الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العقوبة، فإنه يحمل على أنه نهاه عن ذلك نظراً له- على ما بينا- وكان عليه أن يجيبه لما دعاه، فلو قبلها كان مستوجباً للعقوبة، لأنه لم يتبع أمره، ولم يستمع لقوله، والله أعلم.
(ومن الحسان)
[2020]
حديث عم خارجة بن صلت: (كأنما أنشط من عقال): أي حل، يقال: نشطت الحبل أنشطه، نشطاً: عقدته، وأنشطته أي: حللته، وهذا القول أعني:(أنشط من عقال) يستعملونه في خلاص الموثوق، وزوال المكروه في أدنى ساعة والوجه في هذا الحديث قدمناه.
[2021]
ومنه قوله: صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأخير أجرته
…
الحديث) وصف هذا الحديث في المصابيح بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل، أم هو شيء ألحق به؟! وقد وجدته مسنداً إلى ابن عمر رضي الله عنه، وقد أورد بقية الحديث بمعناه أبو داود في كتابه بإسناد له عن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (للسائل حق وإن جاء على فرس) معنى هذا القول أن الذي يبذل لك وجهه بالسؤال، وإن وجد على حال تكون مظنة للغني، فإنه أدلى إليك بحق يجب عليك رعايته، وذلك بأن تحسن به الظن وتقرر في نفسك بان حاجة ما دعته إلى ذلك وأن وراء ما ترى خلة، لم يستطع سدها، فتبذل له معروفك، كما بذل لك وجهه، فإن لم تجد إلى ذلك سبياً، فبميسور من القول تحسن مردودك.
ومن
باب إحياء الموات والشرب
(من الصحاح)
[2122]
حديث عائشة:رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق
بها) قد سبق القول في بيان إحياء الموات، وبيان الاحكام المتعلقة به، واختلاف العلماء فيها، في باب الغصب.
وهذا الحديث مما أخرجه البخاري في كتابه، ولفظه [من عمر] ووجدناه في نسخ من المصابيح (أعمر بزيادة (ألف) وليس بشيء.
وفي البخاري- بعد تمام الحديث: قال عروة: قضى به عمر- رضي الله عنه: في خلافته.
[2123]
ومنه: حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا حمى إلا لله ولرسوله) كان زعيم القوم في الجاهلية يحمي المكان الخصيب لخيله وماشيته، ويمنع غيره عنا لرعية فيه، فأبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعملهم أن ذلك من الأمور التي لا شرعة فيها لأحد، بل هي إلى الله- تعالى- وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي لأحد أن يفعل إلا أن يأذن الله لرسوله فيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حمى النقيع، لإبل الصدقة، وحمى عمر- رضي الله عنه الرف والزبدة، وقد ذكرنا في باب دخول مكة- أن الأكثرين رووا السرف بالسين المهملة، كما هو في سرف اذي بقرب مكة. ورواه ابن وهب بالشين المعجمة. قيل: وهو الصواب.
[2124]
ومنه حديث عروة: (خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شريج من الحرة) اختلفت الرواية في كتاب البخاري في (شريج الحرة) رواه عن بعضهم: شريج، وعن بعضهم: شراج.
وشراج هو الصواب من الروايتين، وهو جمع شرج والشرج: ميل الماء من الحرة. ويجمع أيضاً على شروج والشريج أيضاً لم يعرف في هذا المعنى.
وكان خصام الزبير رضي الله عنه مع الأنصاري في ماء المد الذي كان يجري في مسيل الحرة، وحق الشرب في ذلك إنما هو الأول فالأول، وكان ينتهي أولاً إلى أرض الزبير.
وفيه: (فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك) أي: لأن كان ابن عمتك حكمت بما حكمت. وقد اجترأ
جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلى النفاق، وأخرى إلى اليهودية. [وكلا] القولين زائغ عن الحق، إذ قد صح أنه كان أنصارياً. ولم يكن الانصار من جملة اليهود، ولو كان مغموصاً عليه في دينه لم يصفوه أيضاً بهذا الوصف؛ فإنه وصف مدح. والأنصار- وإن وجد فيهم من يرمى بالنفاق- فإن القرن الاول والسلف بعدهم تحرجوا واحترزوا أن يطلقوا على من ذكر بالنفاق واشتهر به: الأنصاري.
