الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مكة، وجعل فيه سلما يرقي فيه، ويزعم أنه يناجي الله فوق الصرح، وكان علماء العرب يرون أنه صديق من الصديقين، وكان قد جعل في صرحه ذلك أمه يقال لها: حزورة؛ وبها سميت: حزورة مكة، والله أعلم.
ومن
باب حرم المدينة
(من الصحاح)
[1920]
حديث على رضي الله عنه[48/ب] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرام ما بين عبر إلى ثورة .... الحديث)، وفي بعض طرقه:(ما بين عائر إلى كذا) وفي بعضها: (إلى ثور).
قال مصعب بن الزبير: لا يعرف بالمدينة عير ولا ثور، وقد ذهب بعض أهل العلم في تأويله: إلى أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور بمكة، قال: بمكة جبل يقال له: عير عدوى.
قلت: وثور، يقال له: ثور أطحل، وكان قديما يعرف بأطحل، فكان ثور بن عبد مناة بن أد بن طالحة ينزله، فاشتهر به، فقيل بجبل ثور، واشتهر به، وغلب عليه ذلك حتى قيل للجبل: ثور، ثم أضيف إلى أطحل، لا ختلاف الاسمين.
ويحتمل أنه أراد بها الحرتين؛ للحديث الصحيح أنه قال: (حرم ما بين لابتي المدينة على لساني) فشبه إحدى الحرتين بعير، لتوسطة ونشوزه، والأخرى بثور؛ لامتناعه تشيبها بثور الوحش، أو لاجتماعه، أو أراد بهما: مأزمي المدينة، فشبهها بعير وثور، وفي الحديث:(حرام ما بين مأزميها).
وإنما تجوزنا فيه سبيل الاحتمال؛ لما لم نجد بالمدينة جبلا يعرف بواحد من هذين الاسمين؛ ولذلك ضرب بعض الرواة عليهما، وترك بعضهم موضعهما بياضا؛ ليبين الوهم فيه.
وفيه: (فمن أحدث فيها حدثا، أو آوي محدثا)
أراد بالحدث البدعة، وذلك ما لم تجر به سنة، ولم يتقدم به عمل، وبالمحدث: المبتدع، وروي بعضهم:(المحدث): بفتح الدال، وليس بشيء؛ لأنه بكسر الدال هي الرواية الصحيحة، ثم إن فيه من طريق المعني وهنا، وهو أن اللفظين حينئذ يرجعان إلى شيء واحد؛ فإن إحداث البدعة وإيواءها سواء، والإيواء قلما يستعمل في الإحداث، وغنما المشهور استعماله في الأعيان التي تنضم إلى المأوي.
وفيه: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم):
الذمام والذمة: ما يذم الرجل على إضاعته من عقد، والمعني: أن المسلم إذا أعطي ذمته لمن يخالفه في الدين لم يكن لأحد من المسلمين أن ينقض العقد الذي عقد به ذلك في استئمانه، وإن كان ذلك المسلم من أدنى المسلمين منزلة. وقوله:(ذمة المسلمين واحدة) أي: أنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب، ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها، وكأن الذي ينقض ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة نفسه.
فقوله: (يسعى بها) أي: يتولاها ويليها ويذهب بها، والأصل في السعي: المشي السريع، ويستعمل للجد في الأمر؛ فمن خفر ملما، أي نقض عهده، وحقيقته: أزال خفرته، والخفرة هي العهد والأمان.
وفيه: (لا يقبل منه صرف ولا عدل):
قيل: فريضة ولا نافلة [49 / أ]
وقيل: توبة ولا فدية، وقد ذكرناه فيما قبل.
وفيه: (ومن والي قوما غير مواليه):
قال الطحاوى: إنما أراد به ولاء الموالاة؛ لا ولاء العتق.
قلت: هذا حسن، غير أن نسق الكلام في قوله:(من أدعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه) يدل على أنه أراد به ولاء العتق، فإن له لحمة كلحمة النسب، وفيه، إبطال حق مواليه، وهو بالانقطاع عنهم، والانتماء إلى غيرهم، كالدعى الذي تبرأ عمن هو له، ويلحق نفسه بمن سواه، وفي ذلك قطع الرحم، وهتك الحرمات، وبه استوجب الدعاء عليه بالطرد والإبعاد.
