الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن
كتاب فضائل القرآن
(من الصحاح)
[1454]
حديث عقبة بن عامر الجُهني عن النبي عليه السلام: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان والعقيق
…
الحديث)، بطحان يرويه الأكثرون بضم الباء وسكون الطاء ووجدت الحافظ أبا موسى رواه بفتح الباء وقد رواه أيضًا غيره. وعن أهل اللغة أنه بفتح الباء وكسر الطاء وهو اسم وادٍ بالمدينة وإليه ينسب البطحانيون. والعقيق: واد عليه أموال أهل المدينة، وهي على ثلاثة أميال. وقيل: على ميلين وهو عقيق المدينة. عق عن حرتها أي: قطع. وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة. وهناك عقيق آخر أكبر من الذي ذكرنا وفيه بئر عروة وقد ذكره الشعراء في أشعارهم؛ وبالمدينة عقيق آخر ببطن ذي الحليفة وآخر ببلاد مزينة، وقد ذكرناه فيما مر.
قلت: وإنما خص الموضعين بطحان والعقيق بالذكر؛ لأنهما كانا من أقرب الأودية التي كانوا يقيمون بها أسواق الإبل.
وفيه: (بناقتين كوماوين) الكوماء الناقة العظيمة السنام، وإنما ضرب المثل بها؛ لأنها كانت من أحب الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم.
وفيه: (ومن أعدادهن من الإبل) وعلى هذا القياس يوحد الآيات التي يُعلمها أو يقرَّئها خيرًا من أعدادهن، ثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع. فإنِ قيل: كيف تقرن بين الآية والناقة الكوماء في باب المخايرة، وعلى ماذا تقدَّر المعنى فيه، وقد علمنا بالأصل الذي لا اختلاف فيه من أمر الدين أن الآية الواحدة خير من الدنيا وما فيها؟.
[قلنا قولنا: إن تعليم آية من كتاب أو قراءتها خير من ناقة كوماء، لا ينفى كونها خيرًا من الدنيا وما فيها؛ لأنا لم نقصر القول في الخيرية عليها، وإنما صدر هذا القول منه صلى الله عليه وسلم على وفق ما كان المخاطب يغتنمه ويبتغيه وتعجبه خيرته من المال، لأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين لهم أن اشتغالهم بأمر [الدنيا] خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، ولم يرد حقيقة بيان المقدار الواقع في المخايرة بين الشيئين، ويحتمل أنه أراد بذلك أنه خير لهم في أمر المعاش الذي يتوخونه من ناقة كوماء
…
].
وفي معنى هذا الحديث، ومنه:
[1455]
حديث أبي هريرة رضي الله عنه[168/ ب]. الذي يتلو هذا الحديث وهو عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديثه (ثلاث خلفات)، الخلف - بكسر السلام - المخاض، وهي الحوامل من النوق وأحدهما خَلفة. وفي حديثه الدية كذا وكذا خلفة) يقال: خلفت الناقة: إذا حملت. وأخلفت فهي مخلفةٌ أي: لم تحمل وهي الراجح التي يظن أنَّ بها حملاً ثم لم تكن كذلك.
[1456]
ومنه: حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع الفرة الكرام البررة
…
الحديث) المهارة: الحِذق في الشيء وقد مهرت الشيء مهارة. ومنه قيل للسابح: الماهر (والسفرة): الملائكة جمع سافر ككاتب وكتبة والأصل في ذلك السفر وهو كشف الغطاء والسفر بكسر السين الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، والسفير: الرسول بين القوم يزيل ما بينهم من الحوشة. فعيل بمعنى فاعل والسفارة: الرسالة في ذلك. فالرسول والملائكة والكتب مشتركة في كونها سافرة عن القوم بما استبهم عليهم والمعنى الجامع بين الماهر بالقرآن وبين الملائكة المكرمين وحفظة السفر الكريم عن الأمة أن الماهر بالقرآن تعلّم التنزيل واستظهره حتى صار من خزنة الوحي وأمناء الكتاب وحفظة السِفر الكريم، يسفر عن الأمة بما استبهم عليهم من ذلك، ويبين لهم حقائقه كما أن السفرة يؤدّونه إلى أنبياء الله المرسلين، ويكشفون به الغطاء عما التبس عليهم من الأمور المكنونة حقائقها.
وفيه (والذي يتعتع فيه) التعتعة في الكلام: التردد فيه من حصر أو عيًَ يقال: تتعتع الرجل إذا تبلد في كلامه. وتعتعت الدابة إذا ارتطمت في الطين. وتعتعه: حرَّكه وتعتّعه التفكر وغيره فتتعتع. ويقال لكل من أكره في شيء حتى تقلق: تعتع. ومنه الحديث الذي يرويه مُخارق: (حتى يؤخذ للضعيف حقه غير متعتع) - بفتح التاءين - أي: غير مؤذي يعني من غير أن يصيبه أذَّى) [......].
وفيه: (له أجران) يعني أجر القراءة وأجر ما يعتريه في قراءته من المشقة.
[1458]
ومنه حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل
الأترجة
…
) الحديث، قلت هذا الحديث وإن بيَّن المعنى لا يكاد يخفى المراد منه على النكد البليد [169/أ] فضلاً عن القَطن اللبيب فإني لم آمن فيه عثرة من يستحوذه الشيطان ويستهويه فيخيل إليه قصورًا ما في [....] الفضل ومراتب الكمال ويسوس إليه أن البليغ إذا [نسج] على هذا المنوال يمكنه أن يأتي من الأمثال بما هو الشاهد عليه ألذّ وأطيب وأتم وأكمل من الأترجة وأنَّ في ذلك نزولاً من الأعلى إلى الأدنى والتفاتًا من الأمثل إلى الأرذل ويأبى الله أن يأتي أوفى اللفظ والمعنى بأعذب وأوجز وأتمَّ وأبلغ مما يأتي به الرسول - صلى الله عليه وسلم ومعاذ الإله من التورُّط في هذه الهوة ومن هذا الباب دخلت الفتنة على أناسٍ أعمى الله عيني قلبهم حتى سمعوا الله يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه ويضرب للمشركين به المثل فضحكوا وقالوا ما يشبه هذا الكلام الله فرد الله عليهم بقوله {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} فرأينا إماطة الأذى عن الطريق فنقول وبالله التوفيق: قد ذكرنا فيما مضى أن المثل عبارة عن المشابه بغيره في معنى من المعاني وأنه لإدناء المتوهم المشاهد، وكان النبي عليه السلام يخاطب بذلك العرب ويحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم يشاهدوه فيجعل ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شهدوه، وعرفوه فيبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء لا سيما من الثمار الشجرية التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك: كبر جرمها؛ حيث لم يعرف في الثمار الشجرية أكبر منها، ومنها: أنها حسن المنظر، طيب الطعم لين الملمس، ذكيّ الأرج، تملأ الأكف يكبر حجمها وتكسيها ليناً وتفعم الخياشيم طيبًا وتأخذ بالأبصار صيغة ولوناً {فاقع لونها تسر الناظرين} تتوق إليها النفس قبل التناول تفيد أكلها بعد التلذذ بذواقها، طيب نكهة ودباغ معدة، وقوة هضم، اشتركت الحواس الأربعة دون الاحتظاء بها: البصر والذوب والشم واللمس وهذه الغاية القصوى [169/ب] في انتهاء الثمرات إليها فمنها ما ينقص منها وليس فيها ما يزيد عليها، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائع قلما تنقسم عليها غيرها
فقشرها حارّ يابس ولحمها حار رطب وقيل بل هو بارد رَطب، وحماضها بارد يابس [وبزرها] حار مجفف وجملة هذه الأجزاء الأربعة في الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة والأوجاع المُقلقة والأٍقام الخبيثة والأمراض المُردية كالفالج واللقوة والبرص واليرقان والعصب والبواسير والشربة من بزرها تقاوم السموم كلها وقشره مسمِن وعُصارة قشره ينفع من نهش الأفَاعي شربا وجرمُهُ ضماد، ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء، فأية ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة وكثرة الخواص ووفور الطباع.