والأولى بالشحيح بدينه أن يقول: هذا قول [56 أ) أزله الشيطان فيه بتمكنه منه عند الغضب، وغير مستبدع من الصفات البشرية الابتلاء بأمثال ذلك.
وفيه: (حتى يرجع إلى الجدر) الجدر- بفتح اجيم وسكون الدال المهملة- قيل: إنه المسناة، وهي للأرضين كالجدار للدار. وقيل: هو الجدار. وقيل: هو أصل الجدار. ورواه بعضهم بضم الاوليين، على أنه جمع جدار ورواه بعضهم بالذال المعجمة يريد: مبلغ تماما لشرب من جدر الحساب. والجيم منه يفتح ويكسر، وهو أصل كل شيء. وهذه الرواية لا اعتداد بها؛ إذ المحفوظ فيه بالدال المهملة.
وفيه: (فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه) أي: استوفاه له، مأخوذ من الوعاء.
ومن أهل العلم من يرى أن الحديث من هاهنا من كلام الزهرى، أردجه في الحديث، وهو كثير الإدراج في أحاديثه، من غير فصل يميز به الحديث عما أدرج فيه.
وفيه: (حين أحفظه الانصاري) أي: أغضبه. يقال: أحفظته فاحتفظ. أي: أغضبته فغضب. والحفيطة: الغ ب والحمية، وكذلك الحفظة بالكسر.
[2125/ 2126] ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحديث جابر رضي الله عنه في منع الماء، وقد شرحناه فيما قبل.
[2127]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (لقد أعطى بها أكثر مما أعطى) كلا الفعلين على بناء المفعول.
ومن الحسان:
[2129]
حديث سمرة بن جندب- رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحاط حائطاً على أرض، فهي له) يستدل به من يرى التملك بالتحجير، ولا تقوم به حجة؛ لأن التملك إنما هو بالإحياء. وتحجير الأرض وإحاطته بالحائط ليس من الإحياء في شيء. ثم إن قوله [57 ب]:(على أرض) مفتقر إلى البيان؛ إذ ليس كل أرض تملك بالإحياء. وكثير من أئمة النقل يقولون: (إن الحسن لم يسمع من سمرة. وقال بعضهم: لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وإنما يروى عن صحيفة لسمرة اطلع عليها، وهذا من جملتها.
[2131]
ومنه: حديث ابن عمر- رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (أقطع الزبير حضر فرسه) يقال: أقطعته قطيعة: أي طائفة من أرض الخراج. وفي الإقطاع ما يكون تمليكاً، وفيه ما لا يكون تمليكاً. وهذا الذي أقطع الزبير من موات الأرض، فملكها بالإحياء؛ لأن ورثة الزبير تصرفوا فيها تصرف الملاك في أملاكهم. و (حضر فرسه) أي: قدر ذلك، والحضر: العدو، يقال: أحضر الفرس إحضاراَ، واحتضر، أي: عدا. وأراد به ها هنا طلقة واحدة.
وأما الحديث الذي تقدمه عن أسماء رضي الله عنها: (أقطع الزبير نخلاً) فذلك غير تمليك، وإنما هو مما تركه الانصار لإخوانهم من المهاجرين، فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى، وفتحت خيبر، رد إلى الأنصار أموالهم، وعوضهم مما في يديه من مال الفئ، وبيان ذلك في حديث أم أيمن- رضي الله عنها ويحتمل أنه أقطعه من مال الفئ.