فإن قيل: فإذا كان المعني على ما أدعيت، فلم شرط فيه الإذن، وهو حرام، ووجود الشرط وعدمه في ذلك سواء؟
قلنا: بني الأمر في ذلك على الغالب، وهو أنه إذا استأذن مواليه، ل يأذنوا له وعلى هذا: فذكر الإذن فيه إرشاد إلى السبب المانع عنه، ويرع معني ذلك إلى التوكيد؛ لتحريه، والتنبيه على بطلانه، وأنه لا يملك ذلك، وليس له أن يتار شيئا منه.
[1921]
ومنه: حديث سعد بن [أبي] وقاص رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أحرم ماب ين لابتي المدينة: أن يقطع عضاهها ..... الحديث):
اللوبة والسلابة: الحرة، و (لابتي المدينة): حرتان تكتنفانها، والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، واحد عضاهة. وعضهة بحذف الهاء الأصلية، كما تحذف من الشفة، سئل مالك رحمة الله - عن النهي الذي ورد في قطع سدر المدينة؟ وقال: إنما نهي عنها؛ لئلا تتوحش ويبقى بها شجرها، فيستأنس بذلك من هاجر إليها، ويستظل بها.
فإن قيل: كان سعد وزيد بن ثابت يريان في ذلك الجزاء. قلنا: الوجه فيه أنه نسخ، فلم يشعرا به، وقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يرى التطبيق في الصلاة حيث خفي عليه نس ذلك، وإنما ذهب إلى النسخ من ذهب للأحاديث التي تدل على خلاف ذلك؛ ولهذا لم يأخذ بحديثهما أحد من فقهاء الأمصار.
وقد بسطنا القول في بيان تلك الأحاديث في (كتبا المناسك) في بيان فضل مكة على سائر البقاع، فن أحب الوقوف عليه، فليراجع ذلك.
[1922]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (ولا يثبت أحد على لاوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا).
اللأواء: الشدة، واللأي: الشدة في العيش [49/ب] والجهد، بفتح الجيم: المشقة، وقد ورد اللأواء في كلاهم بمعني القحط، وعليه يفسر الحديث؛ لما في أكثر الروايات:(على لأوائها وشدتها).
والتعاقب في هذين اللفظين يدل على اختلاف في المراد، فيحمل اللأواء على ضيق المعيشة، والجهد على ما يصيبهم من الحر والجوع، وعلى ما يصيب المهاجرين فيها من وحشة والغربة وغير ذلك.
وأما قوله: (كنت له شفيعا أو شهيدا): فالقول الأقوم فيه: أن يقال: (أو) للتقسيم لا على الشك من بعض الرواة؛ لأن هذا الحديث روى عن سعد، وابن عمر، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وسفيان بن أبي زهير الشنوى، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية، رضي الله عنهم، وأكثر
الروايات عنهم على هذا السياق. ويدل ذلك على أن الحديث خرج كذلك من معدن الرسالة؛ لتواطؤ الرواة عليه؛ فالوجه فيه التقسيم؛ لأن الشك منفي عنه، لاسيما في أخبار الديانات، وأنباء الغيب.
والمراد منه على هذا: إلا كنت شفيعا لبعضهم، شهيدا لبعضه، وقد قال في شهداء أحد:(أما هؤلاء فأنا عليهم شهيد)؛ فيحتل: أن يكون شهيدا لمن مات في زمانه، شفيعا لمن مات بعده، ويحتمل: أنه أراد أنه شهيد لمن اتقي وأحسن، شفيع لمن أساء وعصى.
فإن قيل: أو ليس يشهد لأمته؟
قلنا: يشهد على سائرهم بالبلاغ، ولا يشهد إلا لمن وفي لله بعهده، قال الله تعالى:{وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فالآية تخبر عمن يشهد عليهم، والحديث يخبر عمن شهد لهم.
وإن ذهب ذاهب: إلى أن (أو) بمعني الواو؛؛ لورود الرواية - أيضا - بالواو، فالتأويل أن نقول: إنه إشارة إلى اختصاص أهل المدينة بالجمع بين الفضيلتين: الشهادة والشفاعة.