فإن قيل: قد ذكرت الأمثال إنما تضرب لكشف الغطاء، وإدناء المتوهم عن المُشاهَد وهذه الفوائد التي ذكرتها في الأترجة غير معدودة في الشواهد بل هي مما يتعنى به حذّاق الأطباء ويتوصل إليه بالحدس والتجربة ويخفى علم ذلك على كثير من الألباء فضلا عن الأغمار والسفهاء ثم إنك لو رأيت العبرة بها في التمثل للزمك القول بما احتوت عليه الحنظلة من جنس تلك الفوائد فإنها تدخل في جملة الأدوية.
قلنا: نحن قد بنينا الكلام في هذا الباب على الأصول التي يستوي في معرفتها الذكي والغبي وهي لين المسّ وتصوع اللون وسُطوع الرائحة ولذاذة الطعم ثم ألحقنا بها تلك الفوائد مزيدًا للبيان فيما يختص إدراكه بأولى العلم وذوى الفهم ولا مشاكلة في تلك الأصول بين الأترجة والحنظلة من شيء من ذلك، كيف وهي من السُموم القتالة مع كونها من المرارة في الغاية والنهاية، ثم إنا نقول: إن الشارع صلى الله عليه وسلم أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدي إليها إلا من أُيَّد بالتوفيق فمنها: أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال فإنها من ثمرات النفوس [والمثل هنا وإن] ضرب للمؤمن نفسه فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر عنه، لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال.
ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجة والتمرة وهما [170/ أ] مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيها على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة وتوقيفًا على ضَعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته.
ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها فيسقيها ويُصلح أودَها ويربّها وكذلك المؤمن يقيض له من يؤديَّه ويعلمه ويهديه ويلم شعثه ويسّومه ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذلّ من نقع الفلا والمنافق الذي وكل إلى شيطانه وطبعه وهواه.
[1461]
ومنه حديث البراء بن عازب رضي الله عنه (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان
…
الحديث (الحِصَان - بالكسر - الكريم من فُحولة الخيل يقال: فَرسٌ حصَان بين التحصين والتحصين وسمّى به، لأنه ضنَّ بمائه فلم ينز إلَاّ على كَريمة ثم كثر ذلك حتى سّمَّوا كل ذكر من الخيل حِصَانًا.
وفيه (مربوط بشطنين) الشطن: الحبَل وقيل هو الحبل الطويل وإنما ذكر الربط بشطنين تنبيها على جموحه واستصعابه فإنّه لو كان لين العريكة لكفاه شطن واحد وإلى هذا المعنى التفت من قال في وصف فرس: كأنه شيطان في أشطان.
وفيه (وجعل فرسه يَنَقُز) روى قوله ينقز في كتاب البخاري بالقاف والزاي المنقوطة من قولهم: قَفز يقفز قفزانا أي وَثب ويقال جاءت الخيل تَعُدو القنزى. وروى بالفاء من النفاد وفي بعض طرقه من كتاب البخاري وجعل فرسه ينزز وفي الترمذي (يركض) وينفر بالفاء أشبه بالصواب لما في كتاب مسلم (وجعل فرسه ينفر منها). وفيه أيضًا ينفز وكلا [الروايتين تبين] المراد. والاختلاف فيه من بعض الرواة.
وفيه: (تلك السكينة تنزلت بالقرآن) مضى تفسير السكينة في كتاب العلم وإنما سمي تلك السحابة سكينة لسكون القلب إليها. وإظهار أمثال هذه الآيات على العباد من باب التأييد الإلهي يؤيد بها المؤمن فيزداد يقينًا ويطمئن قلبه بالإيمان إذا كوشف بها. وقوله (بالقرآن) أي لأجل القرآن أو تكون الياء للسبب وكلا القولين متقارب عن الآخر.
[1462]
ومنه: حديث أبي سعيد [170/ب] بن المعلى الأنصاري الزُرَقى: (كنت أصلي فدَعاني النبي عليه السلام
…
الحديث) أبو سعيد هذا لا يُعرف في الصحابة إلا بحديثين أحدهما هذا وهو عند شعبة والآخر عند الليث بن سعد بإسناده عنه قال: (كنا نَغدُو إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقلت لقد حَدث أمر فجلست فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {قد نرى تقلب وجهك في السماء} حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله فنكون أول من صلى
…
الحديث) وقد رُوى ذلك عن غير أبي سعيد أيضًا وأما بيان قوله: (فما منعك أن تأتي)، فقلت: كنت أصلي فقال: (ألم يقل الله {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} فقد مرَّ منه ما فيه غنية في بيان حديث ذي اليدين).
وفيه (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن) السورة كل منزلة من البناء ومنها القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الآخرى، أو قطعة مفردة من جملة القرآن، فكأنما أُخذ من سُور المدينة وهو حائطها المشتمل عليها تشبيها بها لكونها محيطا بها إحاطة السور بالمدينة وقول النابغة:
ألم ترَ أن الله أعطَاك سورةً .... ترى كلّ ملك دونها يتَذبذبُ
يريد شرفًا ومنزلة ولعلها سميت بذلك؛ لأنها المنزلة الرافعة. وإنما قال أعظم سورة اعتبارًا بعظم قدرها
وتفرّدها بالخاصية التي لم يشاركها فيها سورة ثم لاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع قصرها ووجازة ألفاظها ولذلك سميت أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله ومن التعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد ثم إنها فاتحة الكتابة وفاتحة القرآن في الصلاة وهي الشافية والوافية وسورة الحمد، والحمد [أعلى] مقامات العبودية وإلى هذا المعنى أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: ([يدي لواء الحمد يومَ القيامة آدم ومَن [171 / أ] دونه تحت لوائي] وإنما يؤتي لواء الحمد؛ لأنه أحمد الحامدين ولا منزلة فوق ذلك ومنه اشتق اسمهُ وبه فتح كتابه وبه خُتم حاله ووصف مقامه وهو المقام الذي لا [يقوم] أحد غيره.
وفيه (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) قَد علمنا من هذا القول أن المراد من قول الله {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} هو التعريف لموقع منة الله عليه بهذه السورة، ولقد سلك المفسرون في بيان الآية مسالك شتى أقومها وأسدها وأوضحها وأولادها ما ورد بمصداقه الحديث فإن قيل ففي الحديث السبع المثاني، وفي الكتاب سبعًا من المثاني فنشأ بها اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا (من) للبيان فإن قيل فإن كثيرًا من المفسرين ذهبوا إلى أنها للتبعيض ويؤيد هذا الوجه قول الله سبحانه:{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} والمراد منها سائر القرآن.
قلنا الحديث الصحيح الذي نحن فيه يحكم عليهم بخلاف ما ذهبوا إليه والبيان إذا صدر من صاحب التنزيل وثبت لم يبق للمفسر قول وأما ما ذكر من مفهوم الآية فليس فيه ما ينافي معنى الحديث على ما ذكرناه لأن من الجائز أن يقال للقرآن مثاني جملة واحدة وللفاتحة على الانفراد مثاني، كما قيل لها القرآن، وهي من جملته فإن قيل كيف يصح عطف القرآن على السبع المثاني وعطف الشيء على نفسه مما لا يكاد يصح؟
قلنا: ليس من باب عطف الشيء معلى نفسه وإنما هو باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الآخر والتقدير آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين وقوله: (السبع) بيان لعدد آياتها.
