش، فلما وصلوا إلى فلسطين، قيل لهم: إن "زنباع بن روح" يعشر من يمر به، فعمدوا إلى إخفاء ما معهم من ذهب، فلما وجده، أغلظ عليهم في العشر ونال من عمر، فقال "عمر" في ذلك:

متى ألق زنباع بن عمرو ببلدة

لي النصف منه يقرع السن من ندم

ويعلم أن الحي حي ابن غالبٍ

مطاعين في الهيجا، مضاريب في الهيم2

ويقال لعمال العشور والجزية: "الحُشَّار"، وفي حديث وفد ثقيف اشترطوا ألا يعشروا ولا يحشروا، أي: لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم3.

وورد في كتاب الرسول لعبد يغوث بن وعلة الحارثي: "ولا عشر ولا حشر"، وورد في كتابه إلى "يزيد بن المحجل الحارثي":"إن لهم نمرة ومساقيها ووادي الرحمن من بين غابتها، وإنه على قومه من بني مالك وعقبة، لا يغزون ولا يحشرون"، وجاء مثل ذلك في كتابه لقيس بن الحصين ذي الغصة:"لا يحشرون ولا يعشرون"4، ووردت هذه الجملة في كتابه لبني جُعيل من

1 تاج العروس "5/ 461"، "قرع".

2 الإصابة "1/ 533"، "رقم 2817".

3 تاج العروس "3/ 142"، "حشر".

4 ابن سعد "1/ 268".

ص: 167

بليّ1، وقد فسر "ابن سعد" جملة:"وأنهم لا يحشرون"، بقوله:"لا يحشرون من ماء إلى ماء في الصدقة"، وعبارة:"لا يعشرون" بقوله: "ولا يعشرون -يقول- في السنة إلا مرة"، وفسر "السعاية" الواردة في الكتاب بالصدقة2. وعندي أن الحشر يجب أن يكون في معنى له صلة بالجلاء، أو بالجمع لسخرة وتكليف بقيام عمل إجباري. وقد ورد في كتب اللغة أن الحشر الجلاء؛ ولذلك قيل في بني النضير عندما أجلوا: إنهم أول حشر حشر إلى أرض المحشر، كما قالوا: يوم المحشر وأرض المحشر، والحشر أيضا بمعنى إجحاف السنة الشديدة بالمال3. فللفظة إذن علاقة بالإجلاء وبالسخرة وبالندبة إلى الحرب أو للقيام بعمل إجباري جماعي، ولا زال أهل العراق يستعملون لفظة "الحشور" في معنى جمع الناس للسخرة، ولأي عمل تريده الحكومة إجبارًا.

و"العشر" كما يتبين من النصوص الجاهلية ومن الموارد الإسلامية، أقدم ضريبة معروفة عند العرب، وهي ضريبة عامة تشمل أرباح التجارة كما تشمل أرباح الزراعة، وقد عرفت في جميع أنحاء جزيرة العرب. وهي في الواقع من أقدم الضرائب المعروفة في التاريخ، فرضتها الحكومات والأديان على الأتباع منذ أقدم العصور.

ولم أقف على وجود "العُشَّار" في مكة أو في يثرب أيام الجاهليين، ولكن هذا لا يعني نفيًا لوجود هذه الضريبة عند أهل المدينتين. ولا أستبعد وجودها عندهم، وذلك أنهم كانوا يأخذونها من المتبايعين في الأسواق لصرفها في الشئون العامة المتعلقة بمجتمعهما، فقد كان لكل سوق في الجاهلية عشارون يجمعون العشر، فلا داعي لاستثناء سوقي مكة والمدينة من العشر.

وقد سبق لي أن ذكرت أن سادات مكة كانوا قد اتفقوا فيما بينهم على أن يقدموا من أموالهم مالًا للرفادة ولتحمل الأشناق ونفقات الدفاع عن المدينة، يدفعها كل إنسان حسب قابليته المالية وإمكانياته. ولعلهم كانوا يأخذون من أرباحهم التي يحصلون عليها من القوافل نصيبًا معلومًا قبل توزيعها على المساهمين؛ ليكون عونًا للمدينة في تمشية أعمالها وفي الدفاع عن شئونها.

1 "وأنهم لا يحشرون ولا يعشرون"، ابن سعد "1/ 270".

2 ابن سعد "1/ 270 وما بعدها".

3 تاج العروس "3/ 141 وما بعدها"، "حشر".

ص: 168