[2133]
ومنه: حديث أبيض بن حمال المأربي- رضي الله عنه أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -
فاستقطعه الملح الذي بمأرب، فأقطعه .. الحديث) استقطعه، أي: سأله أن يقطعه إياه. و (مأرب) - بالهمز- موضع باليمن به مملحة. يقال لها ملح شذا. وأبيض ينسب إلى سبأ، ويقال: إنه أزدى، وإنما نسب إلى مأرب لنزوله به. ويقال: إن اسمه كان أسود، فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم[58 أ] اسمه، فسماه أبيض. قيل: إنه أقطعه ذلك ظنا منه أن القطيعة معدم يستخرج منه الملح بالكد والعمل فيه، فلما استبان له أنه الماء العد، أي: الدائم الذي لا انقطاع لمادته، استرده منه؛ لأنه وجده منا لمنافع الحاصلة التي يرتفق بها المسلمون، فلم يرد لأحدهم الاستئثار بها دون الناس، وإنما يتملك الشيء منه بالسبق إليه والحيازة له. والرجل الذي قال:(إنما أقطعته الماء العد) هو الأقرع بن حابس التميمي. وفيه: (فسأله ماذا يحمي من الأراك .... الحديث) يحمى- على بناء المفعول؛ لما في غير هذه الرواية (فسأله عما يحمي من الأراك؟) ومنهم من رواه على بناء الفاعل، ونقل في تفسير قوله:(ما لم تنله أخفاف الإبل) عن محمد بنا لحسين المخزومي، أن معناه: أن الإبل ترعى منتهى رءوسها، فتحمي ما فوقه. وهذا المعنى يأباه اللفظ. وقد قيل فيه: تحمي منه ما بعد عن العماره، فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي. وهذا أوجه التأويلين لمطابقته اللفظي ويحتمل أنه أراد: أن لا يحمي منه شيء. لأن الحمى إنما يكون بمن يحميه وأية أرض وجد بها من يحمي الأراك، لم تخل من السارحة، وإنما ذكر الإبل لأنها هي التي تنال أغصانها، فترعاها على أغلب الأحوال دون غيرها من المواشي.
[2134]
ومنه: حديث ابن عباس- رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث) إنما جاء التأنيث ليدل على الأنواع المشتركة من كل جنس من الأجناس الثلاثة، وأراد (بالماء): الذي لم يملكه أحد. و (بالكلأ): ما يكون منه في أرض غير مستملكة، أو في ملك أذن للمتناول منه في دخوله، على اختلاف فيه، وأما الاشتراك [58 ب] في النار، فهو أن يتناول منها جذوة، أو يشعل منها شعلة، والاشتراك في الماء إنما هو: في الشرب والاستعمال. وكل من سبق إليه فهو أحق بالاستقاء، وأما في سقي الأرض، فهو على الترتيب: الأعلى فالأعلى، وأما ما يساق منه إلى موات الأرض، فهو حق من سبق إليه.
وفي معناه:
[2135]
حديث أسمر بن مضرس الطائي- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له).
[2136]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أرسله طاوس: (وعادى الارض لله ولرسوله) المراد منه، ما لم يعرف له مالك. وشيء عادى، أي: قديم. كأنه منسوب إلى عاد قوم هد- عليه السلام والعرب تنسب الشيء إليهم إن لم تدركهم.
[2137]
ومنه: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم (أقطع لعبد الله بن مسعود- رضي الله عنه الدور
…
الحديث) أقطع له، أي: جعلها قطيعه له، أو ميزها له عن غيرها. والظاهر أنه أقطعه العرصة، ليبني فيها. والعرب تسمي المنزل داراً قبل البناء. وقد قيل في أصل هذه التسمية، أنهم كانوا يأخذون الرمح فيخطون به الدائرة قبل التحجير والإحاطة.
وفي الحديث: (أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة) فوول على ما ذكرنا من إقطاع العرصة. وقيل: أفطعهم الدور عارية، والأول أظهر لما في الحديث: أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنهما ورثته داره بالمدينة، ولم يكن لعبد الله دار سواها.
وفيه: (وهي بين ظهراني عمارة الانصار). يقال: هو نازل بين ظهري القوم، وبين ظهرانيهم- بفتح النون أي: بينهم، وأقران [59 أ] الظهر: الذين يجيئون من وراء ظهرك في الحرب. وإنما قيل: بين ظهيرهم وظهرانيهم وأظهرهم؛ ليكون دالا على الاستظهار بهم والاستناد إليهم، وكأن معنى التثنية فيه: أن ظهراً منهم قدامه وآخر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم اتسعوا فيه، فاستعملوه في الإقامة بين القوم، وإن لم يكن مكنوفاً، وإنما زيدت الالف والنون في ظهرانيهم للتأكيد كما زيدت في النفساني للعيون، وفي الصيدلاني في النسبة إلى الصيدال، وهو أصل الأشياء وجواهرها.