وقد اختلف المفسرون في تفسير المثاني، فمنهم منَ يذهب إلى أنها من التثنية. ومنهم من يذهب إلى أنها من الثنا جمع مَثناة أو مثنية صفة للآية، وقد قيل في تأويله على القول الأول أنها يثنى على مرور الأوقات: يكررّ فلا ينقطع ويدرس فلا يندرس وقيل لما يثنى ويتجدد من فوائده حالاً فحالاً وقيل: لاقتران آية الرحمة بآية العذاب وعلى هذا [171/ب]. فأقول ومما يشهد عليه القرآن من هذا القبيل وينخرط في سلك المثاني حقوق الربوبية وأحكام العبودية وبيان سبيلي السعادة والشقاوة ومصالح المعاد والمعاش وذكر الدارين ووصف المنزلين، وإن ذهب ذاهب في تأويلها إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (وما من آية إلاّ ولها ظهر وبطن) لم نر إلا تصويبه وأما الذي يذهب إلى أنها من الثناء فلاشتماله على ما هو ثناء على الله تعالى فكأنها تثنى على الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أو لأنها أبدًا تدعو بوصفها المعجز من غرابة النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها ثم إلى من يتعلمها ويعمل بها ويتلوها ويعلمها والمثاني فيما ورد به الحديث أنها الفاتحة محتملة لوجهين سوى ما ذكرناه، أحدهما أنها: سميت مثاني؛ لأنها يكرر في الصلاة، والآخر لاشتمالها على قسمي الثناء والدعاء ويقرب عن ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
…
الحديث) وقد مر فيما تقدم مبينا مشروحًا.
[1463]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا بيوتكم مقابل .... الحديث) أي اجعلوا لبيوتكم حصّةً من الذكر والتلاوة والصلاة؛ لئلا تكون كالمقابر التي تورَّط أهلُها في مهاوى الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل وذلك نظير قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) وقد مر الحديث مبيَّن المعنى فيما تقدم من الكتاب.
[1464]
ومنه حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه اقرءوا الزهراوين
…
الحديث) الزهراوين أي المنيرتين الأزهر: النيرّ.
ومنه قيل للنيرين: الأزهران قلت: وفيه تنبيه على أن مكان [السورتين على ما عداهما] من سورة القرآن فيها يلوح عليهما لأولى البصائر من أنوار كلمات الله التامات مكان القمرين من سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوى الأبصار من النور والضياء (يأتيان يوم القيامة) أي يأتي ثوابهما الذي يستحقه التالي لهما العامل بهما، على ذلك فسره علماء السلف.
وفيه (كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف)، الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه [172 / أ]. مثل السحابة والغبرة والمظلة ونحو ذلك (والفِرْقُ) الفلق من الشيء إذا انفلق ومنه قوله سبحانه {فكان كل فرق كالطود العظيم} وقيل للقطيع من الغنم فرق، وفرقان من طير أي: طائفتان منها. وصواف جمع صافة يقول صففت القوم إذا أقمتهم في الحرب على خط مستوٍ، وصفت الإبل قوائمها فهي صافة وصواف قال الله تعالى {فاذكروا اسم الله عليها صواف} أي قائمات. وقد صففن أيديهن وأرجلهن. وطير صواف: يصففن أجنحتهن في الهواء ومنه قوله سبحانه {والطير صافات} .
وفيه (تحاجان عن صاحبهما) الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته وأريد ها هنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب عنه. وذلك داخل في المعنى المراد من المثل المضروب؛ لأنه إنما ضرب مَثل السورتين مرة بغمامتين وكرة بغيايتين وتارة بفرقين من طير لينبه على أنهما يظلاان صاحبهما عن حر الموقف وكرب يوم القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع
الثلاثة ترتيبًا لطبقات أهل الإيمان وتمييزًا بين درجاتهم، فإن العباد وإن تباعدت منازلهم في العبودية واختلفت أحوالهم في علوم المعارف لا يتعدَّون عن الأقسام الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} وهم المفتونون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئًا والأبرار والمقربون وإدخال (أو) في (غيايتان) و (فرقان) إنما كان للتقسيم؛ لأنه من قول الرسول لا من تردّد عن الرواة لا تّساق الروايات فيه على منوال واحد وعلى هذا يحتمل أنه ضرب الغمام لأدناهم منزلةً.
وأرى في حديث النواس بين سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهًا على المعنى الذي نرَاه من طريق الاحتمال وذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أو ظلتان سودَاوَان بينهما شَرْقٌ)، وحَديث النواس هذا يتلو حديث أبي أمامة، والحديثان يتفقان في المعنى وإن اختلف بعض الألفاظ فيهما فقوله (ظُلّتان) الظلة ما يظلك وقيل: هي أول سحابة تظلك. ونرى والله أعلم - أنه إنما وصفهما بالسواد [172/ ب] لكثافتهما وارتكام البعض منهما على بعض وذلك أجدى ما يكون من الظلال في الأمر المطلوب عنها وقوله: (بينهما شرَق) فالشرق: الشمس والشرق الضوء والشرق الشَّق وكل ذلك بفتح الشين وسكون الراء وهو في الحديث محتمل لأحد الوجهين إما الضوء وإما الشق والأشبه أنه أراد به الضوء لاستغنائه بقوله: (ظلتان) عَن بيان البينونة التي بينهما فإنهما لا تسمَّيان ظلتين إلا وبينهما فاصلة فبين صلى الله عليه وسلم بقوله (بينهما شرق) أنهما مع ارتكامهما وكثافتهما لا تستران الضوء ولا تمحوانه ولا خفاء أن قوله (ظلتان) في حديث النواس منزل منزلة قوله (غيايتان) في حديث أبي أمامة فعلم أن الضرب الثاني أرفع وأنفع من الأول والثالث أفضل وأكمل من الثاني وذلك؛ لأن قوله: (فرقان من طير) يدل على أن صاحبهما قد بلغ من تلاوتهما والعمل بهما والفهم فيهما مَنزلةً لم يبلغها غيره فصار كل كلمة بل كل حرف منهما مستقلة بنفسها كما أن كل طائر من الفرقين مستقل بنفسها ثم إن هذه الرتبة أعنى تظليل الطير إياه وتصفيفها الأجنحة له من عجائب الأمور ونوادر الشيءون على ما شاهدناه وسمعناه.
قد علمنا أن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله فضلاً عن الأنبياء بل شهدا التنزيل به لعموم بني إسرائيل في قوله {وظللنا عليهم الغمام} وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها فإنها مما أكرم الله به نبيه الذي آتاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده وتفسير قوله: (ولا تستطيعها البطلة) قد ورد في متن الحديث وهو قول القائل أي: السَحرة وقوله: (لا يستطيعها) أي لا يؤهلون لذلك ولا يوفقون له وأراد بالأخذ من قوله (فإن أخذها بركة): المواظبة على تلاوتها والعمل بها والمصابرة على ما تستدعى إليه من مساورة النفوس ومخالفة الهوى والله أعلم.
[1466]
ومنه حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدري أي آية من كتاب
الله معك أعظم
…
الحديث) (أي) اسم معرب يستفهم به [وهو ملازم الإضافة] ولك أن تلحق به تاء التأنيث في إضافته إلى المؤنث ولك أن تتركها قال الله تعالى {وما تدري نفس بأي أرض تموت} وقوله (معك) وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله؛ لأن (مع) كلمة تدل على المصاحبة وإنما قال ذلك وإن كان أبي ممن جمع القرآن على عهد الرسالة لأحد الوجهين أحدهما: [173 / أ]. أن السؤال إنما يحسن عما يكون المسئول عنه عالماً به فكأنما قال: أي أية مما أتيت من كتاب الله أعظم؟
والآخر: أن الوحي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا وأبىّ لم يكن يومئذ ليجمع منه إلا ما قد أنزل فلهذا وصَله بقوله (معك) وأما وجه عدول أُبَى في الكرة الأولى بقوله (الله ورسوله أعلم) عن الجواب وإتيانه فيه في الثانية هو أن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصحابي في باب العلم إنما يكون لأحد المعنيين: للحثَّ على الاستماع لما يريد أن يلقى عليه أو للكشف عن مقدار فهمه ومبلغ علمه فلَمَّا عارضه أبي بما هو حق الأدب بين يدي الله ورسوله ثم رآه لا يكتفي بذلك ويعيد إليه القول علم أنه يريد بذلك استخراج ما عنده من مكنون العلم فأجاب عنه.