[1923]
ومنه: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة، جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه قال
…
الحديث):
إنما كانوا يؤثرونه بذلك على أنفسهم؛ حبا له وكرامة لوجهة المكرم، وطلبا للبركة مما جدد الله عليهم من نعمته، ويرونه أولى الناس بما سيق إليهم من رزق ربهم، وأما إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أصغر وليد يراه: فإنه من تمام الشكر، والالتفات إلى وضع الشيء موضعه حيث بدا في أولية ما سيق إليه أول من هو أقرب إلى الضعف، وأبعد من الذنب، ثم إنه رأي أن يراعي المناسبة الواقعة بين الولدان وبين الباكورة، وذلك حدثان [70] عهدهما بالإيداع فيخص به أصغر وليد يراه، تحقيقا لما أشير إليه من المعاني.
[1924]
ومنه: حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم، إن إبراهيم حرم مكة، فجعلها حرما
…
الحديث):
سمي حرم مكة حرما؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرا مما ليس محرما في غيره، والحرم قد يكون الحرام،
ونظيره: زمن وزمان، وأما إضافة:(جعل مكة حرما) إلى إبراهيم عليه السلام وقد قال الله تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} : فهي من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ وذلك لأن خليل الله هو الذي سأل الله ذلك؛ كما في قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا) أو لأنه بين للناس ذلك، أو لأنه هو الذي ميز حدود الحرم بالعلامات فنصب الأعلام عليها من الجهات، وقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنه (أن إبراهيم نصب أنصاب الحرم يريه جبريل، عليهما السلام.
وذهب كثير من العلماء: أنه أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلقة بالحرم.
وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن التحريم الذي ذكر في المدينة ليس من سائر الوجوه؛ بل من وجه دون وجه، وفي بعض دون بعض، ومن الدليل عليه قوله في هذا الحديث:(لا يخبط شجرها إلا لعلف)، وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال؛ وهذا من جملة الفرق بين التحريمين.
فإن قيل: وفي هذا الحديث: (لا ينفر صيدها) وفي حديث جابر: (ولا يصاد صيدها)؟
قلنا: السبيل أن يحمل النهي على ما قاله مالك وغيره من العلماء: أنه أحب أن يكون المدينة مأهولة مستأنسا فإن صيدها وإن رأي تحريمه نفر يسير من الصحابة - فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة: أنه رأي الجزاء في صيد المدينة، ولم يذهب - أيضا - إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار الذين يدور عليهم علم الفتوى في بلاد الإسلام.
وفيه: (وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها):
حراما: نصب على المصدر، والتقدير: أني حرمت المدينة، فحرمت حراما، ومثله قوله سبحانه:{والله أنبتكم من الأرض نباتا} و (ما بين مأوميها): يكون بدلا عنها.
ويحتمل أن يكون (حراما) مفعول فعل محذوف، تقديره: وجعلت حراما ما بين مأزوميها، و (ما بين مأزميها) مفعولا ثانيا.
والمأزم: كل طريق بين جبلين، ومنه يقال للموضوع الذي بين عرفة والمشعر الحرام: المأزمان؛ وفي حديث أبي هريرة رضى الله عنه: (وجعل - يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم أثني عشر ميلا حول المدينة حمي).
وقوله: (حمى): يؤيد ما قررنا) من قول العلماء في تحريم صيدها، وقطع شجرها؛ لأن ما كان على
سبيل (الحمى) لا يقع المنع عنه على التأبيد، بل يمنع منه تارة، ويرخص فيه أخرى، والحمي: الماء والكلأ يحمي فيمنع.
والحديث أخرجه مسلم في كتابه
وفيه: (أن لا يهراق فيها دم):
هذا القول وقع موقع التفسير لما حرم؛ كأنه قال: وذلك بأن لا يهراق بها دم وليس من المفعولية في شيء؛ إذ لو كان متعلقا بقوله: (إني حرمت)، لكان من حقه ان يقول: أن يهراق بها دم، والمراد من النهي عن إراقه الدم ههنا، ـ النهي عن التقال فيها: فإنه يفضى إلى إراقة الدم.