وفيه: (فقال بنو عبيد بن زهرة: نكب عنا ابن أم عبد) أي: اصرفه واعدل به عنا، وبنو عبد بن زهرة: حي من قريش، أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منزل عبد الله بن منازلهم، وكانوا رهطاً منا لمهاجرين، وكأنهم قالوا هذا استهانة بقربه وتبرماً عن مجاورته.
[3139]
ومنه: حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور
…
الحديث) مهزور- بتقديم الزاي المعجمية على الراء المهملة- وادي بني مربضة. وعلى القلب من ذلك: موضع سوق المدينة، تصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمدينة واد آخر إلى أصل جبل يثرب، يقال له: مهزول- باللام- ولفظ هذا الحديث في المصابيح وجدناه مصروفاً عن وجه، ففي بعض النسخ:(في السبيل المهزور) وهو الأكثر. وفي بعضها: (في سبيل المهزور) وفي بعضها: (في السبيل المهزورى) وكل ذلك خطأ. وصوابه على ما ذكرناه بغير ألف ولام فيهما صيغة الإضافة إلى علم.
[2140]
ومنه حديث سمرة بن جندب- رضي الله عنه (أنه كان له عضد من نخل
…
الحديث) ذكر [59 ب] في (عضد) عن أصحاب الغريب أن المراد منه: طريقة من نخل ولم نجد لهذا القول سناداً من الاستشهاد العربي، ولا نظيراً في كلامهم. ثم إن لفظ الحديث يدل على أنه كان فرد نخل؛ لتعاقب الضمير بلفظ التذكير في قوله:(ليبيعه)، (ويناقله)، و (فهبه له) وأيضاً لو كانت طريقة من النخل لم يأمره بقطعها، لدخول الضرر عليه أكثر مما يدخل على صحابه من دخوله. ولم يكلفه أن ينقلها من موضع إلى موضع آخر؛ لأن ذلك قلما يتيسر إلا في الأفراد التي لم يمض عليها من زمان الغراس إلا السنة والسنتان، بل كان يأمره [بالإقراذ] من حائط شريكه. وقد ذكر أن صوابه:(عضيد من نخل) يقال للنخلة- إذا صار لها جدع يتناول منه المتناول-: عضيد، وجمعها: عضدان. وهذا هو الصواب، والله أعلم وأحكم.
ومن باب العطايا
(من الصحاح)
[2142]
حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي: (العمرى جائزة) العمرى: الاسم من:
أعمرته الشيء. أي: جعلته له مدة عمره، أو مدة عمري. وكانوا يرون أنها ترجع بعد وفاء المعمر إلى المعمر، قال لبيد:
وما المال إلا معمرات ودائع
هذا قول أهل اللغة. وإلى معناه يذهب بعض أهل العلم، فيرى أن العمرى تمليك المنفعة دون تمليك الرقبة. والأكثرون على أن العمرى: اسم من: أعمرتك الشيء، أي: جعلته لك مدة عمرك. وعلى أنها لا ترجع إلى المعمر؛ لأنه أوجب الملك في الحال، وعلق الفخ بخطر، فلا عبرة له، ويصير حكمه بعد موت المعمر كحكم سائر أمواله.
ويدل على صحة ما ذهبوا إليه الحديثان المتعاقبان بعد هذا الحديث، عن جابر. فإن قيل: أو ليس الحديث الذي بعدهما عن جابر أيضاً، ويدل على خلاف ما ذهبوا إليه. قلنا: ذاك تأويل حدث به جابر، عن رأي واجتهاد. وأحاديثه التي رواها عن قول النبي صلى الله عليه وسلم تدل على خلافة مع ما يعضد قول [60 أ] الجماعة من النظر.
(ومن الحسان)
[2145]
حديث جابر- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تعمروا ولا ترقبوا
…
الحديث) أرقب الرجل: إذا قال لصاحبه: وهبت منك كذا، فأن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي. والاسم منه الرقبى. وهي من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وذهب بعض العلماء إلى أن الرقبى ليست بتمليك؛ لأن الملك لا يجوز تعليقه بخطر حال الحياة.
ووجه الحديث عنده: أن الرقبى المذكورة في هذا الحديث: هي التي يترقب فيها الفسخ.