قلنا: وإنما كان آية الكرسي أعظم آية لاحتوائها واشتمالها على بيان توحيد الله عز وجل وتمجيده وتعظيمه وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العُلا وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ كان في باب التَدبّر والتقرب إلى الله أجل وأعظم، ألا ترى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة ومنها ما هو الأعظم، وذلك باعتبار ما يتناوله ويعرب عنه من الصفات ويُنّبه عليه من النعوت التي لم يَرتَع حول حمَى حقيقته المجاز، والله أعلم.
[1467]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه (وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان
…
الحديث) قلت هذا الحديث وما في معناه من باب التأييد الذي أيد الله به رسوله ولهذا أخبر عنه قبل أن يخبره أبو هريرة وأخبر أنه سيعود ثم أخبر في آخر الثلاثة أنه شيطان ومصادفة أبي هريرة إياه وتمكنه منه وتخليته عنه مع رده خاسئًا من غير أن ينال من حاجته شيئا كل ذلك أيضًا داخلٌ في باب التأييد بل هو أبلغ في حق من كوشف به من الأول؛ لأن أبا هريرة قد علم أنه إنما كوشف بما كوشف به ونال ما نال منه ببركة متابعته ولإخفاء أن إكرام التابع تكرمه للمتبوع أعز وأعل من إكرام المتبوع نفسه وإلى مثل هذا المعنى يذهب في قوله سبحانه وتعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طفك فلما رآه مستقرًا عنده قال هذا من فضل ربي} فنرى فضل الله عليه بتمكين أحد أتباعه مما أراد ثم من تمكينه إياه والله أعلم.
[1468]
ومنه حديث [173/ب] ابن عباس رضي الله عنه (بينا جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه
…
الحديث) بينا من ظروف الزمان وكذلك بينما ويضاف إلى جملة من المبتدأ والخبر، وإلى جملة من الفعل والفاعل ويستدعى في الصورتين جوابا كما يستدعيه (إذا) و (لما) قال الشاعر:
فبينا نحن نرقبُه أتانا .... مُعَلَّق شِكْوَةٍ وزِنادِ راع
والنقيض صوت المحامل والرحال وما أشبه ذلك وحقيقة الانتقاض ليست الصوت وإنما هي انتقاض الشيء في نفسه حتى يكون منه الصوت وقوله (سمع) مسندٌ إلى جبريل ويحتمل الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم على بعد فيه لما يل عليه نسق الكلام (فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء)؛ فهذه الأفعال الثلاثة مسندة إلى شخص واحد وإذ قد عملنا أن جبريل عليه السلام كان هو الذي يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر السماء ويخبره عنها وعما اشتملت عليه علمنا أن المخبر عن الباب الذي لم يفتح قط هو جبريل - لا النبي لأنه كان أمين الوحي ولم يكن النبي ليخبر جبريل عن أمر السماء فعرفنا أن إسناد قوله (سمع) إلى جبريل.
وفيه (فنزل منه ملك إلى الأرض) هذا قول الراوي في حكايته الحال سمعه عن النبي عليه السلام أو بلغه منه.
وفيه: (لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيتها) الباء في قوله (بحرف) زائدة كقولك: أخذت بزمام الناقة وأخذت زمامها ويجوز أن يكون لإلزاق القراءة به وأراد بالحرف، والله أعلم، الطرف منها، فإن حرف الشيء طرفه وكنى به عن جملة مستقلة بنفسها أي أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله:{اهدنا الصراط المستقيم} وكقوله: {غفرانك} وكقوله: {ربنا لا تؤاخذنا} وقوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} ونظائره ويكون التأويل فيما شذَّ من هذا القبيل من حمدٍ وثناء أن يعطي ثوابه.
[1469]
ومنه حديث ابن مسعود ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى الحديث) قيل لها: سدرة المنتهى؛ لأن وراءها من الغيب لا يطلع عليه ملك ولا غيره.
وفي الحديث: (إليها ينتهي علم الخلائق) وقيل: إليها يُنتَهى فلا يُتجاوز، يريد الملائكة والرسل.
وفيه (إلا المقمحات) والذي أعتمد عليه من الرواية تخفيفها من قولهم: أقحمت الفرسَ النهرَ ومن شدَّدها جعلها من تقحيم النفس في الشيء وهو إدخالها فيه من غير روية، وفيه تعسف، لأن إسناد الفعل في التقحيم [174/أ]. إلى الذنوب غير مستقيم، إلا أن يستعمل على وجه الاتساع، والتخفيف أقوم وأسدُّ وأثبت والله أعلم.
[1472]
ومنه حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن
…
الحديث). المراد منه أن سورة الإخلاص تحتوي على معانٍ من علم التوحيد تقوم من القرآن مقام الثلث من
الشيء، وفي كتاب مسلم في بعض طرق هذا الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل {قل هو الله أحد} جزء من أجزاء القرآن) وقد علمنا أن المراد من التجزئة والتقسيم هو الإشارة إلى أنواع ثلاثة من العلم يشتمل عليها الكتاب، لا المعادلة من طريق النظم والتأليف، ولا يلزم منه أيضًا المساواة في مقادير المعاني والأحكام فإنك إذا قلت جزّأ فلان ليلة ثلاثة أجزاء جزء للذكر، وجزء للتلاوة، وجزء للصلاة لم يلزم منه مساواة تلك الأجزاء ولا مساواة الأعمال الواقعة فيها فقوله:(يعدل ثلث القرآن) أي يعدل المعنى الذي هو أحد المعاني الثلاثة التي نقسم عليه جملة الكتاب في تأويل ذلك.
وبيانه - والله أعلم - أن القرآن بأجمعه ينقسم إلى أقسام ثلاثة: التوحيد ويدخل فيه معرفة الأسماء والصفات والنبوات: [بطرفي] التأييد والتعليم والإخبار عما كان وعما هو كائن وعما سيكون.
ولما وصف الله تعالى نفسه في هذه السورة بالوحدانية والإلهية وبأنه منزه عن المشاركة متعالٍ عن المشاكلة والمجانسة مرجوع إليه في الحوائج ما من شيء إلا وهو يحتاج إلى الله تعالى الواحد الصمّد وهو غير محتاج إلى شيء، لا أوّل لوجوده ولا ثاني لذاته، ولا نظير له في صفاته تفرد بالأزلية والقدم والبقاء السرمدي علمنا أنها محتوية على أصول علم التوحيد الذي هو أحد الأقسام الثلاثة، فرأينا أنها عدلت بثلث القرآن لذلك.
(ومن الحسان)
[1477]
حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاثة تحت العرش يوم القيامة) الحديث. قوله: (تحت العرش) عبارة عن اختصاص [هذا] الأشياء من الله بمكان لا يساميها فيه شيء [ثم] عن إلظاظها برب العالمين من إضاعتها والاستهانة بحقها والمراد من تلك الذوات، أعنى: القرآن والأمانة والرحم، ونحو ما يلزم العباد من الوفاء بما عهد الله إليهم فيه من التحفظ ورعاية تلك الأشياء والتوقي عن إِضاعتها.
ولما كان القرآن [174/ب] أعزَّها مطلبا وأنفسها مغنماً وأجلَّها قدرًا وأعظمها حرمة فصل بينه وبين
المعطوف عليه بقوله (يحاجّ العباد له ظهر وبطن) وهو كلام معترض يُنبّه السامع على جلالة شأنه وامتيازه عما سواه بمعانٍ كثيرة [عمن] شاركه في المعنى المذكور في الحديث.
وفيه (يحاجّ العباد) أي: يخاصمهم فيما ضيّعوه من حدوده وأحكامه ويطالبهم بما أهملوه من مواعظه وأمثاله ويجادلهم فيما حرّفوه عن وجهه بآرائهم وأبدعوا فيه من القول استنادًا لأهوائهم.