وإنما ذهبت غلى السبب المقضى إليه دون ظاهر القول؛ لأن إراقة الدم الحرام ممنوع عنه على الإطلاق، والمباح منه لم نجد فيه اختلافا نعتد به عند العلماء، إلا في حرم مكة.
[1925]
ومنه: حديث سعد رضى الله عنه: (أنه وجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه، فسلبه) أي: أخذ ثيابه.
والسلب- بالتحريك-: المسلوب، والوجه في ذلك النسخ على ما ذكرنا.
وقد كانت العقوبات في أول الإسلام جارية في الأموال، وقد ذكر بنظائره في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم:(فله أن يعقبهم بمثل قراه).
أى: أعطانيه نقلا، والنفل: الغتيمة،؛ تقول منه: نفلته نفيلا، أي: أعطيته نفلا.
وقوله عائشة رضى الله عنها في حديثها: (وعك أبو بكر وبلال): الوعك: مغث الحمي، وهو ممارستها المحموم حتى تصرعه، يقال: وعكته الحمى، فهو موعوك، وأوعكت الكلاب الصيد: إذا مرغته في التراب.
[1927]
ومنه: حديث ابن عمر في رؤيا النبي حتى نزلت مهيعة .... الحديث).
قوله: (فى المدينة) أي: في ِشأن المدينة، (ثأثرة الرأس) أي: مستنشرة شعر الرأس مشعاثة، وقد انقضي القول فيه.
و (مهيعة): هي الجحفة، و (أرض مهيعة): مبسوطة، وبها كانت [72] تعرف، فلما ذهب السيل بأهلها، سميت جحفة، وكانت - بعد ذلك - دارا ليهود يحلونها، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم بنقل وباء المدينة إليها، فقال:(وأنقل حماها إلى الجحفة).
فلما رأي تلك الرؤيا عرف في تأويلها: أن الله تعالى قد استجاب دعوته؛ وذلك قوله: (فستأولتها أن وباء المدينة نقل إلى المهيعة)، وتأولته وأولته تأويلا: بمعني، وهو أن يفسر الشيء، بما يسئول إليه، ومنه قول الأعشي:
على أنها كانت تأول حبها
…
تأول ربعى السقاب فأصحبا
والوباء: مرض عام، وأرض موبوءة: إذا كثر مرضها، والوباء يمد ويقصر، وكانت الجحفة - بعد رؤياه هذه- أكثر أرض الله وباء.
ومنها غدير خم أوخم البلاد ماء وهواء وقد ذكر عن الأصمعي؛ أنه قال: لم يولد بغدير خم أحد فعاش إلى أن يحتلم، إلا أن يتحول منها.
قلت: و (الميم من (خم) مشددة.
[1928]
ومنه: حديث سفيان بن أبي زهير الشتوي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون):
(يبسون) أي: يسوقون أخموالهم، من البس، وهو سوق لين، يقال للناقة إذا زجرت للسوق: بس بس، وبسست الناقة وأيستها: لغتان وعلى كلتيها روى الحديث.
والمراد منه: أن قوما ممن يشهد تلك الفتوح إذا رأوا إرفاق تلك البلاد، وما يدر عليهم من الارزاق - دعتهم رغدة العيش، ومال يهم حبة البلهنية إلى استيطان تلك البلاد، فيتركون المدينة، والمدينة خير لهم؛ لانها حرم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنزل الوحى والبركات، ثم إن القوم كانوا يخرجون عنها، وبها أهلهم وعيالهم في ذات الله، وإعلاء كلمته، ويخاطرون بأنفسهم في حفظ الثغور لوجه الله، والذب عن حوزة الدين، فإذا
تركوا المدينة نظرا إلى الحظوظ العاجلة، تداخل الخلل والوهن في نياتهم، والتبست النقيصة بأعمالهم، وصار ذبهم في تلك البلاد عن أنفسهم وأهاليهم، وسعيهم في حيازة ما يقوم به أودهم بعد أن كان ذلك كله لله، عز وجل.
وقوله: (لو كانوا يعملون):
أي: لو كانوا يعلمون أن المدينة خير لهم مما اختاروا عليها من البلاد.