[2146]
ومنه حديثه الآخر، عن النبي صلى الله عليه وسلم (العمرى جائزة لأهلها) أي: صحيحة ممضاة، ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى الجائزة العطية، فله وجه.
والذي يذهب إلى أن الرقبى ليست بتمليك، فإنه يقول: جائزة، أي: فيما هو حكمها من العارية وتمليك المنفعة.
ومن الفصل الذي يليه
(من الصحاح)
[2149]
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس- رضي الله عنه: (ليس لنا مثل السوء) أي: [لا ينبغي لأهل ملتنا] المكرمين بالإيمان أن يوصفوا بما يسوء في العاقبة، وتنحط به منزلتهم فإن الله تعالى- لم يرض لهم ذلك، وإنما جعل ذلك للمشركين، قال الله تعالى:{للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء}
أي: الصفة الذميمة، وأي وصف أخس من وصف يشابهه في الكلاب،. ومحمل هذا القول عند من يرى الرجوع في الهبة عن الاجنبي أنه على [التنزيه] وكراهة الرجوع، لا على التحريم. ويستدل بحديث عمر- رضي الله عنه حين أراد شرى فرس حمل عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقة كالكلب يعود في قيئه) قال: فكما لم يكن هذا القول موجباً حرمه ابتياع ما تصدق به، فكذلك هذا الحديث لم يكن موجباً حرمة الرجوع في الهبة.
[2151]
ومن الحسان حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لواهب [60] أن يرجع فيما وهب، إلا الوالد من ولده) وهذا الحديث يأول عند أبي حنيفة- رحمه الله على أن (لا يحل) في معنى التحذير عن ذلك الصنيع، مقول القائل: لا يحل للواجد أن يحرم سائله، ولم ير هو أيضاً الرجوع فيما وهب الواهب لذوي الرحم المحرم، ولا فيما وهبه أحد الزوجين للآخر. وقد روى فيه حديث عن عمر- رضي الله عن- موقوفاً:(من وهب هبة لذوي رحم جازت، ومن وهب هبة لغير ذي رحم، فهو أحق بها ما لم يثب منها).
وتأويل قوله: (إلا الوالد لولده) عند أبي حنيفة: أن معنى الرجوع ها هنا إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت الحاجة إليه، كما يحل له أخذ ماله مما سوى الموهوب، ولا يقع ذلك منه موقع الرجوع من الهبة، ولا يكون مثله مثل العائد في هبته.
[2153]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي) كره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خص المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف منهم من سخاوة النفس وعلو الهمة، وقطع النظر عن
الأعواض.
[2156]
ومنه حديثه الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)
فيه تنبيه على أن من شكر النعمة شكر الوسائط، وذلك لأن الله سبحانه أمر عباده بمجازاة المحسن، فإن لم يتهيأ، فبالثناء عليه والدعاء له، والمقصر في القيام بما أمره الله به مقصر في شكر نعمه.
وفيه احتمال وجه آخر، وهو: أن الإنسان إذا تهاون بشكر من أسدى إليه معروفاً من الناس، مع حرصهم على حب الثناء، وفقرهم إليه، لجبر النقائص بهم، وقطعهم الرفق عمن لم يقابل إحسانهم بالشكر، [فهو بتهاونه] في شكر نعم الله الذي يحسن إلى المسيء، ويتفضل على المقصر، وهو المتعالى عن المفاقر والحاجات، المستغني عما يكون من العباد، أحق وأجدر.
[2157]
ومنه: حديث أنس- رضي الله عنه: (وأشركونا في المهنأ) أرادوا بالمهنأ: ما أشركوهم فيه من زروعهم ونخيلهم من حب وتمر، من قولهم: هنأني الطعام يهنؤني ويهنئني، ولا نظير له في المهوز: هنأ، وهنأ، وهنأت الرجل، أهنؤه وأهنته أيضاً هنأ: إذا أعطيته، والاسم: الهنؤ- بالكسر- وهو العطاء [61 أ] وكل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنئ. ولك المهنأ، وهنأته شهراً، أي: كفيته مؤنته. والمهنأ: ما يقوم بكفاية الرجل وإصلاح معاشه.