وفيه (له ظهر وبطن) قيل: الظهر ما ظهر بيانه والبطن ما احتيج إلى تفسيره، وقيل: ظهره تلاوته كما أنزل، وبطنه: التدبر له والتفكر فيه، وقيل: الظهر صورة القضيّة ممّا أخبر الله تعالى من غضبه على قوم وعقابه إياهم فظاهر ذلك إخبار عنهم، وباطنه عظة وتنبيه لمن يقرأ القرآن ويسمع من الأمة وهذا وجه حسن لولا اختصاصه ببعض دون بعض، فإن القرآن متناول لجُملة التنزيل وفي حَمْل قوله (له ظهر وبطن) على الوجه الذي ذكر تعطيل لما عداه وأرَى القول الوجيز في بيانه أن يقال: ظهره: ما استوى المكلفون فيه من الإيمان به والعمل بمقتضاه، وبطنه: ما وقع التفاوت في فهمه بين العباد على حسب مراتبهم في الأفهام والعقول وتباين منازلهم في المعارف والعلوم.
قلت: وإنما أردف قوله (يُحاج العباد) بقوله (له ظهر وبطن) لينبّه على أن كلا منهم إنما يطالب بقدر ما انتهى إليه من علم الكتاب وفهمه. فإن قيل: أليس القسمان الآخران داخلين في جملة الكتاب الذي عهد إليهم ربهم في التمسك به فما فائدة التثني والتثلُّث بهما، قُلنا: نعم قد وجدنا الأمانة والرحم مما أمر الله تعالى في كتابه بحفظه، وإنما ذكر على الانفراد تأكيدًا لحرمتها ومبالغة في الوصية بحفظهما ويقرب من المعنى الذي ذكرنا، ذكر الكتاب مع الأمانة فإن العبد إذا تدين بحفظ الأمانة وأدائها لم يكن ليضيع كتاب الله فإنه من أعظم الأمانات، والأمانة في قوله تعالى:{إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} مفسَّرة بأنها الواجب من حق الله تعالى والأمانة ما كان لازم الأداء من حق الله وحق العباد، ويكون بصدد أن يُخان فيه، والأمانة والخيانة نقيضان [175/أ]. يعرف أحدهما بالآخر والرحم استعيرت للقرابة بين الناس؛ لكونهم خارجين من رحم واحدة موجبة للرَّقة والحنوَّ.
[1478]
ومنه: حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام: (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق
…
) الحديث. الصحبة للشيء: الملازمة له إنسانًا كان أو حيواناً أو مكانًا أو زمانًا
ويكون بالبدن وهو الأصل والأكثر ويكون بالعناية والهمّة، وصاحب القرآن هو الملازم له بالهمة والعناية ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة وتارة بالتدبر له والعمل به.
فإن ذهبنا فيه إلى الأول، فالمراد من الدرجات بعضها دون بعض والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدّين، أنّ العامل بكتاب الله المتدّبر له أفضل من الحافظ والتالي، إذا لم ينل شأوَه في العمل والتدبر وقد كان في الصحابة من هو أحفظ لكتاب الله تعالى من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأكثر تلاوة منه وكان هو أفضلهم على الإطلاق لبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به.
وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمهما فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها وحينئذٍ تقدر التلاوة في القيامة على مقدار العمل فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها واستكمال ذلك إنما يكون للنبي (صلى الله عليه وسلم) ثم الأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين كل منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبرا وعملا وقد ورد في الحديث (إن درجات الجنة على عدد آيات القرآن) وفي هذا دليل على صحة ما ذهبنا إليه.
[1481]
ومنه: حديث على رضي الله عنه سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها
…
) الحديث المخرج - بفتح الميم-: موضع الخروج وهو - أيضًا - مصدر تقول: خرجت خروجًا ومخرجًا ومعنى الحديث ما السبب الموصل عند وقوع تلك الفتنة إلى التفصّى عنها والتخلص منها.
وفيه (هو الفصل) قيل: ما [أراد] نعته في الحديث يقتفي نعته في الكتاب قال الله تعالى {إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل} الفصل هو الفاصل بين الحق والباطل [175/ب].
والهزل ضد الجد كأنما أخذ من الهزل الذي هو ضد السمن تقول هُزلت الدابة هُزالاً - على ما لم يسم فاعله - وهزلتها فهي مهزول. وحقيقة المراد من الهزل هو القول العرىّ عن المعنى المرضى، والكلام الخالي عن القواعد المطلوبة.
وفيه (من تركه من جبار قصمه الله) الجبار في صفة الإنسان لا يقال إلا على طريق الذم، فإنما يُوصف به إما لأنه يجبر نقيصته بادَّعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، أو لأنه يذهب بنفسه على التعالي عن قبول الحق والإذعان له.
والقصم: الحَطم والكسر، ومنه رجل قًصمٌ: يَحطم ما لقى يقول الله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} أي حطمناها وهشمناها وذلك عبارة عن الهلاك ويسمى الهلاك قاصمة الظهر.
وفيه (وهو حبل الله المتين) الحبل يستعار للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء فحبل الله هو الذي إذا توصل به المتمسك أداه إلى [جوار القوى ........].
وفيه (وهو الذكر الحكيم) الذي ذكر من أسماء القرآن قال الله تعالى {أؤنزل عليه الذكر من بيننا} سمى به؛ لأنه لا يزال يذكر ويذكر به المنزل عليه والمؤمن به والعامل والتالي فيفيده [التثبيت] ويكسبِه [الزين] قال الله تعالى: {ص والقرآن ذي الذكر} أي ذي الصّيت والشرف، ولفظ الحكيم دال على معنيين: المحكم نحو {أُحكمت آياته} ، والمتضمن للحكمة فهو محكم ومفيد حكمة.
وفيه (لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة) أي لا تميل به الأهواء المضلة عن نهج الإستقامة وذلك إشارة إلى تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (ولا تلتبس به الألسنة) أي لا تصرفه وتُغيّره عما هو عليه فيختلط كلام الرب بكلام المربوبين ويلتبس الحق بالباطل. والالتباس: الاختلاط والاشتباه ومعنى الفصل راجع إلى بيان ما تكفل الله به لنبيه من صيانة هذا الكتاب عن التحريف والإضاعة قال الله سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحافظون} .
وفيه (لا يخلق عن كثرة الرد) خلُق الشيء - بالضم - خلوقة أي: بلى، [وكذا في المضارع] وأخلق الثوب مثله. والذي نعرفه من طريق الرواية فتح الياء وضم اللام، وضم الياء وكسر اللام منه صحيح من طريق اللغة ولم نَدرِ أوردت به الرواية أم لا. وأراد (بكثرة الرد) كثرة [176/أ] ترداده على ألسنة التالين وآذان السامعين كرَّةى بعد أخرى والمعنى لا يذهب رونقه كثرة الاستعمال فلا يزال غضّاً طريّاً كما أنزل لا [تَمجّه] الآذان، ولا تسأم منه القلوب، كالذي يكون من كلام الناس. وهذه إحدى الآيات المشهودة عن هذا الكتاب الكريم المبارك.
[1483]
ومنه: حديث عقبه بن عامر رضي الله عنه عن النبي عليه السلام: (لو كان القرآن في إهاب ما مسَّته النار) المعنى لو قدّر أن يكون القرآن في إهاب ما مست النار ذلك الإهاب لبركة مجاورته القرآن فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه وقطع بتلاوته ليله ونهاره. والإهاب: الجلد الذي لم يُدْبَغ. وإنما ضرب
المثل به - والله أعلم - لأن الفساد إليه أسرع ونفج النار فيه أنفذ ليبسه وجفافه، وقد رأينا في الشاهد أن الجلد الذي يدبغ يفسده وهج الشمس بأدنى ساعة ويخرجه عن طبعه، ورأينا المدبوغ يقوى على ذلك للينه ثم إن الإهاب أشبه شيء في المماثلة بمسلاخ الإنسان المكتنف بدنه فصار التمثيل بالإهاب أبلغ في المعنى المراد منه للوجهين. والمراد من النار المذكورة في هذا الحديث نار الله الموقدة المميزة بين الحق والباطل التي لا تطعم إلا الجنس الذي بعد عن رحمة الله دون النار التي نشاهدها فهي وإن كانت محرقة بأمر الله وتقديره أيضا فإنها مسلطة على الذوات القابلة للحرق لا تنفك عنه إلا في الأمر النادر الذي ينزع الله فيه الحرارة عنها أو يدفعها كما كان من أمر خليل الرحمن صلوات الله عليه.