فإن قيل: فماذا تقول فيمن تحمل بأهله عنها، وهو يعلم أن المدينة خير له، وقلما يجهل ذلك مؤمن، لاسيما وقد نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أو ليس قد علم، ولم تكن المدينة خيرا له؟
قلنا: إنما ينفي العلم عن هذا الذى ذكرت، وينزل منزلة من لا يعلم؛ لأنه رغب عنها مع علمه بأنها خير له [73] وطنا ومدفنا في محياه ومماته، والعالم إذا ترك العمل بما علم، ولم يتنفع بعلمه - صار منسلخا عنه؛ فكان كالذى لا يعلم.
[1929]
ومنه: حديث أبي هريرة رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب
…
الحديث).
(أمرت بقرية) أي: بنزول، وباستيطان قرية ونحو ذلك.
(تأكل القرى): تقول العرب: أكلنا بني فلان، أي: ظهرنا عليهم. وأصل الأكل للشيء: الإفناء له، ثم استعير لانستاح البلاد، وسلب الأموال؛ فكأنه قال: يأكل أهل القرى، وأضاف الأكل إليها؛ لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها فتفتي فيها.
ويثرب: من أسماء المدينة، قيل: هو اسم أرضها؛ سميت باسم رجل من العمالقة كان أول من نزلها، وبه كانت تسمي قبل الإسلام، فلما جاء الله بالإسلام، غير النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاسم؛ فقال:(بل هي طابة)،
وكأنه كرة هذا الاسم؛ لما يئول إليه من التثريب أو لغير ذلك.
وقوله: (وهي المدينة):
فيه - أيضا-: تنبيه على أن الاسم المقول متروك جعلت المدينة مكانه.
يحتمل: أن يكون قوله: (وهي المدينة) على وجه التفخيم؛ كقول الشاعر:
......................... هم القوم كل القوم يا أم خالد
أي: هي المستحقة بأن تتخذ دار إقامة؛ فتسمي بذلك من قولهم: مدن بالمكان: إذا أقام به، وقد أشرنا إلى مثل هذا المعني في تسمية مكة بـ (البلد).
[1931]
: ومنه: حديث جابر بن سمره رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة كالكير، تنفى خبثها، وتنصع طيبها.
الكير: كير الحداد -: هو البني من الطين، ويكون زقة أيضا، وقيل: الكير الزق. والكور: ما بني من الطين، وأصل الكلمة ممن الكور الذي هو الزيادة، ضموا الكاف على الأصل في أحدهما، وكسروها في الآخر؛ للفرق بين البناءين، والراد مما في الحديث: هو ما بني من الطين، وإن كانت اللغة فيهما على ما قيل؛ فالياء فيه معدولة عن الواو.
و (خبثها) يروى مفتوحة الخاء والباء، ويروى مضمومة الخاء ساكنة الباء.
وعلى الأولى: يعني به: ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية التي تصلح للطبع، فتخلصها بما يميزه عنها من ذلك.
وعلى الثانية: يعني به الشيء الخبيث.
والمعتد به: هو الأول؛ لأنه أكثر وأشبه بالصواب؛ لمناسبته الكير، ولمساوقته المعني المراد منه. وقرن الخبث بالضمير على لفظ التأنيث؛ لأنه نزل المدينة منزلة الكير، فأعاد الضمير إليها.
واختلفوا في قوله: (ينصع طيبها) اختلافا كثيرا، وأري أسد الروايات لفظا، وأقومها معني:(وينصع) بضم الياء، وتخفيف النون؛ من قولهم [74]: نصع لونه نصوعا: إذا أشتد بياضه وخلص، وأنصعه غير: على اللغة القياسية، وفي معناه: ينصع بتشديد الصاد، والرواية بالتشديد أكثر.
و (طيبها) بتشديد الياء، وفتح الباء، وقد ذكر الحافظ أبو موسى، عن صاحب (المجمع): أن صوابه: (ينصع) من الثلاثي، و (طيبها) بكسر الطاء وضم الباء، أي: يظهر طيبها، أو (ينصع) بضم حرف الاستقبال، وفتح الباء، والطاء مكسورة أيضا.
