الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمنهم من يراه عزيمة، ولا شك أنه في الأصل رخصة، والذي يراه - أيضا رخصة: يرى إتيان هذه الرخصة أفضل.
ولما كان التعجيل في يومين رخصة، والرخص محتملة للمعاني التي ذكرناها - وقع قوله:{فلا إثم عليه} موقع البيان في إتيان الرخصة، وقوله:{ومن تأخر} موقع البيان لترك الرخصة، وإذا كانت الرخصة من هذا القبيل الذي لم يتبين لنا فضله على ما يخالفه - فلا شك أن الإتيان بالأتم والأكمل أولى وأفضل، والله أعلم.
ومن
باب حرم مكة
(من الصحاح)
[1910]
حديث ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية .... الحديث):
كان الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضا على الؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر دينة؛ فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله تعالى، وإظهار دينه، فينحاز إلى حزب الحق وأنصار دعوته، ويفترق فريق الباطل، فلا يكثر سوادهم، إلى غير ذلك من المعاني الموجبة لكمال الدين، فلما فتح مكة، وأظهره الله على الدين كله، أعلمهم بأن الهجرة المفروقة قد انقطعت، وأن السابقة بالهجرة قد انتهت وأن ليس لأحد بعد [47 /ـ أ] أن ينال فضيلة الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم وحقوقهم.
وقوله: (لا هجرة): أي: لم تبق هجرة، ولكن يبقي جهاد ونية، فينالون بذلك الأجرة والفضل والغنيمة.
وفيه تنبيه على أنهم إذا حرصوا على الجهاد، وأحسنوا النية - أدركوا الكثير مما فاتهم بفوات الهجرة.
وفي قوله: (لا هجرة): تنبيه على الرخصة في ترك الهجرة، يعني: إلى المدينة لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم فأما الهجرة الهجرة التي تكون من المسلم لصلاح دينه، فإنها باقية يد الدهر.
وفيه: (وإذا استنفرتم فانفروا):
نفر القوم في الأمر نفورا: إذا تقدموا له، واجتمعوا، وهم النفير، وفي الحديث:(فنفرت لهم هذيل) أي: خرجت لقتالهم، والمعني: إذا سئلتم النفور وكلفتموه، فأجيبوا إليه.
ووجه المناسبة بين هذا الفصل وبين الفصل الأول: أنه لم يأمن عليهم أن يتوهموا أن لهم أن يثبطوا في الخروج إلى الجهاد، كما أن لهم أن يستقروا حيث شاءوا من بلادهم، فلا يهاجروا، فنبأهم أن أمر الجهاد خلاف أمر الهجرة.
[1911]
وفيه: (إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض) أي: لم يكن تحريمه من الناس باجتهاد شرعي، ولا بمقاية، ولا بمواضعه، بل كان من قبل الله بأمر سماوى).
فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله هذا، وبين قوله:(اللهم إني أحرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة)؟
قلنا: يحتمل: أنه أضاف تحريم مكة إلى إبراهيم؛ لأن الله تعلى بين تحريمها للناس على لسانه، ويكون معني الدعاء: اللهم جرمها وبين تحريمها على لساني، كما بينت تحريم مكة على لسان إبراهيم.
ويحتمل: أن التحريم المضاف إلى إبراهيم ما كان من دعائه عند بناء البيت، مثل قوله:{وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا} لا الذى كان يوم خلق الله السموات والأرض، ويكون هذا النوع من التحريم زيادة على ما كان في أول الأمر، وذلك مثل تحريم الحرمين أن يدخلهما الدجال، وتحريم القتال فيهما، ولم يحمل التحريم الذي كان منهما على تحريم الصيد وتخويفه، وإثارته ما يشبهه من التحريم؛ لأن ذلك مختلف فيه بين أهل العلم: هل حكم المدينة في ذلك كحكم مكة؟ وإن كان الجمهور على التفريق بينهما في ذلك.
والذي ذكرناه من دخول الدجال، وتحريم القتال، والدعاء على من خوف أهلها لا اختلاف فيه.
وفيه: (ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها):
أى: لا يلتقطها إلا من يريد [47/ب] تعريفها فحسب؛ يدل عليه قوله في حديث آخر: (ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد) أي: ليس للملتقط أن يتصدق بها، أو يستنفقها، كسائر اللقطات، وفي ذلك تعظيم أمر الحرم، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيرها من الأماكن، ويعضد هذا الحديث وما ورد بمعناه قول من فرق بينهما؛ لأن الكلام ورد مورد بيان الفضائل بل المختصة بها؛ كتحريم صيدها، وقطع
شجرها، وحصد خلالها، ثم إن الخبر الخاص إنما ياق لعلم خاص، وإذا سوى بين لقطة الحرم، ولقطة غيره من البلاد، وجدنا ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليا عن الفائدة.
وفيه: (ولا يختلي خلاها):
الخلا - قصورا النبت الرقيق ما دام رطبا، فإذا يبس فهو الحشيس، والحشيش - أيضا - لا يحل قطعه، إذ لا فرق بين رطبه ويابسه، دل عليه من هذا الحديث قوله:(ولا يعضد شوكه) أي: لا يقطع، وذلك أبلغ في التحريم من قطع الشجر وغيره، لأن الشوك لا منفعة للنازلين في الحرم في إبقائه بل يستضرون، ولا يسرح في منابته النظر؛ بخلاف الخلاء [48/أ] زينة الأرض، ومن المحدثين من روى (الخلاء) ممدودا، وهو خطأ.
[1913]
ومنه: حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر .... الحديث):
قال الأصمعي: المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.
وفيه: (فلما نزعه جاءه رجل، فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة):
الرجل: هو فضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمى، وهو الذي قتل ابن خطل، واسم ابن خطل: عبد العزيز، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:(أن ذلك لم يحل لأحد قبله، ولا يحل لأحد بعده، ولم تحل له إلا ساعة من نهار)، وكان ابن خطل قد ارتد بعد أن أظهر الإسلام، وقتل نفساً.
[1917]
ومنه: حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كأني به أسود أفحج .... الحديث):
(كأني به) في معنى: أبصر به على هذه الصفة، يريد به: مخرب الكعبة من الحبشة، وهو الذي قال فيه:(يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة) فأراد به حموشة ساقية، وأسود أفحج: حالان من خبر (كأن) و (كأن) وإن لم يكن بفعل، فإن يشبه به، وإذا قيد منصوبه أو مرفوعة بالحال، كان مقيدا باعتبار معناه الذي أشبه الفعل. .
وافحج: بتقديم الحاء على الجيم، وهو الذي يتدانى صدور قدميه، ويتباعد عقباه، ويتفحج ساقاه، ومعناه: ينفرج، والفجج - بجيمين: فتح ما بني الرجلين وهو أقبح من الفحج.
و (يقلعها): في معنى الحال، والضمير: للكعبة، وفي الحديث، اختصار اختصره الراوي، لعلم السامعين به.
[1919]
ومنه: حديث عبد الله بن عدى بن الحمر السقرشي الزهري - رضى الله عنه: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على الحزورة) وفي غير هذه الرواية: (وهو واقف على راحلته بالحزورة):
ومن الوراة من يشدد الواو، قال الدارقطني: التخفيف هو الصواب، والحزورة: موضع كان به سوق مكة، ويقال: إنما قيل لها: حزورة، لمكان تل صغير هنالك، ووجدت في (مجمع الأمثال) لأبي الفضل الميداني: أن وكسيع بن سلمة بن زهير بن إياد - وكان ولي أمر البيت بعد جرهم - بني صرحا بأسفل.