[1486]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ فأوكئ علينا أي: بخل ولما كان هذا الذي آتاه الله من فضله فوفقه لاستظهار كتابه نام عن تلاوته والقيام به، وبشكره ضرب له المثل بجراب المسك الذي يؤكئ عليه صاحبه أي يشد عليه بالوكاء فلا تفوح ريحه فيكون قد ضيع فائدته في حق نفسه، وبخل به على غيره ولم يكن ذلك لينقصه شيئا بل يكسبه حمدا وثوابا.
[1488]
ومنه: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي عليه السلام: (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة)[176/ب].
معنى ذلك - والله أعلم - أنه ثبت ذلك في اللوح المحفوظ أو غير ذلك من مطالع العلوم الغيبية وفي أكثر نسخ المصابيح بل في سائرها الحديث إلا ما أصلح (أنزل فيه آيتين) والرواية (أنزل منه) أي: أنزل من جملة الكتاب المذكور آيتين ختم بهما سورة البقرة فإن قيل كيف يصح حمل ذلك الكتاب على اللوح المحفوظ وقد ذكر أنه كتب قبل خلق السموات والأرض بألفي عام.
وفيه في الحديث الصحيح الذي يرويه عبد الله بن عمرو: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة). وهو محمول عند الأكثرين على أنه كتب في اللوح المحفوظ فإن كل كائن مكتوب فيه.
قلنا: وقد ذهب بعض أهل التفسير إلى أن أم الكتاب غير اللوح المحفوظ وعلى هذا فلقائل أن يقول كتب في أم الكتاب ثم أبرز بعده في اللوح المحفوظ. قلت: وهذا قول لا حقيقة له عندنا فالأولى أن لا نتبعه بالظن والتخمين بل نقول: إن كان الكتاب المذكور في حديث نعمان بن بشير غير الذي في حديث عبد الله بن عمرو فالأمر فيه بين، فإن كانت الإشارة في الحديثين إلى كتاب واحد فالوجه فيه أن نقول اختلاف الزمانين في إثبات الأمرين لا يقتضي التناقض بين الحديثين؛ لأن من الجائز أن لا يكون مظهر الكوائن في اللوح المحفوظ دفعة واحدة بل ثبتها الله شيئا فشيئا، ويكون المراد في هذا الحديث نوعا مكتوبا في اللوح من الأنواع المكتوبة فيه فيكون أمر المقادير على ما [ذكروا من] النوع الذي أنزل فيه آيتين على ما [ذكر].
فإن قيل: كل ما أخبر عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم) لابد وأن يكون خبره به متضمنا لفائدة فما فوقها. فما الفائدة التي يتضمنها هذا الخبر؟
قلنا: تعريفه إيانا فضل الآيتين؛ فإن سبق الشيء بالذكر على سائر أنواعه وأجناسه يدل على فضيلة مختصة به من بين تلك الأجناس والأنواع، ومن هذا القبيل قوله (صلى الله عليه وسلم)(إني عبد الله في أم الكتاب وإن آدم لمنجدل في طينته) أي كنت مذكورا في أم الكتاب قبل خلق آدم ولم يرد بذلك أنه ذكر في أم الكتاب يومئذ وإنما أراد به أنه كان مذكورا قبل خلق آدم. وبقي الأمر [177/أ] فيه على الاحتمال أن يكون ذلك السبق من [معاني تمييزه] وبأحقاب كثيرة أو بما بين ذلك وهذا الحديث - أعني [الحديث] نعمان بن البشير - يدل على أنه كان مذكورا قبل خلق السموات والأرض بألفي عام، سوى ما يحتمله من الزيادة؛ لأن التنزيل يتضمن ذكر المنزل عليه ويبين خصيصاه بتلك الكرامة.
وحديث [أبي هريرة] الذي في هذا الباب عن النبي (صلى الله عليه وسلم)(إن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام) لو ثبت لم نحتج فيما ذكرناه إلى حجة أخرى؛ لأن الله تعالى إذا أظهر شيئا من الكتاب الذي قدر إنزاله على عبده وأبرزه لحملة عرشه والطائفين حوله فقد رفع ذكر ذلك المنزل عليه ونوه باسمه لا سيما وفيه ذكره وحجته وبيان ما أرسل به ومن عليه به غير أن في إسناده مقالا.
فإن قيل: ولو ثبت أو ليس ما في السورتين من ذكر غيره من الأنبياء ينقض عليكم تلك [القالة] قلنا: لو ثبت الحديث فلا خفاء بأن ذكر المذكورين فيهما من الأنبياء تبع لذكره وإذا كان ذكره هو الأصل وذكر غيره كالفرع له لم ينقض ذلك ما استبنينا عليه القول، وإن لم يثبت فنحن في غنية من الاستدلال به لما ورد في هذا الباب من الدلائل في أحاديث الإثبات.
فإن قيل: أو ليس الكتاب الذي كتب الله [فيه] المقادير آتيا على ذكر ما هو كائن إلى يوم القيامة من ملك وجن وإنس، فكيف يتصور منه سابقة ذكر؟
قلنا: إنما كان ذلك لبيان علم الله بالمخلوقات التي أراد خلقها ونفوذ قضائه فيها، ولم يكن هناك ملك ولا جن ولا إنس حتى يذكر أحد منهم على وجه الشرف والفضل، فإن هذا النوع من الذكر إنما يوجد مع وجود سامع من الخلق ولم يكن هناك سامع. والدليل على ذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ما أكتب قال: القدر ما كان وما هو كائن [إلى الأبد]) وقد أخرجه أبو داود وأبو عيسى في كتابيهما، والذي ذكرناه أنه يدل على: أن الفضيلة الخاصة إنما كان لبيان شرف المذكور وبيان درجات المصطفى من عباده وبيان ما أيد به. [177/ب] من الوحي وبيان ما بينه وبين غيره من الكتب المنزلة من التفاوت في الفضل فأسمع به من خلق حينئذ من أهل طاعته، وأطلعهم تنويها باسمه وتعظيما لقدره؛ إذ قد علمنا من مورد الخطاب وفصله أن الشارع إنما ذكر ذلك عن التنزيل وعن نفسه أنه كان عبد الله في أم الكتاب لبيان ما خوله الله وأنعم به عليه وأكرم به وجهه من الشرف والفضل ولا محمل له غير ذلك، وهذا هو الفرق بين الأمرين.
فإن قيل: وما يدريك أن لا يكون الكتب المنزلة قبل القرآن مشاركة له في سابقة الذكر. قلنا: أعظم تلك الكتب وأبسطها [بيانا] وأكثرها إحكاما وأوفرها اتباعا على ما انتهى إلينا من أخبار الأمم (التوراة) وقد عرفنا صحة ذلك من فصل الخطاب فيما نتلوه من كتاب ربنا ونرويه من سنة نبينا، وقد علمنا بالحديث الصحيح أن التوراة قد تأخر في سابقة الذكر عن القرآن بما لا يضبط ولا يحصى من الأعوام والأحقاب، فغيره أولى أن يكون في ذلك على مثل حال التوراة أو دونه والحديث هو الذي يرويه عمر بن الخطاب وأبو هريرة وجندب البجلي رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في محاجة آدم وموسى وفيه:(فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عاما). ولقد أسهبنا في المقال في بيان هذا الحديث وكان القصد فيه بيان جملة كثيرة من السنن يتهيأ بيانها على هذا المنوال والله أعلم.
[1490]
ومنه: حديث أنس رضي الله عنه عن النبي عليه السلام: (إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس) أراد بكل شيء الجنس الذي يصح إضافة القلب إليه، إما صورة أو معنى، فإن القلب يستعمل في كلامهم على وجوه كثيرة منها قلب الإنسان يعبر به عن المعاني المختصة من الروح والعلم والفهم والعقل والشجاعة وغير ذلك ومنها قلب الجيش وقلب العقرب وقلب الشجر.
ولما كان القلب لب الإنسان استعمل القلب في لب الأشياء، فقيل: قلب النخلة أي لبها وقولهم: هو عربي قلبا أي خالص. ومنه الحديث: كان علي قرشيا قلبا وقد فسره أبو عبيد فقال: فطنا فهما.