قلت: وكسر الطاء غير سديد؛ لأن فتح الطاء وتشديد الياء، هي الرواية الصحيحة فيه، وذلك أقوم معني؛ لأنه ذكر في مقابلة (الخبيث) و (ينصع) على صيغة الثلاثي: أيضا غير سديد لأنه لازم، وقد جيء
به - ههنا - مطاوعا لقوله: (ينفي)، وهو متعد، وإذا كان من التنصيع أو الإنصاع، حصل به أتساق الكلام، وكذلك (طيبها) بتشديد الياء وفتح الباء، فإن كسر الطاء منه - مع مخالفته رواية الثقات - ناب عن الأصل المشبه به، أية مناسبة بين الكير والطيب.
وهذا القول صدر عنه على وجه التمثيل، فعجل مثل المدينة وما يصيب ساكنيه من الجهد والبلاء كمثل الكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث، ويبقي الطيب فيه أزكي ما كان وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمي والوصب والجوع، وتطهر خيارهم وتزكيهم.
وقد ذكر الزمخشري أن صوابه: (ينضع) بالضاد المعجمة من (أنضعت الشيء) أي: جعلته نضاعة، وهذا القول ساقط من طريق الرواية، لين من حيث المعني.
[1933]
: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (ليس نقب من أنقابها):
النقب: الطريق في الجبل.
[1935]
: ومنه: حديث أنس رضى الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع له أحد، فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه).
الأشبه أن تكون إضافة الحب إلى الجبل مجازا، والمراد منه: حصول الكرامة والشرف للجبل بمجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من دأب الناس حب ما فيه كرامه وشرف، أو المراد منه: أنه يوافقهم في الماء
والهواء موافقة المحب لمحبوبة، فلا يجتوونه ولا يستوخمونه.
ولعل أراد بالجبل: أرض المدينة كلها، وإنما خص الجبل بالذكر؛ لأنه أول ما يبدو ن أعلامها، ويحتمل أنه أراد بحب الجبل لهم: حب أهل المدينة.
(ومن الحسان)
[1937]
: حديث الزبير بن العوام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله).
قال المؤلف: (ووج: ذكروا أنسها من ناحية الطائف)، وأنه نقله عن كتاب الخطابي؛ وعلى هذا [75] وجدناه في (كتاب المعالم) إلا أن فيه:(أنه) من ناحية الطائف، وفي (المصابيح):(أنها) والصواب (أنه)، وقد وجدنا فيما نعتمد عليه من بيان أسماء الأمكنة: أن وجاء بلد الطائف؛ قال الشاعر:
فإن تسق من أعناب وج فإننا
…
لنا العين تجرى من [كسيس] ومن خمر
وفي الحديث: (آخر وطأة وطئها الله بوج) وهى غزوة الطائف.
و (حرم) أي: حرام، وهما لغتان كـ (حل وحلال)، وبه قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه، وحمزة
والكسائي: {وحرام على قرية أهلكناها} ، و (محرم): جاء به على وجه التأكيد لقوله: (حرم).
وقوله: (لله) متعلق بالتحريم، أي: حرم ذلك لله.
قد ذهب أكثر العلماء في تأويل هذا الحديث: إلى أنه حرمه على سبيل الحمي، أو حرمه في وقت معلوم، ثم نسخ.
قلت: والذي ذهبوا إليه في تأويله هو الذي نعول عليه في أمثال هذا الحديث، ولا نرى عنه معدلا؛ وذلك أنه كان يريد غزوة الطائف، وأعلمه الله تعالى سيكون معه الجم الفقير من المهاجرين والأنصار والطلقاء وأعراب المسلمين؛ فرأى أن يحمي ذلك؛ ليرتفق به المسلمون، ويتقووا به على محاصرة أهل الطائف؛ ويدل عليه ما روي في هذا الحديث: أن ذلك كان قيل غزوة الطائف، وحصاره ثقيفا.
وقد رووا عن كعب الأحبار في تقديس أرض وج وتحريمها قولا لا يخف على من عرف ربه ثقله، يخفى على من كان على بصيرة فساده؛ وعليه أولوا الحديث الذي ذكرناه في آخر وطأة.
والله المسئول أن يبصرنا لدى ألعمي في مواطن العرفان، وينعش بنا عن السقطة في ورطة الخذلان.