وقوله: (قلب القرآن يس) أي: لبه وذلك لاحتواء تلك السورة مع قصر نظمها وصغر حجمها على الآيات الساطعة والبراهين القاطعة والعلوم المكنونة والمعاني الدقيقة والمواعيد الرغيبة والزواجر البالغة والشواهد البليغة والإشارات الباهرة وغير ذلك مما لو تدبره المؤمن العليم لصدر عنه بالري ومع الري كان كالذي لم ينهل من السبيل إلا زبدا ولم يسمع من البحر إلا خبرا. وهذا الحديث مخرج في كتاب أبي عيسى وفي إسناده عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان وهارون هذا لا يعرفه أهل الصنعة في رجال الحديث فهو نكرة لا يكاد يتعرف.
[1498]
ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زلزت تعدل نصف القرآن) إن
صح الحديث فالوجه فيه أن نقول جملة ما يجب علينا القول به والعمل بمقتضاه من كتاب الله ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بهذه الدار، وقسم يتعلق بالدار الآخرة.
ولما كانت هذه السورة آتية على جمل ما سيكون بعد الساعة عدلت من طريق المعنى بنصف القرآن. وإنما قلنا: إن صح الحديث لما في إسناده من الوهن فإن أبا عيسى أخرجه في كتابه وهو من مفاريده وفي إسناده يمان بن المغيرة. أبو حذيفة العنزي وهو ضعيف، وقد ذكره البخاري وقال: هو منكر الحديث ونحن لم نعرف لهذا الحديث سنادا سوا هذا، ثم إنه يخالف حديث أنس وهو حديث حسن أخرجه أبو عيسى في جامعه ولفظه (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان فقال: لا والله يا رسول الله ولا عندي ما أتزوج به قال: أليس معك {قل هو الله أحد} ؟ قال: بلى. قال: (ثلث القرآن). قال: أليس معك: {إذا جاء نصر الله والفتح} قال: بلى. قال: (ربع القرآن) قال: أليس معك {قل يا أيها الكافرون} قال: بلى. قال: (ربع القرآن) قال: أليس معك {إذا زلزت} قال: بلى. قال: (ربع القرآن) قال: (تزوج تزوج).) وهذا أولى الحديثين [القبول] وتأويل قوله: {إذا زلزلت} (ربع القرآن) والله أعلم أن نقول من طريق الاحتمال: إن القرآن كله يشتمل على أحكام الشهادتين في التوحيد والنبوة وعلى أحوال النشأتين وذلك أقسام أربعة و {إذا زلزلت} تشمل إجمالا على ما يلقاه الإنسان في النشأة الآخرة وعلى هذا
التقسيم نبني القول في {قل يا أيها الكافرون} أنها ربع القرآن لما فيها من البراءة من الشرك والتدين بدين الحق، وهذا هو التوحيد الصرف؛ لهذا قرنت في معنى الإخلاص بـ {قل هو الله أحد} قال جابر في الحديث الصحيح الذي رواه عنه محمد بن جعفر (قرأ - عني رسول الله صلى الله عليه وسلم[178/ب]- في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص) هذا، ونحن وإن سلكنا هذا المسلك بمبلغ علمنا نعتقد ونعترف أن بيان ذلك على الحقيقة إنما يتلقى من قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإنه هو الذي ينتهى إليه في معرفة حقائق الأشياء والكشف عن خفيات العلوم، فأما القول الذي نحن بصدده ونحوم حوله على مقدار فهمنا وإن سلم من الخلل والزلل لا يتعدى عن ضرب من الاحتمال.
[1504]
ومنه حديث عقبة بن عامر في حديثه (بين الجحفة والأبواء
…
) الجحفة مسهل أهل الشام.
وسيذكر في المواقيت. والأبواء: قرية من عمل الفرغ من المدينة بينها وبين الجحفة ثلاثون أو عشرون ميلا سميت بذلك لتبوء السيول بها.
ومن الفصل الذي يليه
[1507]
منه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (تعاهدوا القرآن
…
) الحديث. قد ذكرنا فيما مضى أن التعهد والتعاهد هو التحفظ بالشيء وتجديد العهد به ومعناه - هاهنا - التوصية بتجديد العمل بقراءته؛ لئلا يذهب عنه وفي معناه (استذكروا القرآن): أي تفقدوا القرآن بالذكر وهو عبارة عن استحضاره في القلب وحفظه عن النسيان بالتلاوة وهو في رواية ابن مسعود وفيه (لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها).
التفصي من الشيء التخلص منه. تقول من الديون: إذا خرجت منها، وعقل جمع عقال مثل كتب وكتاب يقال: عقلت البعير أعقله عقلا وهو أن يثنى وظيفه مع ذراعه فيشدهما جميعا في وسط الذراع وذلك الحبل هو العقال. ويجوز تخفيف الحرف الأوسط في الجمع مثل كتب وكتب والرواية فيه من غير تخفيف وتقدير الكلام: لهو أشد من الإبل تفصيا من عقلها.
والمعنى أن صاحب القرآن إذا لم يتعاهده بتلاوته والتحفظ والتذكر حالا فحالا إلا كان أشد ذهابا من الإبل إذا تخلصت من العقال فإنها تنفلت حتى لا تكاد تلحق.
[1511]
ومنه الحديث: سئل أنس رضي الله عنه عن قراءة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: (كانت مد) أي ذات مد، والمراد منه تطويل النفس في حروف المد واللين عند الفصول والغايات وفي غير ذلك مما يحسن دونه المد وفي كتاب البخاري (كان يمده مدا). وفي رواية:(كان مدا) أي: كان يمده مدا وفي المصابيح كانت على ما ذكرتا، ولم نطلع عليه رواية، وفي أكثر النسخ قيده (مداء) على زنة فعلاء أي كانت قراءته مداء. والظاهر أنه قول على التخمين ممن تخبط فيه بخبط [179/أ] العشواء.
[1512]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن) أي ما استمع وذلك عبارة عن حسن موقعه عند الله، فإن الكلام إذا وقع موقع القبول عبر عنه بالاستماع، وكذلك الدعاء إذا بلغ مبلغ الإجابة، ومنه قوله (سمع الله لمن حمده) وأذن الله له أذنا - بفتح الهمزة والذال في المصدر - أي: استمع قال قعنب بن أم صاحب:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به .... وإن ذكرت بشر عندهم أذنو
في كتاب أبي داود (ما أذن لنبي حسن الصوت) ومنه الحديث (ما بعث [لنبي] حسن الصوت) وهذه
الزيادة ما أراها وردت مورد الاشتراط لإذن الله، بل وردت مورد البيان؛ لكون كل نبي حسن الصوت ومنه الحديث (ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت).
وفيه (يتغنى بالقرآن) ذهب كثير من أهل العلم فيه إلى معنى الإعلان ويدل عليه قوله (يجهر به) فإن ذلك كالتفسير له وقد روي عن أبي عاصم النبيل أنه قال: أخذ ابن خديج بيدي فأوقفني على أشعب الطماع، فقال: غن ابن أخي ما بلغ من طمعك. أي أخبرنا به معلنا غير مسر وفي معناه قول (ذو) الرمة:
أحب المكان القفر من أجل أنني .... به أتغنى باسمها غير معجم
أي أفصح باسمها وأعلن به غير مخفت، وأراد بالقرآن هاهنا الجنس الذي يتلى من كتب الله المنزلة.
[1514]
ومنه: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (ليس منا من لم يتغن بالقرآن).
قلت: قد ذهب بعضهم في معناه إلى ترديد الصوت وتزيينه بالنغمات، وهذا - وإن اقتضاه اللفظ - فإن أول الحديث يمنع عنه لأن قوله:(ليس منا) من باب الوعيد أي ليس من أهل سنتنا وممن يتبعنا في أمرنا، ولا خلاف بين الأمة أن قارئ القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين منه صوته فكيف نعلمه مستحقا للوعيد وهو مثاب مأجور فأحسن ما يذهب إليه في المعنى إما الإعلان والإفصاح به ونجعله تبعا للإقرار بتوحيد الله تعالى ونبوة أنبيائه ويجعل الجهر به والإشادة بذكره في شعار الإسلام وإقامته [179/ب] كالإعلان بالشهادتين في صحة الإيمان وإما الاستغناء قال الأعشى:
وكنت امرأ زمنا بالعرا .... ق عقيف المناخ طويل التغني
وقال ابن الأعرابي: إن العرب كانت تتغنى بالركباني إذا ركبت الإبل وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحب النبي (صلى الله عليه وسلم): أن يكون هجيراهم القرآن مكان الركباني وهذا الوجه راجع أيضا إلى أحد المعنين: إما رفع الصوت به وإما الاستغناء به عما يخالفه ويتعداه من الأحاديث، فإن قيل: أو ليس في الحديث (زينوا أصواتكم بالقرآن).
قلنا: نعم ونحن لا ننكر تحسين الصوت بالقراءة والترديد فيه على وجه لا يخل بنظام الكلام ولا يقطع
اللفظ ولا يزيل الحروف عن أماكنها وقد حمد النبي صلى الله عليه وسلم قراءة أبي موسى فقال: (أوتي مزمارا من مزامير آل داود) وروي عن أبي موسى أنه قال: لو علمت أنك تستمع إلى قراءتي لحبرتها لك تحبيرا أو كما قال. ومن أوضح الدلائل على استحباب ذلك واحتساب الأجر فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (زينوا أصواتكم بالقرآن) وسنبينه في موضعه - إن شاء الله - وإنما عدلنا عن هذا الوجه في تأويل حديث سعد للعلة التي ذكرناها، فأما في حديث أبي موسى (كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن) فإنه يحتمل أن يأول على رفع الصوت به للإعلان وعلى تحسين الصوت وترديده وحمله في حديث أبي موسى على الاستغناء غير مناسب لنظم الحديث.
[1516]
ومنه: حديث أنس رضي الله عنه قال النبي عليه السلام لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن
…
) الحديث. يوجد القراءة على الشخص من وجهين قراءة تعليم وقراءة تعلم وكان قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي قراءة تعليم فقرأ عليه ليكون هو أضبط لما يلقى إليه ثم ليأخذ عنه صيغة التلاوة ويتعلم حسن الترتيل والتأدية كما يأخذ عنه نظم التنزيل ويتعلم، ولم يكن ذلك ليتهيأ له إلا بقراءة الرسول وإنما خص به أبي لما قيض له من الأمانة في هذا الشأن فأمر الله نبينه أن يقرأ عليه ليأخذ هو عنه رسم التلاوة كما أخذه نبي الله عن جبريل [180/أ]. ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول، والخلف عن السلف وقد أخذ عن أبي رضي الله عنه بشر كثير من التابعين وهلم جرا).
(ومن الحسان)
[1518]
حديث أبي سعيد الخدري (فجلس وسطنا ليعدل فينا بنفسه) أي ليجعل لنفسه عديلا ممن جلس إليهم ويسوي بينه وبين أولئك الزمرة في المجلس رغبة فيما كانوا فيه وتواضعا لربه سبحانه وتعالى.
وفيه (يا معشر الصعاليك). الصعلوك الذي لا مال له وصعاليك العرب ذوبانها وكان عروة بن
الورد يسمى عروة الصعاليك؛ لأنه كان يجمع الفقراء في حضيرة وكان يجري عليهم مما يغنمه. وصعاليك المهاجرين: فقراؤهم.
[1519]
ومنه: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (زينوا القرآن بأصواتكم) أي زينوا أصوتكم به كذا فسره كثير من العلماء وقالوا: إنه من المقلوب الذي كانت العرب تستعلمه في كلامهم كقولهم: إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أي: استوت الحرباء عليه. وأنشد الأخفش:
وتلحق خيل لا هوادة بينهم .... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
أراد وتشقى الضياطرة بالرماح فقلبه وهذا السياق الذي أورده مؤلف الكتاب رواية الأعمش عن طلحة بن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء، وقد رواه معمر عن منصور عن طلحة عن البراء عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(زينوا أصواتكم بالقرآن) وهي أولى الروايتين وأرضاهما، وروى الخطابي عن ابن الأعرابي عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن أبي قطن عن شعبة أنه قال: نهاني أيوب أن أحدث: (زينوا القرآن بأصواتكم) والمعنى: ارفعوا به أصواتكم واجعلوا ذلك هجيراكم ليكون ذلك زينة لها وقد اغتر بظاهر هذا الحديث أقوام عدل بهم الهوى عن منهج الحق فتاهوا في [بحارة] الإفراط فتدرجوا في تحسين الصوت مع التجويد إلى [التزيد] في الألحان والأخذ بكتاب الله مأخذ الأغاني وكان أول من قرأ بالألحان على ما بلغنا عبيد الله بن أبي [بكرة] وكان يقرأ قراءة حزن فورثه منه ابن ابنه عبيد الله بن عمر بن عبيد الله وإليه تنسب قراءة العمري وأخذ عنه الأباضي ثم أخذ عن الأباضي [180/ب] سعيد العلاف، وكان الهشيم وأبان وابن أعين يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء.
والقراءة على الوجه الذي يهيج الوجد في قلوب السامعين، ويورث الحزن ويجلب الدمع - مستحب ما لم يخرجه التغني عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف؛ فإذا انتهى إلى ذلك عاد الاستحباب فيه كراهة وأما الذي أحدثه المتكلفون، وأبدعه المرتهنون بمعرفة الأوزان وعلم الموسيقى؛ فيأخذون في كلام الله مأخذهم في النشيد والغزل [والمرثوات] حتى لا يكاد السامع يفهمه من كثرة
النغمات والتقطيعات - فإنه من أشنع البدع، وأسوأ الأحداث في الإسلام؛ ونرى أدنى الأقوال وأهون الأحوال فيه أن توجب على السامع النكير، وعلى التالي التعزيز.
[1523]
ومنه: حديث يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبي ? فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا) المراد منه حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد، وأما الرواية الأخرى: أنه كان يقطع قراءته يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف، ثم يقول: الرحمن الرحيم، ثم يقف - فإنها ليست بسديدة في السنة، ولا بمرضية في اللهجة العربية؛ بل هي صيغة لا يكاد يرتضيها أهل البلاغة وأصحاب اللسان؛ فإن الوقف الحسن ما اتفق عند الفصل والوقف التام من أول الفاتحة عند قوله:{مالك يوم الدين} ، وكان ? أفصح الناس لهجة، وأتمهم بلاغة؛ حتى صدر عن سوره كل بليغ بالرى، وقد استدرك الرواي ذلك بقوله: والأول أصح.
ومن الفصل الذي فيه أورد المؤلف في هذا الفصل أحاديث. وفيها ما يفتقر إلى البيان.
[1525]
كقوله في حديث عمر وهشام بن حكيم رضي الله عنهما: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) وقد مر بيان ذلك في كتاب العلم، مستوفى، فليراجعه المفتقر إليه.
[1527]
ومنه قول أبي رضي الله عنه في حديثه: (فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في
الجاهلية)؛ يريد أنه كان أعظم في نفسي مما كنت عليه في الجاهلية؛ وإنما استعظم الحالة التي ابتلى بها فوق ما استعظم حالته الأولى؛ لأن الشك الذي [181/أ] يداخله في أمر الدين ورد على مورد اليقين، والنكرة بعد المعرفة أطم وأظلم.
وفيه: (ففضت عرقا) إسناد الفيضان إلى نفسه وإن كان مستدركا بالتمييز فإن فيه إشارة إلى أن العرق فاض منه حتى كأن النفس فاضت معه. ومثله قول القائل: سالت عيني دمعا.
وفيه (كأنما أنظر إلى الله فرقا)، والفرق بالتحريك: الخوف، أي أصابني من خشية الله والهيبة منه فيما قد غشيني ما أوقفني موقف الناظر إلى الله إجلالا وحياء، والله أعلم.